لم تعبر مضيق هرمز، يوم الاثنين في العاشر من أغسطس/آب، سوى ست سفن، وفق بيانات الملاحة التي نقلتها وكالة “رويترز”. رقم يصعب تصديقه إذا قورِن بحركة تراوح بين 130 و140 سفينة يوميا قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط الماضي. بدا أحد أهم طرق التجارة في العالم مثل ميناء مهجور، تنتظر السفن على أطرافه أن يقول السياسيون كلمتهم.
تكفي هذه الصورة لفهم ما هو معلق على الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران. لا تتصل المسألة فقط بوقف الحرب أو بالعودة إلى “المفاوضات النووية”، بل كذلك بممر كان يحمل قبل إغلاقه نحو خمس النفط الذي يستهلكه العالم، ونسبة مماثلة من تجارته من الغاز الطبيعي المسال.
تحدث الوسطاء، وفي مقدمهم قطر وباكستان وعُمان، أخيرا عن تقدم في الاتصالات. لكن الشروط الجديدة التي طرحها الطرفان جعلت إمكان التوصل إلى اتفاق وتوقيته موضع شك. تطالب طهران بوقف الحرب ورفع الحصار والعقوبات، والإفراج عن أموالها المجمدة والحصول على تعويضات. وتريد واشنطن، في المقابل، حرية ملاحة غير مشروطة، وترفض أن تنفرد إيران بالتحكم في عبور السفن أو فرض رسوم عليها.
أما الأسواق فتتعامل مع كل تصريح كأنه جزء من الاتفاق نفسه. تتراجع الأسعار حين تتقدم الوساطات، ثم ترتفع عند ظهور شرط جديد أو تجدد التهديدات. يكشف هذا القلق المتواصل أن القيمة الحقيقية للاتفاق لا تكمن في إعادة النفط الإيراني وحده إلى السوق بقدر ما تتعلق بإنعاش منظومة خليجية كاملة ظلت طوال أشهر تعمل بأقل كثيرا من قدرتها.
هرمز أولا… ثم النفط الإيراني
قد يبدو للوهلة الأولى أن رفع العقوبات عن إيران سيكون النتيجة الاقتصادية الأهم للاتفاق. لكن نظرة إلى حجم الإمدادات العالقة خلف المضيق تقود إلى نتيجة أخرى. ومن المرجح أن تكون عودة صادرات الدول الخليجية العربية أسرع وأكبر أثرا في سوق النفط من أي زيادة يمكن إيران تحقيقها في إنتاجها على المدى القريب. فقد أظهرت بيانات “رويترز” أن إنتاج دول “أوبك” ارتفع في يوليو/تموز بنحو 1.17 مليون برميل يوميا إلى 19.85 مليون برميل يوميا، وكان معظم الارتفاع مدفوعا بمنتجي الخليج الذين بدأوا استعادة الإمدادات التي توقفت بسبب الحرب والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
ولا يزال هامش التعافي الخليجي كبيرا، إذ كانت صادرات دول الخليج النفطية في يوليو/تموز أقل بنحو 40 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، وفق بيانات “رويترز”، مما يعني أن إعادة فتح طرق التصدير يمكن أن تعيد إلى السوق كميات أكبر بكثير من أي زيادة فورية في الصادرات الإيرانية.
وفي المقابل، تراوحت صادرات إيران من الخام بين 1.1 و1.5 مليون برميل يوميا خلال الفترة من 28 فبراير/شباط إلى 11 مارس/آذار، مقارنة بمتوسط بلغ 1.69 مليون برميل يوميا في 2025، وفق بيانات “كبلر” (Kpler) التي نقلتها “رويترز”.
وتزداد أهمية هذا الفارق بالنظر إلى أن إنتاج الشرق الأوسط البالغ نحو 5.5 مليون برميل يوميا كان متوقفا في يوليو/تموز بسبب الحرب، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أي ما يعادل أكثر من 5 في المئة من الاستهلاك العالمي للنفط. وعلى الرغم من توقع عودة جزء كبير من الإمدادات والتجارة الإقليمية إلى مستويات ما قبل الحرب، تتوقع الإدارة بقاء نحو 600 ألف برميل يوميا من إنتاج المنطقة خارج الخدمة حتى نهاية 2027.
