ملخص
ثمة غموضاً يحيط بالدوافع الحقيقية للحسناء إيفا براون والتي دفعتها إلى التمسك بهتلر منذ التقت به وكان لا يزال مجهولاً بالنسبة إليها على الأقل، ومجرد مغامر أفّاق غريب الشارب حاد النظرات يثير النفور لدى الآخرين قبل أن يسعى لطمأنتهم
كانت في السابعة عشر حين التقته كزبون عابر في محل لبيع أدوات التصوير في ميونيخ حيث تعمل، ولم تجد فيه ما يجتذبها إليه هو الذي كان يكبرها بما لا يقل عن 23 سنة وليست له تلك الصورة المثالية للرجل الآري التي كان هو نفسه يمجدها ويحضرها لتحكم العالم. ومع ذلك وإذ تحدثت إليه بعض الشيء عن آلات التصوير وفن الفوتوغرافيا، وعملها كمتدربة في المحل الذي كان يمر به صدفة، وجدت في نفسها من الذكاء ما يقول لها إن هذا الرجل قد يكون شريك حياتها. فقررت أن ترتبط به وفعلت، لتبقى معه أكثر من عقد ونصف العقد من السنين وهي تحاول أن تقنعه بأن يجعل منها زوجته الشرعية بينما يصر هو على أن تكون عشيقته لا أكثر.
ونعرف أن ذلك الزوج المنشود لم يكن سوى أدولف هتلر الذي ستظل إيفا براون مخلصة له لتحصل منه في النهاية على طلب زواج ولكن قبل يوم واحد من انتحارهما معاً حين حاصر الحلفاء المنطقة والحصن الجبليين اللذين كانا قد لجأا إليهما بعد أن أطبقوا على الجيوش الألمانية واضعين حداً للمغامرة النازية ولحلم إيفا براون بأن تكون لها عائلة وبيت ورجل عبدته، لكنه لم يعاملها إلا كأنثى تشبع له رغباته ومنها رغبته في أن يعبد.
وتلكم هي باختصار الحكاية المنسية بعض الشيء اليوم، بل حتى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التي جمعت تلك الألمانية الشقراء بواحد من أكبر مجرمي التاريخ فتغاضت عن كل شيء في سبيله. من دون أن تقول لأحد إنها أحبته حقاً.
حكايات متناقضة
إذا كانت الصحافة الألمانية قد أحيت قبل 15 عاماً من اليوم تلك السيرة الأولى التي صدرت لإيفا براون بعنوان “إيفا براون: العيش مع هتلر” بعد أن تم نسيانها طويلاً من قبل من اكتفوا دائماً بالإشارة إليها فقط لمناسبة الحديث عن هتلر، فإن ثمة غموضاً أقرت به الصحافة يحيط بالدوافع الحقيقية لتلك الحسناء والتي دفعتها إلى التمسك بهتلر منذ التقت به وكان لا يزال مجهولاً بالنسبة إليها على الأقل، ومجرد مغامر أفّاق غريب الشارب حاد النظرات يثير النفور لدى الآخرين قبل أن يسعى لطمأنتهم، ثم لاحقاً لتولي قيادتهم إلى جهنم التي قادهم إليها من دون أن يكون ألمانياً ولكن تحت شعارات مغرقة في بعدها الألماني.
ولقد أبدت الصحافة رضاها عن تلك السيرة التي كتبتها هايكي دي غروتميكر معلنة أن همها الأساسي فيها، إعادة الاعتبار لأنثى ظلمت نفسها قبل أن يظلمها الآخرون، لمجرد أن سعت باكراً للارتباط بذلك الرسام الفاشل والكاتب الضحل، غير واثقة أصلاً من أنه سيكون له مستقبل ما.
ولكن يبقى هنا السؤال الذي من الواضح أن الكاتبة اشتغلت كل كتابها في محاولة منها للإجابة عليه: هل أسهمت إيفا في رسم ذلك المستقبل الذي راح هتلر يرتقي خطواته بعد سنوات قليلة من لقائهما؟ هل كان لها دور في ذلك فدفعت في نهاية الأمر الثمن باهظاً؟
للوصول إلى بعض إجابات قاطعة على مثل هذا النوع من الأسئلة انطلقت الكاتبة في الحكاية من البداية. وتحديداً منذ عام 1912 حين ولدت إيفا براون في ميونيخ ابنة لأستاذ مدرسة، ترعرعت في المدينة نفسها ولم تبد طموحات أكبر مما ينبغي خلال طفولتها البورجوازية على الطريقة الألمانية.
ومن هنا يستغرب الكتاب كيف اهتمت المراهقة التي كانتها إيفا في عام 1929 بالعابر الغريب الذي لم تتعرف إليه أول الأمر على رغم أنه كان حينها قد أصاب شيئاً من الشهرة في المدينة على أية حال. وهي لئن كانت على رغم كل شيء قد اهتمت به إلى حد ما فإنما لكي تحكي عنه لرفيقاتها مطلقة عليه اسم “السيد ذئب” كناية عن نفورها منه.
