ملخص
لا الخيارات الثلاثة المطروحة أمام ترمب، وهي ترك “الواقع القائم” كما هو، وتشديد الحصار الاقتصادي، ومعاودة القتال، تضمن المخرج. ولا نقل طهران، بأمر من المرشد الشاب، العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم، هو “الرصاصة الفضية” التي تحسم الصراع إن لم تزد الأمور سوءاً وتعقيداً. ولعل أكثر ما ينطبق على أميركا وإيران هو التعبير الصيني الشهير “قوي من الخارج، هش من الداخل”.
أميرکا وإیران عالقتان في مأزق حرب ناقصة تسمح لكل منهما بادعاء النصر.
لا الخيارات الثلاثة المطروحة أمام ترمب، وهي ترك “الواقع القائم” كما هو، وتشديد الحصار الاقتصادي، ومعاودة القتال، تضمن المخرج. ولا نقل طهران، بأمر من المرشد الشاب، العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم، هو “الرصاصة الفضية” التي تحسم الصراع إن لم تزد الأمور سوءاً وتعقيداً. ولعل أكثر ما ينطبق على أميركا وإيران هو التعبير الصيني الشهير “قوي من الخارج، هش من الداخل”.
أميركا من الخارج قوة عظمى تملك أكبر اقتصاد وأقوى آلة عسكرية في العالم تنشر قواتها في 800 قاعدة عسكرية في معظم بلدان الكرة الأرضية، وتمسك بشرايين المال عبر الدولار. ومن الداخل منقسمة حول أمور كثيرة بينها الحرب مع إيران، وخائفة من ارتفاع أسعار النفط والغاز ومهجوسة بفتح مضيق هرمز، ولا معركة فيها تتقدم على معركة الانتخابات النصفية للكونغرس لأن نتائجها تقيد ترمب أو تبقي يديه حرتين في سياساته الداخلية والخارجية.
وإيران من الخارج قوة إقليمية مهمة صارت تأخذ “القرار في طهران”، كما قال الإمام الخميني لصحافي أميركي سأله عن جدوى الثورة، وتبني وتمول وتسلح منظمات أيديولوجية مذهبية ضمن شبكة لحماية الأمن القومي الإيراني والعمل لمشروع ولاية الفقيه، وتسهم في توسيع النفوذ الإيراني في المنطقة وتعميقه. وفي الداخل خلافات وصراعات وحال يختصرها کردیم سادجادبور بالقول: “إیران ذات 92 مليون مواطن تمثل أكبر جمهورية في العالم معزولة عن النظام العالمي، اقتصادها هو الأكثر تعرضاً للعقوبات، عملتها الأكثر عرضة للخفض، جواز سفرها هو الأكثر رفضاً في العالم، الإنترنت هو الأكثر خضوعاً للرقابة، وهواؤها هو الأكثر تلوثاً في العالم”. شعبها يريد “حياة عادية” كما هي الحال في كوريا الجنوبية، لكن الملالي وحراس الثورة يصرون على استمرار الثورة ونموذج كوريا الشمالية. ومن هنا اختار ترمب إعلان “أكبر حرب اقتصادية” في العالم على الجمهورية الإسلامية. فالخطر على السلطة هو من الداخل لا من الخارج. وما يشكو منه دائماً الرئيس مسعود بزشكيان هو الخلافات الداخلية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة جداً.
المفكر عبدالکریم سروش يرى أن “أخطر ما يهدد المجتمع ليس من الخارج بل من المستبدين الذين يقمعون الأحداث في الداخل”. وكردیم سادجادبور يكرر التذكير بقوله “إن التهديد الكبير للاستراتيجية الإيرانية الكبرى يأتي من الداخل، الفقر وغضب الناس” من إنفاق الأموال على الأذرع المسلحة في المنطقة بدل الالتفات إلى أوضاع الناس. لا بل إن سنام وكيل من “تشاتام هاوس” في لندن تعتقد “أن المتشددين في إيران لیسوا مهتمين بالمردود الاقتصادي، ويرغبون في إفقار الشعب للبقاء في السلطة”.
عام 1947 كان وزير الخارجية الأميركي جورج مارشال في موسكو يحاول عبثاً إقناع السوفيات بالموافقة على معاهدات السلام مع ألمانيا والنمسا، فتلقى مذكرة من وكيل الوزارة ويليام كلايتون جاء فيها أن ملايين الناس جائعون في المدن الأوروبية، فطلب من جورج كينان تقديم اقتراح بسرعة. وكان الاقتراح هو حاجة أوروبا إلى 7 مليارات دولار سنوياً على مدى عامين أو ثلاثة. وهكذا ولد “مشروع مارشال” الذي أنقذ أوروبا من الفقر و”خطر الشيوعية”. لکن جورج کینان رأی حاجة إلى توسيع البيكار، فاقترح استراتيجية “الاحتواء” للاتحاد السوفياتي، ثم جاء من يضيف إلى الاحتواء سیاسة “الإفقار” ومعها سياسة “الضرب على الجيوب”. ويبدو أن مستشاري ترمب أخذوا ورقة من كتاب “الاحتواء” والإفقار والضرب على الجيوب لصنع استراتيجية المواجهة مع إیران، إلى جانب الالتفات الضروري إلى رعاية الازدهار في البلدان العربية.
والوصفة خطرة. “احتواء” إيران عبر فصلها عن النظام العالمي. اللعب على فقر الناس وغضبهم من خلال الحصار المحكم الذي يضيف سياسات الإفقار إلى واقع الفقر. وممارسة سياسة “الضرب على الجيوب” ضد النافذين بين الملالي وفي الحرس الثوري والجيش الذين صاروا الأثرياء الجدد في إيران، لكن النجاح ليس مضموناً لهذه الاستراتيجية. ففي إيران متشددون يرفضون دمج الاقتصاد الإيراني بالاقتصاد العالمي، كما يحلم ترمب، ويصرون على القطع الكامل لتشكيل قطب يواجه أميركا وبقية الأقطاب. والاحتواء الذي انتهى بسقوط الاتحاد السوفياتي أخذ أعواماً طويلة، وليس في أميركا من يريد هذا الانتظار الطويل لسقوط النظام الإيراني الذي تختلف بنيته الدينية عن البنية الماركسية السوفياتية، فضلاً عن أن ديون أميركا نفسها وصلت إلى 40 تريلیون دولار، وسط 353 تریلیون دولار حجم الديون العالمية.
والانطباع السائد بين المراقبين هو الرهان على نظرية سادجادبور التي خلاصتها أن “استراتيجية إيران الكبرى ستهزم، لا بواسطة أميركا أو إسرائيل بل بواسطة الشعب الإيراني الذي دفع كثيراً من أجلها”، ولكن تجارب الماضي كشفت عن أن ذهاب النظام إلى النهاية في القمع أفشل بالسجن والقتل كل الانتفاضات حتى اليوم.
