هذا العنوان استعارة محوّرة لعنوان كتاب “إذا الأيام أغسقت” للكاتبة العراقية، اللبنانية الأصل، حياة شرارة (1935- 1997). وهي كانت متخصّصة في الأدب الروسي، ومدرّسة في جامعة بغداد.
والغسق يعني ظلمة أول الليل وسواده. ويجمع كتاب شرارة بين الرواية والسيرة والمذكّرات. ونُشر في بيروت سنة 2002، بعد موت/ انتحار مؤلفته في بغداد. وهو يصوّر حياةً وعالمًا وسط الحصار والاختناق واليأس، في أثناء حصار أميركا عراق صدام حسين (1990- 2003).
جماعات تساوت في خفوت حياتها
هنا في لبنان اليوم، وبعدما تناوبت جماعاته كلها وعملت كلٌّ منها مديدًا على إغساق أيام وحياة الجماعات الأخرى، هل أطبق الغسق على لبنان كله أخيرًا؟
ولماذا وكيف فقدت الحياة اليومية في ضاحية بيروت الجنوبية فيض تلك القوة والشكيمة المضاعفتين، اللتين حصّلتهما وراكمتهما في اندفاع متصاعد ومستميت، لا يهدأ طوال أكثر من عقود ثلاثة؟
لقد كانت حيويتها الفائضة تندفع متصاعدة في العقود الأخيرة، فيما تنتكس وتخفت وتتراجع، في المقابل، حيوية الجماعات والمناطق اللبنانية الأخرى وقوتها وإرادتها. لكن اليوم، بعد سنوات ثلاث من الحرب الإسرائيلية على “حزب الله” وأهله ولبنان، ها قد تحوّلت قوة الحياة في الضاحية الجنوبية وفيضها المتدفق، إلى غابات صغيرة من صور شهداء منصوبة في معظم شوارعها، وإلى رافعات وجرَّافات تزيل منها الردم والركام.
صارت الحياة خافتة، ضامرة وصامتة هناك. كأنما الناس هناك صاروا خارج حياتهم، خارج إرادتهم وقوتهم، ويعيشون بلا قوة ولا إرادة، أو بقوة اليأس الذي نزل عليهم كالقدر، كما نزل من قبل على غيرهم لأسباب مختلفة. وكأنما الحياة تستمر هناك بصمت، وبعد موجات مزلزلة من النزوح والتشرد والضياع والعودة إلى حياة وأماكن وبيوت ضربها زلزال أو خمد فيها بركان، ولا تزال مهددة بالنزوح والتشرُّد والضياع في كل يوم.
وتختلف الحياة في ضاحية بيروت الجنوبية عنها في سائر مناطق جماعات لبنان. لكن اختلافها لم يعد يتجاوز خلوَّ مناطق الجماعات اللبنانية الأخرى من صور الشهداء وأكوام الردم والركام. ولربما تساوت اليوم سائر تلك الجماعات المختلفة والمتنابذة، في خفوت حياتها وتزايد قلقها وخوفها على مصيرها. وهي تساوت أيضًا في شعور كل منها بأنها تعيش مسلوبة الإرادة وخارج حياتها.
أما جنوب لبنان، ففقد أكثر بأشواط من ضاحية بيروت الجنوبية فائضَ قوته التي كانت تبعثها فيه طوال 20 سنة خطبُ السيد حسن نصرالله، المنقولة من سراديب الضاحية بالصوت والصورة، إلى شاشات عملاقة منصوبة في مناطق كثيرة. فترجمها الناس هناك في الجنوب إلى شعور بالأمن والأمان والقوة. وأقبلوا على النشاط والعمل وتشييد عمارات وفيلات، معظمها من عوائد الهجرة والاغتراب التي استثمروها في مشاريع كثيرة متنوعة.
لكن ذلك كله امّحى اليوم تمامًا من الوجود، كأنه لم يكن في يوم من الأيام. فأكثر من 80 بلدة جنوبية حدودية، تحوّلت أرضًا قفرًا للردم والركام، ولعربدة قوات الجيش الإسرائيلي الغازية، والتي محقت العمران على تلك الأرض وشرّدت أهلها، وفجّرت تحتها وبينها سلاسل أنفاق وسراديب سرية لم يكن يعلم بوجودها سكانُ أو أهل الأرض فوقها، واستغرق حفرها وتجهيزها أكثر من عقدين من السنوات. أنفاق وسراديب سرّية لم يكن أهل الجنوب يعلمون أنها تحت بيوتهم، وهي مصدر ذينك الزهو والمجد العلنيين فوق الأرض، والمنبعثين من قوة الأنفاق والسراديب تحتها.