مصير غريب
ومع ذلك، وبطريقة تبدو غامضة حتى في كتاب السيرة هذا، سرعان ما نلتقي إيفا وقد أضحت عشيقة لأدولف. وامرأة أخيرة في حياته حتى وإن كان كتاب سيرته تجاهلوها طويلاً، بحيث لم يهتموا قبل هذا الكتاب بالتحري حول دافعها كما نوهنا. وهو ما جعلها في كتاباتهم مجرد كومبارس عبر في تاريخه الحافل.
ومن هنا، لقلة المعلومات، بقي الناس يجهلون تماماً طبيعة العلاقة الحقيقية التي قامت خلال السنوات الخمس عشرة التي تلت لقائهما الأول وفصلت بين ذلك اللقاء وانتحارهما معاً بعد ساعات من عرضه الزواج عليها.
والحال أن هم هذه السيرة الأولى الكبيرة لإيفا براون إنما كان سد هذا النقص وبصورة راديكالية.
فرضيات وحقائق
وعلى رغم الافتقار إلى المعلومات الكافية حيت الصحافة الألمانية هذه السيرة لدى صدورها من منطلق أن المؤلفة عرفت كيف تشغل مخيلتها للوصول إلى تصورات يمكن النظر إليها باعتبارها حقائق حتى ولو أنها انطلقت من فرضيات، وبخاصة لأن ليس ثمة ما يناقضها في أية سيرة كتبت لهتلر أو لتاريخ تلك المرحلة، ولأن البديل عن ذلك كان أن تبقى إيفا براون مجهولة بالمطلق بالنسبة إلى الغالبية العظمى من مواطنيها. بل أن غروتميكر تخبرنا بأن بقاء إيفا مجهولة إنما تم بتعمد من هتلر نفسه، هو الذي وصل إلى حد التدخل في الصور التي كانت تجمعهما أو تظهر فيها إيفا وسط جمع يحيط به.
ويذكر واحد من الصحافيين الذي علقوا على الكتاب أن إيفا كانت واحدة من “شيئين” كان هتلر يحرص على أن يبقيا غير مرئيين في عالمه، إلى جانب نظاراته. ومن هنا أثر عنه أنه كان يمحو النظارات كما يمحو حضور إيفا في الصور، بطرق تعلمها وبات ماهراً فيها. فهل كان هذا لأن هتلر كان دائماً له زوجة واحدة في حياته، هي ألمانيا نفسها؟ بالتأكيد، تماماً كما كان يعتقد أن ظهور إيفا إلى جانبه ولو في الصور سيقلص من حجم شعبيته. لكن هذا لم يكن كل شيء فالمؤلفة تورد سبباً جوهرياً آخر فحواه أن عدم اتسام هتلر بالملامح والشكل الآري كان أمراً يزعجه ولا سيما أن إيفا نفسها على رغم أنها شقراء وطويلة، لم تكن بدورها تستجيب للمعايير الجرمانية. ثم أنه كان يقول دائماً إنه لا يريد أن ينجب “لأن الآلهة لا ينجبون”، ومن يتزوج يجب أن ينجب. ثم على رغم طاعة إيفا المطلقة له، راحت بعد سنوات قليلة من ارتباطهما تمعن في الشرب حريصة على تناول الشمبانيا بصورة شبه يومية، وفي شراء الملابس الفاخرة وسماع موسيقى الجاز وفي ارتياد السهرات الاجتماعية وممارسة شتى أنواع السفر. فإذا أضفنا إلى هذا قلة اهتمامها بالاحتشام بملابسها في العديد من الصور التي تلتقط لها، سيمكننا، بحسب المؤلفة، أن نفهم بعض أسباب المعاملة المزدرية التي تعامل بها هتلر معها.
وهذا من دون أن ننسى أنها كانت كلما تطورت علاقتها بهتلر زادت في توظيف أهلها وأصدقائها وإحاطة عشيقها بمن باتوا لا مفر من وجودهم حوله.
صحيح أنه بفطنته وثقته بنفسه كان يتقبل منها ذلك كله، لكنه امتنع عن أن يجعل لها مكانة رسمية حتى وإن كانت هي من تلقائها تسهم في أساليب إحاطة الزعيم بدعاية تعزز مكانته. ولا سيما إذ راحت تصوره في حركاته وسكناته وحتى بشرائط فائقة الجودة، لا يفوتها أن تبيع نسخها لمحبيه بمبالغ طائلة… واستناداً إلى هذا كله بات في إمكان مؤلفة السيرة أن تختم كتابها قائلة إن إيفا براون لم تكن ضحية لهتلر في نهاية المطاف بل كانت متواطئة معه… حتى النهاية.
