-
جوزيف عوضالمصدر الجمهورية .نت
-
-
-
تخيَّل شخصاً يهرب عبر المدينة، يركض تارة ويختبئ تارة. هو ليس مجرماً، كما أن مُطارِديه ليسوا أي نوع من مُنفذي قانون، بل هم تشكيلة من مرتزقة محترفين مدفوعي الأجر وأناس عاديين يفعلون ذلك لأجل المتعة فقط، بينما المطاردة منقولة على الهواء مباشرة في بث رسمي باعتبارها برنامج تسلية من نوع عروض تلفزيون الواقع. ولما كان المتسابق يُعلَن قبل المسابقة عدواً للدولة، فإن قتل هذا الشخص لا يشكل مشكلة قانونية من أي نوع لهؤلاء المُطارِدين. الأمر الوحيد الذي يشغل الجميع، مُطارِدين ومُشاهِدين، هو الإثارة المتعلقة بكيفية التمكُّن من قتله. مطاردة حتى الموت مفتوحة على وسع العالم وعلى الهواء مباشرة ليحضرها ملايين المشاهدين، وبالرغم من ذلك يبدو ألّا أحدَ معنيٌ بقيمة حياة هذا الشخص، بل يمكننا القول إنه هو نفسه نسي في لحظة ما أن من حقه أن تكون لحياته قيمة أعلى من مجرد كونه مصدر تسلية في برنامج مساباقات تديره قناة تلفزيونية تملكها الحكومة لإلهاء الجمهور.
هذه هي الأجواء التي ترسمها رواية الهارب لستيفن كينغ، والتي يجب النظر إليها ليس فقط على أنها رواية تتحدث عن الخوف من تعسُّف السلطة في استخدام العنف، بل الأهم أنها تتناول موقف الجمهور من هذا التعسُّف عندما يتحول إلى شريك فيه مدفوعاً برغبات أنانية. ففي الرواية تتحول التسلية إلى وسيلة ضبط اجتماعي تُحقق للسلطة إمكانَ التواطؤ مع الجمهور ضد مصالحه هو نفسه، من خلال استباحة فرد من أفراده.
لا تكتفي الرواية إذن بتصوير هذا العنف غير المباشر أو المضبوط -من حيث أنه لا يشمل الجميع بل يختص بمرشحين معينين- كوسيلة ضبط اجتماعي تهدف إلى التسلية والتفريغ ومنع المجتمع من بناء وعي ذي معنى وفاعل تجاه مشاكله، بل تمدُّ الحدثَ أبعد من ذلك إذ تجعل الجمهور فاعلاً إيجابياً في عملية القتل المُمنهَج لأحد أفراده، متجاوزاً بذلك عتبة كونه -أي الجمهور أو الشعب- متلقياً سلبياً لا حول له ولا قوة، ليصبح فاعلاً يعمل ضد مصالحه الذاتية لا لشيء إلّا التسلية.
هذا التفصيل المتعلق بموقف الجمهور من العنف المجاني المطبق على أحد أفراده هو تفصيل فارق. الجمهور هنا لا يعارض العنف، ولا يتلقاه سلبياً، بل يشارك من خلال ملاحقة الضحية أو يستمتع به من خلال متابعة البث بحماس، في انفصال تام عن الضحية يوحي بحالة أعم من الانفصال عن الذات والجماعة والمصالح نلحظها مع تَقدُّم الأحداث. هذا التمييز الدقيق بين الشعب بصفته متلقياً سلبياً للعنف المُتعسِّف للسلطة الواقع على أحد أفراده وبين كونه فاعلاً إيجابياً فيه، هو تمييز شديد الأهمية لما يفتحه من نقاش حول استباحة الآخر وتداعياته على المجتمع ومعناه فيما يتعلق بشكل الدولة.