محطات الرؤيا القيامية
كانت تلك القوة قد ولدت من رؤيا قيامية جبارة شبيهة بتلك الانفاق والسراديب. وهي بزغت ونشأت وترعرعت فوق الأرض أولًا: في ركام جماعة أهلية عصفت في ديارها حروب أهلية ملبننة، وأدت إلى احتلالات وموجات تهجير وتشرد متكررة في جنوب لبنان وفي مدن لبنان وضواحيها، طوال أكثر من 15 سنة (1968- 1985).
وفي الأثناء قامت في إيران ثورة انتصرت واستولت عليها بالقوة والقتل والاغتيالات رؤيا الإمام الخميني القيامية السلطوية سنة 1979، وحكمت باسم “أمة المستضعفين” البلادَ التي سمّتها “جمهورية إسلامية” وشرعت في تصدير رؤياها و”حرسها الثوري” إلى المستضعفين في العالم.
ووصلت أصداء تلك الثورة ورؤياها إلى بيروت: مدينة الحرية والفوضى أو الحرية الفوضوية، وأسرعُ مدينة في تلقف نخبها أهواء العالم، حوادثه وانفعالاته وأزيائه وبراقعه. وفوق هذا كانت بيروت غارقة في حرب أهلية إقليمية ملبننة، فسارع مثقفون ثوريون يساريون فيها إلى تلقف تلك الرؤيا الخمينية القيامية وتبنيها، قبل وصول ثلة من “حرسها الثوري” إلى البقاع اللبناني، قادمين من طهران بمعية أجهزة مخابرات سوريا ألاسد.
وكان شهداء انتحاريون سرِّيون ومجهولون، ومن ثم شهداء باسماء وصور معلنة، أول علامات تلك الرؤيا، عِمادها ومادتها وجبروت قوتها في إزالة الحدود بين الحياة والموت، بين الأحياء والأموات، بين الحياة الدنيوية وتلك الأخروية. وهذا بعدما استدخلت الرؤيا نفسُها ماضيًا أسطوريًا يهوِّم خارج الزمن وكان موشكًا أن ينطفئ في مخيلة أهله، وبعثته حيًّا وأبديًا في حاضر حياتهم التي دمرتها الحروب وتركتهم في دوامة مستمرة من التهجير والتشرّد والضياع والمهانات، بلا نهاية ولا مستقبل.
ويمكن التأريخ لولادة تلك القوة الرؤيوية وتصاعدها، تأريخًا وضعيًا وظرفيًا يرتبط بحوادث ومنعطفات عدة متتالية:
– ما سُمّي انتفاضة 6 شباط 1984 في ضاحية بيروت الجنوبية وفي غرب بيروت. وهي انتفاضة، إلى تزامنها مع حرب الشوف-عاليه الطائفية وهزيمة المسيحيين فيها، أدت إلى تحرير بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية من “قوة متعددة الجنسية” حلّت فيهما بعد ترحيل الجيش الإسرائيلي قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من بيروت صيف 1982.
وأدت تلك الانتفاضة أيضًا إلى “تحرير” غرب بيروت والضاحية الجنوبية من الجيش اللبناني الموحّد في عهد أمين الجميل الرئاسي (1982- 1988)، وإلى انقسام الجيش مجددًا إلى جيشين. ومن ثم إلى إسقاط اتفاق 17 أيار 1983، بين إسرائيل التي غزت لبنان صيف 1982 وبين السلطة اللبنانية في ذاك العهد الرئاسي. وبعدما كانت بيروت الغربية والضاحية الجنوبية مهددتين برعب تبثه فيهما “القوات اللبنانية” المسيحية المسعورة للثأر لزعيمها الشاب المغدور بشير الجميل، المنتخب رئيسًا للجمهورية.
– وراثة “حزب الله” بالقوة وبالاغتيالات وبدعم من نظامي الأسد السوري والخميني الإيراني، ما كان يسمى “المقاومة الوطنية اللبنانية” وأحزابها اليسارية والقومية، وتثبيت الحزب المذكور رؤياه القيامية وحدها من دون سواها لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي.