عبر مضيق هرمز في عام 2025 قرابة 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية. وتفيد إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن حركة السوائل النفطية عبر المضيق بلغت 20.7 مليون برميل يوميا في الفصل الأخير من ذلك العام، منها 15.2 مليون برميل من الخام والمكثفات و5.5 مليون برميل من المنتجات النفطية. وتعادل هذه الكميات نحو خمس استهلاك النفط العالمي، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا.
حين تعطلت الملاحة، لم يعد المنتجون قادرين على إيصال كميات كبيرة من النفط السعودي والعراقي والكويتي والإماراتي والقطري والإيراني إلى المشترين. امتلأت الخزانات، واضطرت الشركات بعد ذلك إلى خفض الإنتاج أو إغلاق بعض الآبار. لم يكن النفط بلا مشترين، لكن الطريق بين البائع والمشتري أصبحت شبه مقطوعة.
وتكشف الأرقام حجم التحول. انخفض متوسط السوائل النفطية العابرة لهرمز إلى 4.9 ملايين برميل يوميا في الفصل الثاني من عام 2026، مقارنة بـ21.6 مليونا في الفصل الأخير من عام 2025، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وسجلت وكالة الطاقة الدولية في مارس/آذار أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط، بعدما انخفضت إمدادات النفط العالمية بمقدار 10.1 ملايين برميل يوميا إلى 97 مليون برميل يوميا، وفق بيانات أوردتها الوكالة في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان.
وتملك السعودية والإمارات أفضل البدائل المتاحة لتجاوز مضيق هرمز، إذ تستطيع السعودية نقل الخام عبر خط أنابيب شرق-غرب إلى موانئ البحر الأحمر، فيما تستخدم الإمارات خط أنابيب أبوظبي للخام إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة المتاحة حاليا عبر مسارات التصدير البديلة بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً، وهي كمية لا تعوض سوى نحو 18 في المئة إلى 28 في المئة من قرابة 20 مليون برميل يوميا من النفط التي كانت تمر عبر هرمز في 2025. أما العراق والكويت وقطر وإيران والبحرين، فتعتمد على المضيق لتصدير الغالبية العظمى من نفطها، ولا تملك مسارات بديلة مماثلة.
وإذا أُنجِز الاتفاق، يمكن البدء بتفريغ الخزانات وإعادة تشغيل الآبار واستدعاء الناقلات. لكن عبارة “إعادة فتح هرمز” لا تحل وحدها المشاكل العملية: من يضمن أمن السفن؟ من يتولى التفتيش؟ من يدفع التعويض إذا تعرضت ناقلة إلى هجوم؟ وهل يمكن فرض رسوم على المرور من دون مخالفة العقوبات أو قواعد الملاحة الدولية؟
وتداولت أوساط المفاوضات وقطاع الشحن مقترحات لفرض رسوم مستقبلية على العبور، إذ قيل إن الطرح الإيراني يتضمن رسوما تتراوح بين 5 و7 في المئة من قيمة الشحنة، مقابل نحو 3 في المئة في التصور العُماني، بينما ترفض واشنطن فرض أي رسوم على المرور. ولم تكن هذه النسب شروطا منشورة في اتفاق نهائي، إذ ظهرت في المقابل مقترحات لترتيب مؤقت يتيح فتح المضيق من دون رسوم أو عوائق.
أما شركات الشحن فتخشى أن يؤدي دفع الأموال إلى جهة إيرانية خاضعة لعقوبات إلى تعريضها لعقوبات أميركية أو فقدان تغطيتها التأمينية. ولذلك لا يكفي أن يتفق السياسيون على إحداث ممر جديد، بل يجب أن تقبل به شركات النقل والمصارف ومؤسسات الحماية والتعويض.
الأسعار تستبق السلام
لا تنتظر أسواق النفط تنفيذ الاتفاق حتى تتحرك. وكانت عقود خام برنت تتداول في 11 أغسطس/آب قرب 88 دولارا للبرميل، بعدما لامست لفترة وجيزة 126.41 دولارا في 30 أبريل/نيسان، في أعلى مستوى لها منذ مارس/آذار 2022.