ليست رواية الهارب استثنائية فيما يتعلق بنقد السلطة، إذ يُنظَر للكثير من الدستوبيا على أنها نقد للسلطة وتنبؤ بأبعاد جديدة لتغوُّلها، وعلى عكس رواية الهارب التي تركز على عزل الفرد واستباحته فإن عملاً أدبياً آخر هو مباريات الجوع يركز على استباحة الجماعات. في رواية مباريات الجوع يُفرَض على أفراد مختارين أن ينضموا إلى حلبات مصارعة حتى الموت في حدث سنوي يجري في عالم مستقبلي، ليس بصفتهم أفراداً منبوذين من المجتمع كما في رواية الهارب، بل بصفتهم ممثلين عن جماعاتهم في مجتمع لم يعد هناك ما يربطه إلا التنافُس على الموارد الشحيحة التي باتت تستأثر بها جماعة حاكمة، بينما الجماعات الأخرى تبقى معزولة ومتعادية وفي حالة من الشح الاقتصادي المُستدام. النقطة الفارقة في الرواية هي تمكُّنُ السلطة من تحويل هذا الحدث السنوي -بما فيه من عنف موجه للشعب وقتل أفراد منه في عرض تلفزيوني مباشر تحضره النخبة لأجل التسلية- نجحت في تحويل ذلك العنف السلطوي إلى رمز طقسي ومصدر شرف للجماعة الفائزة، والفوزُ هنا هو تَمكُّنُ ممثلي الجماعة من قتل ممثلي الجماعات الأخرى جميعاً. هذا الطقس الذي تم بناؤه على حساب العنف الموجه تجاه الجماعات والأفراد من قبل سلطة غير معنية بهم وبمصالحهم أصلاً، ومن خلال مكافآت شحيحة وحظوة لا تغير من واقع كونها جماعات هامشية، هذا الطقس، تمكَّنَ من التغلغل في قيم الجماعات ونظرتها لنفسها إلى أن باتت الجماعات تفخر بعدد الجولات التي فازت بها في هذه المقتلة المُشينة، وتربي أطفالها ليكونوا قتلة أشداء قادرين على الفوز بهذه المسابقات في المستقبل.
في رواية ألعاب الجوع، تتحول استباحة السلطة للجماعات في تفاعُلها مع حاجة الشعب للنجاة إلى قيم اجتماعية جديدة، تخدم الشروط القائمة التي تفرضها السلطة المُتعسِّفة على المجتمع، وتُحقِّق للجماعات أقلَّ القليل من المصالح في تواطئها هذا مع السلطة المتعسفة، والذي يبقى تواطؤاً غير متكافئ في شروط تعجز الجماعات عن تجاوزها، ولا يحقق لها أكثر من مجرد النجاة المحدودة من الاستباحة مقابل الإقرار التام بسلطتها وتعسُّفها والخضوع لشروطها.
يدفعنا العملان إلى التأمل في موقف الشعب من تسلُّط السلطة واستباحتها له، الأمر الذي يطرح سؤالاً: على من تقع مسؤولية الاستبداد؟ هل على الحاكم المُستبِّد أم على الشعب المُستبَّد به؟ فكما أن للسلطة آليات تَحكُّم فعالة لا شك فيها فهي المبادرة حكماً بالاستبداد، فإن للشعوب طاقات تغيير مثبتة تاريخياً. لذلك يبدو أي طرح يتجاهل كون العلاقة بين الحاكم والمحكومين علاقة جدلية، طرحاً غير جدي. كما أن تحذير الناس من الانسياق وراء ادعاءات السلطة المستبدة وأساليبها ليس جديداً في الأدب السياسي حتى العربي منه، ولنا في كتاب طبائع الاستبداد مثال عن هذا الخطاب المُحذِّر والمُشرِّح لآليات الخضوع والسماح بالاستعباد.