– ضلوع “حركة أمل” في حرب أهلية مدمّرة على المخيمات الفلسطينية في بيروت وجنوب لبنان (1985- 1988). وضلوع “حزب الله” في حرب أهلية شيعية-شيعية (1986- 1988) وانتصاره فيها على “حركة أمل”.
– تمكّن “حزب الله” من تحرير الشريط الحدودي الجنوبي من الاحتلال الإسرائيلي صيف العام 2000، واختراعه قصة تحرير مزارع شبعا لاستمراره في حرب تحرير أبدية.
– خوض “حزب الله” حرب تموز-آب 2006 مع إسرائيل. وهي الحرب التي توقفت بتحقيقه رؤياه القيامية: “الوعد الصادق” و”النصر الإلهي”.
– انتصار نظام بشار الأسد و”حزب الله” على ثورة الشعب السوري السلمية أولًا، ومن ثم بعد تحولها حربًا أهلية إقليمية ودولية بين العامين 2011 و2023. وكان لـ”حزب الله” سهمه البري والدموي الكبير في تلك الحرب الأهلية ضد الشعب السوري.
– انتصار “حزب الله” والمنظومة السلطوية-المالية في لبنان على انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 اللبنانية. وذلك بعدما أفلست تلك المنظومة سياسيًا، وسطت على ودائع اللبنانيين المالية في المصارف، فانهار الاقتصاد في البلاد.
لكن هذه الانتصارات كلها التي حققها “حزب الله”، بدأت تنهار منذ أقدامه على خوض حرب “إسناد غزة” في 8 تشرين الأول 2023، بعد ما شنت إسرائيل حرب إبادة على غزة، ردًا على هجوم “حماس” عليها في ما سمّته عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023.
الركام واحتفالات الانكار الصيفي
واليوم، بعد أكثر من 3 سنوات من جولات حروب مستمرة، محقت فيها إسرائيل غزة عمرانًا وبشرًا وحوّلتهما إلى ركام، يبدو أن “حماس” تتهيأ أخيرًا للاستسلام والرضوخ لنزع بقايا سلاحها. هذا فيما تستمر إسرائيل في تقسيطها إبادة عشرات يوميًا من مليوني فلسطينيي سجناء مشردين بين الردم والركام في غزة.
أما في لبنان فأزالت إسرائيل مدن جنوب لبنان الحدودية وبلداتها كلها، واحتلتها أرضًا بلقعًا خالية من البشر والعمران. هذا فيما مدن وبلدات جنوبية خلفية كثيرة مهددة بالمصير نفسه.
وحدها بلدات حدودية قليلة لا توالي “حزب الله” ورؤياه القيامية، نجت من التدمير والاحتلال. لكن بقايا أهلها الضائعين الحائرين في أي بلد يعيشون، يدارون أو يتناسون أو يتسترون على ضياعهم وحيرتهم بإحيائهم احتفالات صيفية، هيهات أن تنجو من إدراجها في تناسل الضغائن والنكايات بين الجماعات اللبنانية المنكوبة.
أما في ضاحية بيروت الجنوبية، مهد ولادة “حزب الله”، فلم يبق من فيض تلك القوة الرؤيوية سوى اصطفافِ صور الشهداء ورافعات الردم والركام وحياةٍ خفتت بعد الزلزال أو البركان.
ومن خلف هذا هناك لبنان كله منكوبٌ بمنظومة سياسية-مالية نهّابة ومتسلّطة، يكرّس تناحرها وتكلسها على أنقاض جماعات سادرة ومستغرقة في ضغائنها ونكاياتها وعداواتها، مهما أغسقت الحياة في بلادها.
ولا يكترث “حزب الله” بمثل هذه الترهات، أقله في ما يقوله ويعلنه في كل يوم، ممعنًا في رؤياه القيامية التي لا يملك سواها قولًا ونظرًا إلى العالم، إلى الموت والحياة التي صارت عبادة لتلك الرؤيا حتى قيام الساعة.