كان يكفي أحيانا أن يتحدث وسيط عن تقدم في المفاوضات لكي تهبط الأسعار، أو أن تلوّح طهران بشرط جديد لكي تعاود الارتفاع. عند إعلان اتفاق مقنع، سيخرج جزء من “علاوة الحرب” من السعر فورا، حتى قبل تحميل أول ناقلة إضافية. ثم يأتي الأثر الفعلي مع عودة الصادرات الخليجية، وطرح النفط المخزّن في البر والبحر، وتراجع أجور الناقلات وأقساط التأمين ضد أخطار الحرب.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية، في تقريرها الصادر في 11 أغسطس/آب، أن يبلغ متوسط سعر خام برنت الفوري نحو 85 دولارا للبرميل في الربع الثالث من عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 78 دولارا في الربع الرابع. وللمقاربة، يعكس السعر الفوري قيمة النفط للتسليم الحالي أو القريب، بينما تعكس العقود الآجلة السعر المتداول حاليا لشراء أو بيع النفط في موعد مستقبلي محدد.
يستند هذا السيناريو إلى افتراض بقاء تدفقات النفط عبر مضيق هرمز مقيدة بشدة خلال أغسطس/آب، على أن تبدأ في التحسن تدريجيا اعتبارا من سبتمبر/أيلول. وتشير الوكالة إلى أن استئناف حركة العبور وإعادة تشغيل الإنتاج المتوقف سيبدآن في دفع الأسعار إلى الانخفاض، مع توقع عودة أنماط الإنتاج والتجارة عموما إلى مستويات ما قبل الصراع في أوائل 2027. لكن انخفاض الأسعار لا يعني أن الأزمة انتهت.
لقد تعطلت الإمدادات أشهرا، وسُحِبت كميات ضخمة من المخزونات التجارية والاستراتيجية لتعويض النقص. وتقدّر الإدارة الأميركية أن المخزونات العالمية انخفضت بمعدل 4.2 ملايين برميل يوميا في الفصل الثاني، مرجحة استمرار انخفاضها بمعدل 3.8 ملايين برميل يوميا في الفصل الثالث.
قال الرئيس التنفيذي لـ”أرامكو السعودية” أمين الناصر إن الاضطرابات حرمت السوق العالمية من إمدادات تزيد على 2.6 مليار برميل منذ فبراير/شباط، محذرا من أن المخزونات باتت منخفضة. هذا الرقم يعبّر عن الإمدادات التي فقدتها السوق بسبب الحرب، ولا يعني أن المخزونات نفسها انخفضت بالمقدار كله.
ولا تستأنف الآبار والمصافي والموانئ عملها بضغطة زر. يفرض الإغلاق الطويل فحص المعدات وصيانتها، وإعادة ضغط بعض الحقول وتأمين عاملين وقطع غيار. كذلك أُصِيبت منشآت عدة خلال الحرب، فيما تحتاج شركات الملاحة إلى أن ترى هدوءا مستمرا في البحر قبل أن تعيد سفنها وأطقمها. ثم إن الاتفاق الأميركي – الإيراني لا يطفئ كل الحرائق المحيطة بالمنطقة. فلا تزال الهجمات في باب المندب والبحر الأحمر تهدد الطريق بين الخليج العربي وأوروبا، بينما يضيف النزاع الروسي – الأوكراني واضطراب البحر الأسود ضغطا آخر على تدفقات النفط والسلع.
وقد تتحرك “أوبك+” أيضا إذا هبطت الأسعار بسرعة. فعودة ملايين البراميل المتوقفة إلى السوق بوتيرة أسرع من نمو الطلب قد تدفع المجموعة إلى إبطاء زيادات الإنتاج أو تعليقها، تفاديا لتحول الانفراج السياسي وعودة الإمدادات إلى فائض في المعروض يضغط على الأسعار وإيرادات الدول المنتجة. لهذا، سيكون الهبوط الأول سريعا على الأرجح، ثم يصبح مسار الأسعار أكثر تدرجا. وكما هو معلوم، يستطيع الخبر السياسي تحريك العقود الآجلة خلال دقائق، لكن الناقلات والآبار والخزانات تعمل بإيقاع أبطأ.
إيران: بيع المخزون أسهل من زيادة الإنتاج
ستخرج إيران من الاتفاق بمكاسب مباشرة. يسمح لها رفع الحصار والعقوبات النفطية بتصريف الخام العالق، وزيادة إيراداتها وتقليص الحسوم التي تقدمها للمشترين. كذلك يخفف اعتمادها على “أسطول الظل”، وإطفاء أجهزة تعقب السفن، وعمليات نقل النفط من ناقلة إلى أخرى بعيدا من الأنظار.