مع ذلك، فإن التركيز على مسؤولية الشعب عن التسلُّط في الإطار السوري يبدو ضرورياً، ليس لتحميله المسؤولية، ولا لأن الحاكم مُنزَّه عن تَحمُّل هذه المسؤولية بطبيعة الحال، لكن لأن الوعي السوري يعرف من أشكال تَسلُّط السلطة ما لا يمكن نسيانه، وربما تكون نتيجةُ ذلك التسلط التاريخي أن غدا عجزُ الشعب وعدمُ فعاليته حقيقةً مُرافقة لحقيقة التسلُّط في وعي السوريين لا يكسرها إلّا خيال الثورة بكل ما لها من تكلفة، بينما تتراجع في المخيال الجمعي كل أشكال الفاعلية التي يمكن لشعب في مجتمع صحي ونشط أن يمارسها في حياته السياسية.
إن شعباً خرج من ثورة وعلى أعتاب دولة جديدة، هو على ما نأمل أمام خيار فيما يتعلق بشكل دولته القادمة، لا يتوجب عليه أن يجد نفسه دائراً إلى ما لا نهاية في دائرة من الثورات مُعتبِراً أنها وسيلته الوحيدة للتغيير، فيبقى عالقاً في حالة الثورة أو انتظار الثورة بما يمنع الحياة من الاستقرار ويمنع الفكر السياسي من التطور. لكل ذلك فإن نقاشاً حول سلوكياتنا الاجتماعية التي تسمح بالتسلُّط هو مما لا بد منه.
أقول هذا الكلام وفي البال جرائم الساحل والسويداء المأساوية، وما كشفته من عُمق الانقسام داخل المجتمع السوري والانفصال العميق بين مكوناته. فالانقسامُ، وإن لم يكن وليد اللحظة، إلا أن حجم الحدث وطريقة تعامل الأطراف معه أمورٌ بيّنت كم هو سهل أن يرتد السوريون في نظرتهم إلى أنفسهم إلى جماعات أصغر وعصبيات ما قبل دولتية، في تضحية -كانت أسهل من المتوقع- بمخيال الدولة بكل ما يرافقه من قوة.
بالإضافة إلى ذلك، بيّنت الأحداثُ كيف غدا العنف مستساغاً ومقبولاً، ليس فقط لدى ممارسيه وجزءٌ منهم مواطنون عاديون، بل لدى طيف أوسع من الجمهور الذي تمكَّنَ من التماهي معه واعتباره فعل ضرورة أحياناً، أو ربما فعل فخر في أحيان أخرى، برغم كل ما يمثله من استباحة لأفراد أو جماعات من المُفترَض أنهم جزء من كيان الشعب الذي ننتمي إليه جميعاً من جهة، وجزءٌ من كرامتنا الإنسانية من باب أولى. لا يعني ذلك أن كل السوريين كانوا متعاطفين مع المقتلة التي حدثت، لكن الظاهرة نفسها وإن كانت محدودة فهي ذات دلالة وأقل ما يقال عنها أنها لا تنبئ بالخير.
يمكننا القول إن ما حدث في جرائم الساحل والسويداء هو استباحةُ سلطة لجماعات معينة، وتواطؤ جمهور مع هذه الاستباحة التي طالت أفراداً سوريين بصفتهم الجماعاتية. ويحب أن نسأل أنفسنا هنا عن الآلية التي سمحت بجعل أشخاص معينين أو جماعات معينة تحت مرمى العنف بشكل خاص ومنهجي، وعن الآلية التي يتم من خلالها تواطؤ الشعب مع السلطة لاستباحة جزء منه، في حالة انقسام تنفي مصلحة الشعب نفسه عندما يتخيل أن سلطة ما هي أقرب إليه من مواطنيه الآخرين.