وفي غسق الحياة بضاحية بيروت الجنوبية، يبدو الناس شبه منوّمين أو مخدّرين باليأس والقنوط والصمت. ربما أزال ما حدث تلك الرؤيا القيامية عن بصيرتهم وأبصارهم، من دون أن يمتلكوا رؤية وكلامًا سوى كلامها يرددونه في العلانية العامة المفقودة أصلًا في بلاد منهكة ومتهالكة، ذاوية وخاوية، وتقوم بين جماعاتها سدود وجدران من مخاوف وضغائن وأحقاد، عنها وحدها يصدر معظم القول والكلام في البلاد.
لذا، في صمت يعيش أهالي الضاحية المرغمين على البقاء فيها، أولئك غير المقتدرين على مغادرتها. وفي صمت أيضًا يغادرها المقتدرون إلى أماكن أخرى، قد يكون العيش والإقامة والعمل فيها أقل قلقًا وأكثر أمنًا وأمانًا بقليل. أصحاب مهن ومتاجر ومؤسسات ومصانع صغيرة سلِمت كليًا أو جزئيًا من التدمير في الضاحية الجنوبية، انتقلوا إلى مناطق خارجها، خصوصًا إلى الشويفات وعرمون وبشامون والجيّة والسعديات، حيث نشأ منذ أكثر من عقود أربعة اختلاط سكاني طائفي، وعاش المتخالطون هناك عداوات وصدامات، خفتت وتلاشت أخيرًا في ما يشبه هدنة، بعدما تساوت جماعات ومناطق لبنانية كثيرة في اليأس والقنوط.
وسكان الضاحية المقتدرون على تحمّل كلفة السكن خارجها، غادروها بدورهم إلى أماكن ومناطق أخرى، قريبة أو بعيدة يقيمون فيها إقامة موقتة قد تطول على الأرجح، طالما أن جولات الحرب مرشحة للتجدّد.
الصبية وشقيقها المقعد والقرض الحسن
بعدما أذاع “حزب الله” بيان رؤياه التأسيسي الموجه إلى “أمة المستضعفين في العالم” سنة 1985، بعثت صبية من ضاحية بيروت الجنوبية رسالة لشقيقتها الكبرى المهاجرة إلى فرنسا، فكتبت لها فيها: نحن اليوم ولدنا. وقصدت أنها وأسرتها ولدوا من رحم تلك الرؤيا القيامية. وكان شقيقها المقعد قد بدأ بتلقين دروس دينية لفتيان في حي من أحياء الضاحية الجنوبية.
أولئك الفتيان، ويقدر عددهم بنحو ثلاثين، صاروا اليوم صورًا في الحي. أما الصبية المولودة ولادة ثقافية غير بيولوجية آنذاك، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، فصارت اليوم أرملة شهيد معلقة صورته في الحي نفسه.
ومنذ هدايتها أو ولادتها تلك، لم تتوفف عن رحلات زيارة الأضرحة والعتبات المقدسة في العراق وإيران. وعلى الرغم من الحرب الدائرة في السنوات الثلاث الأخيرة، وتهجّرها مرات بين قرى وبلدات جنوبية، قامت لمرات ثلاث أو أربع بتلك الزيارات.
وقبل أيام ترددت المرأة الأرملة مرات إلى عدد من مكاتب ومقرات جديدة أنشأها “حزب الله” لمؤسستة المالية “القرض الحسن” في الضاحية الجنوبية، وأنشأ بعضها في ملاجئ بنايات تحت الأرض، بعدما دمرت إسرائيل مباني تلك المؤسسة التي كانت مشيدة فوق الأرض في مناطق كثيرة.
أودعت المرأة أونصات ذهبية ومجوهرات في “القرض الحسن”، وحصلت على قرض مالي بالدولار لتشتري به قطعة أرض صغيرة في قرية جنوبية غير حدودية، ترغب مستقبلًا في تشييد بيت صغير عليها.
بالطبع ليست ضاحية بيروت الجنوبية ولا جنوب لبنان، غزةَ أو الضفة الغربية الفلسطينيتين. لكن مسار المأساة الفلسطينية المديدة، ومسار دولة الاحتلال الاستيطاني العنصرية في فلسطين وسوريا ولبنان اليوم، ومسار تلك الرؤيا القيامية في لبنان ركام الحروب الأهلية الإقليمية المديدة، وقصة تلك المرأة وشقيقيها وتلامذته وزوجها الشهيد، تنبئ كلها بأن جنوب لبنان قد لا ينجو من مصير فلسطيني.