قدمت تجربة اتفاق يونيو/حزيران نموذجا واضحا. فبعد توقيع مذكرة التفاهم الانتقالية، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، في الثاني والعشرين من يونيو/حزيران، “الرخصة العامة إكس”، التي أجازت إنتاج النفط الخام والمنتجات النفطية والبتروكيميائية الإيرانية وتسليمها وبيعها حتى الحادي والعشرين من أغسطس/آب.
ولم تقتصر الرخصة على الشراء والبيع، بل شملت الخدمات المصرفية والتأمين والنقل والمدفوعات المرتبطة بهذه المبيعات، وأتاحت إجراء المدفوعات بالدولار. لكنها ظلت إجراء موقتا، ولم تكن رفعا شاملا للعقوبات يضمن للشركات الأجنبية حرية الاستثمار البعيد الأجل في تطوير الحقول أو توريد التقنيات والمعدات الضرورية كلها.
وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن الصادرات الإيرانية انتعشت بقوة بعد تخفيف القيود، لكن تقديرات حجمها تختلف بسبب إطفاء أجهزة التعريف ونقل النفط بين الناقلات. وقدرت منظمة “متحدون ضد إيران النووية”، التي تتعقب حركة الناقلات الإيرانية وتتخذ موقفا سياسياً معلنا من طهران، أن صادرات يونيو/حزيران بلغت نحو 52.7 مليون برميل، أو 1.75 مليون برميل يوميا. وكانت صادرات مايو/أيار، وفق بيانات الملاحة ومصادر تحدثت إلى “رويترز”، قد هبطت إلى أقل من 300 ألف برميل يوميا.
أيا يكن الرقم الدقيق، أظهرت القفزة أن تخفيف القيود البحرية والمالية يسمح لإيران بتحريك كميات كبيرة بسرعة. وتمكنت طهران من بيع جزء من النفط الذي تراكم في الناقلات والمخازن خلال فترة الحصار. لكن هذا الانتعاش لا يعني أن إيران رفعت قدرتها الإنتاجية بالمقدار نفسه. ما حدث أساسا هو تحرير نفط سبق إنتاجه وتخزينه، ثم وجد طريقه إلى المشترين حين خفت القيود.
قبل الحرب، كانت إيران منتجا ومصدرا مهما للخام والمكثفات والمنتجات النفطية. وكان إنتاج الخام الإيراني يدور حول 3.2–3.3 مليون برميل يوميا خلال 2025 وبداية 2026، إضافة إلى نحو 1.3 مليون برميل يوميا من المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، وفق تقديرات مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا.
وكان معظم خامها يتجه إلى الصين. لكن قطاعها النفطي يواجه منذ سنوات قيودا على الاستثمار والوصول إلى التكنولوجيا الأجنبية، مما حدّ تطوير الحقول والحفاظ على نمو الإنتاج. وأضافت الحرب أضرارا جديدة إلى بنية تحتية كانت تحتاج أصلا إلى التحديث. لذلك، قد تتمكن إيران من زيادة صادراتها سريعا في البداية بالاعتماد على المخزونات المتاحة، لكن تحويل هذه الزيادة إلى نمو مستدام في الإنتاج سيكون أكثر صعوبة؛ إذ يتطلب الحفاظ على ضغط المكامن، وحفر آبار جديدة، وتطوير الحقول المعقدة استثمارات ورأس مال ومعدات وخبرة تقنية يصعب توفيرها بمجرد الحصول على رخصة مؤقتة لبيع النفط.
ويبقى شكل رفع العقوبات هو العامل الحاسم. لا يلغي رفع “العقوبات النووية” أو “النفطية” بالضرورة القيود المرتبطة بالحرس الثوري والصواريخ والمسيّرات وحقوق الإنسان. ولا يزال الاتحاد الأوروبي يطبق عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على إيران أعاد فرضها في سبتمبر/أيلول 2025، في إطار إعادة العمل بالعقوبات النووية المرتبطة بآلية “سناب باك”. لذلك، تحتاج عودة إيران الكاملة إلى الأسواق إلى تنسيق أميركي – أوروبي وآليات مستقرة للتحويلات المالية والتأمين والاستثمار، لا إلى إعفاء قصير يمكن سحبه عند أول خلاف.
ولا شك في أن شركات النفط تتذكر ما حدث في عام 2018، حين انسحبت الولايات المتحدة من “الاتفاق النووي” وأعادت فرض العقوبات ذات الصلة. سيكون من الصعب إقناعها باستثمار مليارات الدولارات في مشاريع تمتد لسنوات ما لم تحصل على ضمانات أكثر صلابة. ستصل الناقلات قبل المستثمرين، وستعود المبيعات قبل شركات النفط الكبرى.