لذلك أناقش هنا حالة التشفّي والاستمتاع باضطهاد الآخرين التي شهدنا ملامح منها خلال جرائم الساحل والسويداء، وبالذات تلك التي تسمح بها السلطة أو تغض النظر عنها وتتم من خلال أفراد من الشعب نفسه أو على مرأى منه وربما بمباركته. لأتوصلَ إلى أن اضطهاد السلطة لجماعات معينة أو غضَّ النظر عمّا يصيبها، ومحاباتها في الوقت نفسه لجماعات أخرى، والذي يجعل من جماعات معينة جماعات مُستباحَة وجماعات أخرى جماعات محَظية، هو في الحقيقة أداة تسلطية تسمح للسلطة بالاستبداد بالشعب كله، وليس بثوره الأبيض فقط. بل إن مجرد التعامل مع الشعب على أنه جماعات منفصلة هو استباحة للفرد، من حيث حرمانه من فرديته وتمكين الجماعة من إخضاعه للقالب الذي ترسمه له.
آليات الاستباحة
بالعودة إلى رواية مباريات الجوع، نجد أن السلطة تنجح في إقناع الجمهور بأن المنافسات القاتلة المُذِلة أمرٌ منطقي، بل ويمنح فخراً للفائز وللمجتمع الذي يمثله، بينما تتابعها المُجتمعات المُعفاة بسبب حظوتها على سبيل التسلية وتأكيد الحظوة. فاضطهاد جماعات معينة يقابله إعفاء جماعات أخرى من الاضطهاد، وهو أمرٌ يُقدَّم في الرواية على أنه عماد من أعمدة تثبيت الحكم في مجتمعات لا بد أن تتقاتل فيما بينها إذا ما تُركت لشأنها. فالعنف المرتبط بالاستباحة، والمُتماهَى معه من قبل الشعب باعتباره استعراضاً أو شرفاً، هو أحد أسس التسلط التي يساهم الشعب في تعزيزها بمجرد اعترافه بالتفاوت بين فئاته واعترافه أن العنف هو طبيعة الأشياء.
مستوى آخر من الاستباحة ذلك الذي رأيناه في رواية الهارب، حيث تنجح السلطة في فصل الأفراد عن بعضهم من ناحية التعاطف، فتغدو استباحة فرد بشكل استعراضي -من قبل السلطة أو الآخرين- فعلاً طبيعياً ومُمأسَساً، يساهم فيه كل من يرغب في ذلك دون أي تعاطُف مع الشخص الذي تجعل منه السلطة، أو تسمح بجعله، مادة العرض وإثباتاً لسلطتها في الوقت نفسه، بينما يؤكد المشاركون على هذه السلطة من خلال مشاركتهم.
بتطبيق المثالين السابقين، يمكننا التفكير في شكلين لهذه الاستباحة وتطبيقهما على الواقع السوري، الأول هو استباحة تقوم بها السلطة لأجل استرضاء جمهورها، واستباحة يقوم بها المجتمع من أجل استرضاء السلطة أو تعزيز روابطه الداخلية وتغضُّ السلطة البصرَ عنها.
في الحالتين تصبح رغبة الشعب في التماهي مع السلطة سلاحاً في يدها، يتحقق من خلال استباحة أفراد أو مجموعات بالتواطؤ مع الشعب نفسه الذي يتقبل استباحة جزء منه، في فخر استعراضي يحول فعل الاستباحة إلى فعل تَطهُّر، ويتيح الشعور بأن الآخر سواء كان فرداً أو جماعة هو المستباح وليس أنا/نحن، ما يمنح شعوراً مُخدِّراً بالارتياح. كما أن الإعفاء من الاستباحة يعطي وهماً بحظوة لدى السلطة، تتوهمها الجماعة مكسباً وإن لم تحقق للجماعات المحظية منفعة في ذاتها أكثر مما هو حقٌ للجميع في الأساس.
