ملخص
يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة يفترض أن توفر الوقت إلى بديل يتسلل إلى أكثر العلاقات الإنسانية خصوصية، من تربية الأطفال إلى الصداقة ومواجهة الوحدة. ومن نصائح سام ألتمان لاستخدام “تشات جي بي تي” أثناء الطريق إلى المدرسة إلى أجهزة الرفقة الرقمية، يطرح النص مفارقة تقنية تعد بتحرير الإنسان من الأعباء، لكنها قد تبعده عن التواصل البشري الذي يفترض أن تمنحه مزيداً من الوقت له.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، شارك سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي”، المطورة لمساعد الذكاء الاصطناعي “تشات جي بي تي”، نصيحة في شأن تربية الأطفال عبر منصة “إكس”.
وقال ألتمان الذي لديه ابن يبلغ 18 شهراً، ولذلك لا يزال حديث العهد نسبياً بالأبوة: “سمعت الليلة الماضية عن استخدام رائع لـ ’تشات جي بي تي’. حدد جداول مواعيد أفراد عائلتك واربطها [بشات جي بي تي]، واشرح اهتمامات أطفالك. وفي كل صباح، أثناء الطريق إلى المدرسة، اجعله يعد بودكاست يتحدث عن مباراة كرة القدم التي سيخوضها أحد أطفالك بعد ظهر ذلك اليوم، أو عيد ميلاد أحدهم المرتقب، وبعض الأخبار، وغير ذلك”.
ممم… أي إسناد الجزء الفعلي من تربية الأطفال، المتمثل في “التحدث إلى أطفالك”، إلى طرف آخر. ولا شك في أن ذلك يتسم بالكفاءة. فبضربة واحدة، يمكنك التخلص من عناء التواصل المباشر مع طفلك، ومن مشقة فك رموز الإشارات اللفظية مثل نبرة صوته أو تنغيم كلامه، أو، لا سمح الله، طرح الأسئلة عليه. لكن لماذا نتوقف عند هذا الحد؟ لا بد من أن المهووس الحقيقي بتعظيم الإنتاجية سيتخلص من الوسيط تماماً، ويطلب من الذكاء الاصطناعي ابتكار أطفال لا يستهلكون كثيراً من الوقت، ولا وجود لهم إلا على الإنترنت، ولديهم هوايات تهمك أنت فعلاً.
ومنذ أن اشتد سباق الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يتوقف أنصاره عن تكرار القول، على رغم كل الأدلة التي تثبت العكس، إنه سيساعدنا في العمل بذكاء أكبر لا بجهد أكبر، محرراً وقتنا وقدراتنا الفكرية كي نتفرغ لشغفنا الحقيقي. وفي مقالة نشرها عام 2021، كتب ألتمان: “عندما ينتج الذكاء الاصطناعي معظم السلع والخدمات الأساسية في العالم، سيتحرر الناس ليقضوا مزيداً من الوقت مع الأشخاص الذين يهتمون لأمرهم، وليعتنوا بالآخرين ويستمتعوا بالفن والطبيعة، أو يعملوا من أجل المصلحة العامة”. وبعبارة أخرى، كان من المفترض أن يتولى الذكاء الاصطناعي الأعمال الشاقة والرتيبة، ليمنحنا مزيداً من الوقت لنكون بشراً.
وأواخر الأسبوع الماضي، أُطلق روبوت دردشة يدعى “أوركيد”، يُروَّج له باعتباره “عقلاً ثانياً”، عبر مقطع فيديو يظهر فيه رجل يدعى “سام” وقد نسي ذكرى سنوية، فيما كان منشغلاً بألعاب الفيديو وأكل حبوب الإفطار الجافة إلى حد أنه لم يفعل شيئاً لتدارك الأمر. وبعد تلميح سريع من حبيبته التي لم يُذكر اسمها بالطبع، يتدخل “أوركيد” نيابة عن سام، فيحجز مطعماً ويشتري زهور الزنبق، متذكراً بأنها تفضلها على الورود.
وعلى رغم بؤس مهارات “سام” الاجتماعية، ففي الأقل علاقته الزائفة هي مع شخص حقيقي. أما جهاز الذكاء الاصطناعي القابل للارتداء “فرند” الذي يبلغ سعره 249 دولاراً، فأُطلق عام 2024 لمكافحة الوحدة. وهو يرسل رسائل نصية إلى مالكيه، ومنذ الأسبوع الماضي بدأ يتحدث إليهم أيضاً. ويظهر إعلانه الجديد شابة تجلس وحدها على سرير وتتحدث إلى “فرند”، عبر كرة كبيرة معلقة في سلسلة حول عنقها، عن حبيبها السابق. وفي مقطع آخر، يتحدث رجل إلى “فرند” عن مخاوفه حيال عمله. ومقابل اشتراك اختياري قدره 9.99 دولار شهرياً، سيتذكر “فرند” من تكون لأكثر من 30 يوماً.
وهناك كثير غيره، داخل سوق تدور في حلقة مفرغة: فالذكاء الاصطناعي يبقينا ملتصقين بأجهزتنا، ويعزز الظروف التي تجعلنا نشعر بالوحدة، ثم يبيعنا العلاج الذي ليس سوى مزيد من الشيء نفسه. إن ما يصاحب التفاعل من احتكاك مزعج الذي يفترض أنهم يحرروننا منه، هو ما يفصلنا عن الآلات.
وعبر منشور حديث على منصة “أكس”، واجه آفي شيفمان، مؤسس “فرند”، صعوبة في توضيح الغاية من منتجه. فشدد على أن “لا شيء سيحل محل التواصل البشري أبداً”، قبل أن يقول إنه مهتم بتقديم شيء مشابه: “نوع من شخص نأتمنه على أسرارنا، أو صديق، أو إله، ولست متأكداً حقاً مما هو… نوع جديد من الرفيق”.
ولا ينبغي أن يفاجئنا عجز شيفمان عن التمييز بين ما ابتكره وشخص حقيقي نأتمنه على أسرارنا، ما دام سام ألتمان لا يستطيع التمييز بين فرصة لإجراء حديث حقيقي و”حالة استخدام” لـ”تشات جي بي تي”. وإذا كان المقصود من هذه الأداة أن تمنحنا حرية أكبر للإبداع، فلماذا لا يمتد خياله إلى أسئلة مثل: “لماذا لا أتحدث أنا إلى طفلي؟”، و”هل من الحكمة تحميل جدول مواعيد طفل قاصر وموقعه على منصة يمكن أن تخزن فيها هذه البيانات على خوادم، ويطلع عليها غرباء، وتنكشف عبر تسريبات البيانات؟”، بل إن “أوبن أي آي” نفسها تقول إن “تشات جي بي تي” غير مخصص أصلاً لاستخدام الأطفال دون عمر 13 سنة.
وهؤلاء الرجال يفضحون أنفسهم باستمرار. فقد أثار إيلون ماسك، مؤسس “إكس أي آي”، مراراً “التحدي” المتمثل في كيفية “العثور على معنى للحياة” حين يجعل الذكاء الاصطناعي العمل غير ضروري. وبحسب آخر إحصاء، لديه 14 طفلاً. ومن الواضح لي أن العلاقة التي يهتم بها أكثر من غيرها هي علاقته بالعمل.
من السهل القول إن الذكاء الاصطناعي يفسح لنا مجالاً أكبر للقيام بالأشياء التي نحبها. لكن بالنسبة إلى من يصنعون الذكاء الاصطناعي، فإن أكثر ما يحبونه هو أن نستخدمه.
© The Independent