الغاز والأسمدة يوسعان دائرة الانفراج
لا يظهر أثر هرمز في محطات الوقود وحدها. فهو يصل إلى فواتير الكهرباء والمصانع وحقول الزراعة، لأن المضيق كان يحمل أيضا نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وعبر مضيق هرمز في النصف الأول من عام 2025 ما يعادل نحو 11.4 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الطبيعي في صورة غاز مسال، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وجاءت معظم هذه الكمية من قطر، ثم الإمارات. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز المسال عبرت المضيق خلال عام 2025، ذهب نحو 90 في المئة منها إلى الأسواق الآسيوية.
ومنذ مطلع مارس/آذار، خسرت السوق أكثر من 300 مليون متر مكعب يوميا من صادرات قطر والإمارات، أي أكثر من ملياري متر مكعب كل أسبوع. وانخفض إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي في مارس/آذار 2026 بنسبة 8 في المئة على أساس سنوي، مع تضرر إمدادات قطر والإمارات بشدة من الحرب وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز. وبين مارس/آذار ويونيو/حزيران، تراجع إنتاج الغاز المسال العالمي بنحو 4 في المئة، أو 8 مليارات متر مكعب، على أساس سنوي، على الرغم من ارتفاع إنتاج المنتجين خارج الخليج بنحو 18 في المئة، أو 27 مليار متر مكعب، مما عوّض نحو ثلاثة أرباع الانخفاض في الإمدادات الخليجية.
وشعر المستهلكون بالصدمة سريعا. في الأسبوع المنتهي في 24 أبريل/نيسان، ارتفع مؤشر الغاز الأوروبي “تي تي إف” إلى 14.80 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة 35 في المئة على مستواه قبل إغلاق هرمز. وقفز مؤشر “جاي كاي إم” الآسيوي إلى 16.02 دولارا، أي 51 في المئة.
ستساعد عودة الغاز القطري في خفض الأسعار، وتخفيف الضغط على المصانع الأوروبية والآسيوية، والحد من عودة بعض الدول إلى الفحم لتوليد الكهرباء. وستمنح الدول النامية فرصة أفضل للحصول على شحنات كانت الاقتصادات الغنية تزاحمها عليها في السوق الفورية.
لكن هنا أيضا، لا يصلح فتح الطريق كل ما تضرر. فقد أصيب قطاران من أصل 14 قطارا لتسييل الغاز في رأس لفان، تبلغ طاقتهما الإجمالية 12.8 مليون طن سنويا. وتقدر قطر للطاقة أن إصلاح القطارين المتضررين سيستغرق بين ثلاث وخمس سنوات. كما أدى توقف العمل خلال الحرب إلى تأخير توسعة حقل الشمال، التي كان مقررا أن تبدأ إنتاجها في النصف الثاني من 2026، لكن الشركاء يتوقعون حاليا أن يقتصر التأخير على بضعة أشهر.
ولا يتوقف الأمر عند الغاز. بلدان الخليج العربية وإيران من كبار منتجي اليوريا والأمونيا والميثانول والإيثيلين والبولي إيثيلين والغازات النفطية المسالة. ويمر عبر هرمز أكثر من 30 في المئة من تجارة اليوريا العالمية، ونحو 20 في المئة من تجارة الأمونيا والفوسفات، وفق وكالة الطاقة الدولية. ومن ثم، يمكن أن يخفض الاتفاق أسعار الأسمدة والإنتاج الزراعي ومواد التغليف والبلاستيك ووقود السفن والطائرات. وهكذا ينتقل أثر الاتفاق من أسواق الطاقة إلى أسعار الغذاء والسلع اليومية، ومنها إلى التضخم.
وحذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) من تعرض الاقتصادات النامية، ولا سيما المعتمدة على واردات الوقود والغذاء والأسمدة، لضغوط متزايدة جراء اضطراب مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الاستيراد. وتوقع تباطؤ نمو تجارة السلع العالمية، بالقيمة الحقيقية، من نحو 4.7 في المئة في عام 2025 إلى ما بين 1.5 و2.5 في المئة في عام 2026، مع ضعف الطلب وتصاعد عدم اليقين والتوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.