هذا الوهم بالشراكة مع السلطة، عندما يكون الضبطُ الاجتماعي الذي تمارسه مُتعسِّفاً أو مُتوحِّشاً، يوقع الجمهور (أفراداً أو جماعات) تحت وهم كونه شريكاً للسلطة أو جزءاً منها، فتقتنعُ الجماعات أنها منفصلة تماماً وأن لا روابط مصلحية بينها، ويغدو العنف والانتقام شرفاً في حد ذاته، وتغدو جماعة مُعيَّنة محظيةً لمجرد أنها غير مستباحة مثل الآخرين. إلاّ أن هذا النوع من تماهي الأفراد والمجتمع مع وسائل الضبط الاجتماعي الرسمي الذي يشتمل على استباحة يفقدهم إمكانية اللجوء للمجتمع عندما تتعسّفُ السلطة في استخدام العنف ضدهم، كما يُفقِدهم القدرة على التمييز بين ما هو مصلحة اجتماعية وما هو مصلحة للسلطة. كما أن هذه الشراكة مع السلطة هي شراكة متوهمة لأنها غير متكافئة بالضرورة، فهي تحرم المجتمع من إمكان انتقاد الفعل التعسّفي عندما يقع عليه هي نفسه، أو يمنع المجتمع من تكوين إجماع ضاغط على الدولة لفقده ثقته في مصالحه المشتركة.
نناقش فيما يلي كيف نشأ هذا الانقسام في المجتمع السوري، وكيف تم إعطاء أهمية قصوى للإنسان المُستبَاح لأنه عامل توحيد ميتافيزيقي الطابع، يُوحِّدُ المجتمع المُتخيَّل على أسس غير مشروطة، وقائمة على نوع من الرجاء غير المحدد بشروط واضحة، والذي يحرم المجتمع من أي قوة أمام السلطة.
مخيالُ المُمكِن واستباحةُ الآخر
لفهم حالات العنف والاستباحة في المجتمع السوري، لا يكفي الركون إلى التفسيرات التقليدية القائمة على الانتقام أو التحيُّزات العصبية (كما هو الحال في التفسيرات السائدة لما جرى في الساحل والسويداء). ورغم أن هذه التفسيرات توضح «مسارات العنف» ومن يستهدف من، إلا أنها تعجز عن تفسير تقبُّل الأفراد لهذا العنف والتماهي معه كأمر طبيعي. لذا، أطرح هنا مفهوم «مخيال المُمكِن»، كأداة لتفسير هذا الانزلاق نحو نزعات إقصائية وما قبل دولتية.
يقوم هذا المفهوم على تحليل الفجوة الهائلة بين الشعور العارم بإمكانية التغيير بعد السقوط المدوي للنظام، وبين حقيقة استمرار العجز عن التأثير في السلطة الجديدة. لقد فتح سقوط النظام باب الخيال واسعاً أمام السوريين لرسم شكل المجتمع والدولة الجديدَين، بعد عقود من الاغتراب وتشويه الإرادة في ظل الدكتاتورية. لكن هذا «المخيال» اصطدم بانعدام القدرة الحقيقية على الفعل السياسي.
وبدلاً من التعامل بآليات سياسية أو مؤسساتية مع الخلافات العميقة حول شكل الدولة، استعاض المجتمع عن عجزه السياسي بالانقسام الحاد. لقد تحوَّلَ الخلاف حول «الشكل المُتخيَّل للحياة» إلى مصدر للعداء المباشر؛ حيث يحاول كل طرف ردم الهوة بين الرغبة والواقع عبر إلباسِ السلطة الجديدة حلة طوباوية، أو تَخيُّل إمكانية توجيهها بسهولة.
ويتعزز هذا الاستقطاب عندما تبدو السلطة أقرب إلى رؤية طرف دون آخر، مما يُضخِّمُ «وهم القدرة» لديه، ويثيرُ رعب الأطراف الأخرى من تَحقُّق ما تخشاه. لكن في الحقيقة، لا يترافق «وهم القدرة» هذا مع فاعلية سياسية حقيقية، بل إن المستفيد الوحيد هو سلطة تقتات على هذا الانقسام لبناء شرعيتها.
إن هذا التحليل لا ينفي ضرورة الدولة كعماد للمجتمع الحديث، ولكنه يحذر من الانزلاق نحو التسلُّط. فالسؤال الجوهري اليوم: كيف نمنع السلطة من التعسُّف طالما أننا نرى في شركائنا في الوطن خصوماً؟
لقد عَلَّمتنا التجربة السورية أنه يمكن للاستبداد أن ينجح ويتعسَّف باستغلال الجماهير التي تنقلب بطريقة ما على نفسها وعلى مصالحها، والاستنتاج المرعب هنا ليس مجرد غياب الانسجام المجتمعي، بل أنَّ هذه المكونات لم تعد تجد ما يجمعها سوى فكرة «العداوة». فبعد أن كانت السلطة في الماضي تستثمرُ في عداوات ضبابية الطابع مع «آخر خارجي» حقيقي أو مُتخيَّل (كالإمبريالية أو الصهيونية أو أعداء العروبة، حسب الظرف التاريخي)، وصلَ الانقسام اليوم حداً مكَّنَ السلطة أن تُعزِّز عداوات «مُتخيَّلة» مع «آخر حقيقي» حاضر دائماً هنا في الداخل. فكانت النتيجة أن تُمارَس ضده أبشع أنواع الاستباحة.
في ظل غياب عقد اجتماعي ناظم، يتحول أمل المجتمع في سلطة عادلة إلى ما يشبه «الرجاء الديني» ميتافيزيقي الطابع، إيمانٌ أعمى وثقة غير مشروطة بالسلطة من جهة، أو شكٌّ عدمي من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يتخذ هذا «الرجاء» شكل طقوس بدائية، مثل تقديم «الأضحيات البشرية»، وهو السياق الذي يجب أن نرى من خلاله حالات الاستباحة التي حدثت في سورية. إذ يتم ذلك عبر إقصاء مجموعات معينة من المجتمع، وتصنيفها كـ «عدو مطلق» لا ينتمي إلينا، لتُقدَّمَ قرباناً استرضاءً للسلطة أو بالتواطؤ معها. يُمارَس هذا العنف دون أي إحساس بالذنب، بل يهدف إلى خلق شعور وهمي بالتجانس داخل المجموعات المعتدية من جهة، ومن جهة أخرى تأكيد انتمائها للسلطة اتقاءً لشرها أو طمعاً في احتوائها.
هنا تكمن الخطورة العميقة لظاهرة «الاستباحة» في سورية؛ فقد غدت أداة بديلة لبناء رابط اجتماعي مفقود، سواء لربط المجموعات المُستبيحة ببعضها وبالسلطة، أو حتى كعنصر يجمع المجموعات المُستباحة في مظلوميتها.
لكن هذه الاستباحة الميتافيزيقية تُؤسِّسُ لفخ قاتل، فما يبدأ كخيار تمييزي تمارسه مجموعات ضد أخرى، يتحول تدريجياً إلى حق طبيعي وأصيل للسلطة، كرّسه الشعب بنفسه. لتتكرَّسَ بذلك معادلة القوة الأبدية: سلطة لا نهائية وشعب مُستضعَف بالكامل.
الأخطر من ذلك كله، هو إدراكُ أنَّ السلطة في هذا المشهد لم تقدم للسوريين، بما فيهم جمهورها، أية مكاسب حقيقية أو وعود قابلة للمحاسبة، بل إن «المنفعة» الوحيدة التي منحتهم إياها هي السماح لهم بقتل واستباحة بعضهم بعضاً. إن هذه الاستباحة لا تفعل شيئاً سوى تكريس السلطة ككيان مُطلق، وتكريس الشعب كخاضع مُطلق، عبر تعميق الانفصال الجذري داخل الشعب وبينه وبين السلطة.
-