مكاسب موزعة وخسائر لا تصيب الجميع بالتساوي
ستكون إيران في مقدم الرابحين، لكنها لن تستأثر بالمكاسب. تستطيع بلدان الخليج العربية استعادة صادرات تزيد كثيرا على الكمية الإضافية التي ستطرحها طهران. صحيح أن انخفاض الأسعار يقلص قيمة كل برميل، لكن زيادة الكميات المصدرة وخفض تكاليف التأمين والحماية قد يعوضان جانبا كبيرا من الخسارة.
وستتنفس الصين الصعداء مع عودة تدفقات النفط عبر هرمز. فهي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وأكبر مستورد آسيوي للنفط الخليجي. وانخفض متوسط وارداتها في يونيو/حزيران ويوليو/تموز إلى 7.78 ملايين برميل يوميا، مقارنة بـ11.99 مليونا في الأشهر الثلاثة حتى نهاية فبراير/شباط، أي قبل اندلاع الحرب. وقد مكنتها مخزوناتها النفطية الضخمة، المقدرة بأكثر من 1.2 مليار برميل، من امتصاص جزء من الصدمة.
لكن المصافي الصينية المستقلة قد تفقد امتيازا اعتادت عليه، هو شراء النفط الإيراني بحسوم كبيرة بسبب العقوبات. وإذا عادت الهند وكوريا الجنوبية واليابان، وربما بعض المصافي الأوروبية، إلى شراء النفط الإيراني، فلن تبقى طهران معتمدة على مشترٍ رئيس واحد، وستصبح أقدر على تحسين شروط البيع.
وتستفيد الولايات المتحدة، بوصفها مستهلكا، من انخفاض أسعار البنزين والديزل والتضخم. لكنها قد تخسر، بوصفها منتجا، جزءا من سوق النفط والغاز في آسيا. ذلك أن الشحنات الخليجية أقرب وأقل تكلفة، وعودة الغاز القطري تقلص الأسعار المرتفعة التي أفادت المصدرين الأميركيين، وإن كانت الأضرار التي لحقت بمنشآت قطر ستحد من سرعة هذه العودة.
أما روسيا، فقد تكون من أبرز الخاسرين إذا أدى انفراج أزمة هرمز إلى عودة النفط الإيراني بقوة إلى الأسواق الآسيوية. فقد استفادت موسكو خلال الحرب من ارتفاع الأسعار، كما خففت واشنطن مؤقتا قيودها على بعض شحنات النفط الروسي للمساعدة في سد فجوة الإمدادات. لكن عودة الخام الإيراني، ولا سيما إلى الصين والهند، قد تزيد المنافسة على المشترين الآسيويين وتضغط على أسعار الخام الروسي، مما قد يجبر موسكو على تقديم خصومات أكبر للحفاظ على حصتها السوقية، في وقت تتنافس فيه الناقلات العاملة خارج منظومة الشحن الغربية على نقل الشحنات الخاضعة للعقوبات.
ومع ذلك، لن تعود سلاسل الإمداد إلى صورتها القديمة. لقد تعلم المنتجون والمستهلكون درسا قاسيا وهو أن الاعتماد على مضيق واحد يضع جزءا كبيرا من الاقتصاد العالمي تحت رحمة الحرب والسياسة. لذلك تواصل السعودية والإمارات تطوير خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وستزيد الصين والهند مخزوناتهما الاستراتيجية، بينما تبحث أوروبا وآسيا عن عقود غاز ومصادر أكثر تنوعا. وقد تتسارع أيضا الاستثمارات في الطاقة المتجددة وكفاءة الاستهلاك، ليس فقط لمواجهة تغير المناخ، بل لتقليل التعرض إلى الحروب والعقوبات والمضائق.
لن تكون لحظة توقيع الاتفاق نهاية الأزمة، بل بداية خروج متفاوت السرعة منها. يمكن أن تتراجع علاوة الحرب خلال ساعات، وأن تعود بعض الناقلات خلال أسابيع، وأن يُستأنَف معظم الإنتاج الخليجي خلال أشهر. لكن تعويض المخزونات وإصلاح المنشآت واستعادة الثقة المصرفية ورفع قدرة إيران الإنتاجية قد تحتاج إلى سنوات. هذه هي المفارقة التي ستبقى بعد أن يصافح المفاوضون بعضهم بعضا: يستطيع الاتفاق فتح هرمز، لكنه لن يستطيع أن يعيد في يوم واحد كل ما عطلته الأعمال الحربية.