عندما يصبح كل فن مصدر إلهام للآخر، يكون الحوار بين الأدب والرسم في أوج ازدهاره. حينها، تتحول الاختلافات الجوهرية التي تفصل بينهما إلى منطلقات للخيال الإبداعي. وتتنوع أساليب هذا الحوار تنوعًا كبيرًا: فقد يمثل أحد الفنين للآخر موضوعًا يُراد تناوله (على سبيل المثال، عندما يصوّر الرسام كاتبًا أثناء عمله)، أو مرجعًا يُعرّف نفسه من خلاله، كما هي الحال عندما يتحدّث بروست عن الرسم لتوضيح هدفه الجمالي بشكل أفضل؛ أو دافعًا إبداعيًا، أو نموذجًا يرغب في محاكاته أو دمجه، كما هي الحال عندما تسعى الكتابة إلى أن تصبح تصويرية.
يُغذّي التفاعل بين النص والصورة الإبداعات الأدبية والفنية باستمرار. فمن بودلير الذي احتفى بـ”رسام الحياة الحديثة” إلى رينيه شار الذي تأمل في أعمال جورج دو لا تور. وقد أثبت الشعر جدارته في هذا المجال، فلطالما استلهم الشعر الحديث من الرسم. يتجلى هذا الانجذاب أيضًا، ليس لدى الشعراء فقط، بل لدى الروائيين أيضًا. لقد تأمل كل من بلزاك، والأخوين غونكور، وفلوبير، وهويسمان، وبروست، في أعمال الرسامين وتساءلوا عنها بطريقتهم الخاصة. حيث شاع استخدام مفهوم الإكفراسيس (وصف تفصيلي لعمل فني معين)، منذ العصور الوسطى التي عززت ممارسة التذهيب والتوضيح من خلال الحوار الوثيق بين الكتابة والتمثيل.
ظل هذا الحوار غير متكافئ تاريخيًا. فقد كان الإلهام الأدبي عنصرًا ثابتًا في الرسم حتى نهاية النظام القديم (وحتى ظهور الرومانسية)، نظرًا لوظيفته الدينية والسياسية التي استمدت شرعيتها من النصوص التأسيسية والمقدسة والأسطورية للحضارة الغربية. ومن هذا التوجيه الأدبي، سعى الرسم، منذ القرن التاسع عشر وحركة الواقعية، إلى التحرر باستمرار. ولكن منذ هذه الفترة فصاعدًا، بدأ الأدب يُشير بشكل متزايد إلى الرسم، ليجد فيه مصادر إلهام جديدة، من خلال التنافس المحاكي، أو من خلال الانبهار باستقلاليته الجمالية.
في هذا السياق لا ينبغي التغاضي عن الأسس الجمالية والفلسفية لهذا التبادل. وقد بيّن ذلك الباحث دانيال بيرجيز في كتابه “النص واللوحة: حوار الرسامين والأدباء”. في هذا الكتاب قام المؤلف برصد تطور العلاقة بين الأدب والرسم عبر القرون، ومن خلال التأثيرات المتواصلة. إنه حوار مثمر. وقد قدّم المؤلف، في هذا الشأن، تأملًا شاملًا يستند إلى معرفة مزدوجة بالفن التصويري والممارسة الأدبية. فقد سلّط الضوء على التقاطعات التاريخية والموضوعية العديدة بين هذين الفنين، فضلًا عن الأسس الجمالية والفلسفية لهذا التبادل. لقد اعتمد الرسم على النصوص الأدبية والدينية لقرون، سواءً كمصدر إلهام أو كأساس للتنظير. في المقابل، نرى افتتان الكُتّاب بالتأثير البصري المباشر للصورة، الذي يسعون غالبًا إلى استحضار جاذبيته من خلال الكتابة.
اعتمد المؤلف على المنهج التاريخي والنظري. فالكتاب يغطّي الفترة الممتدّة من العصور الوسطى إلى يومنا هذا، محلّلًا الأسس الجمالية والفلسفية. ومن حيث المحتوى، استند إلى المعرفة التصويرية والأدبية، بما في ذلك مجموعة مختارة من اللوحات. فكانت النتيجة هي رصد هذا التطور، وتوضيح كيف ابتعد الرسم عن مصادره الأدبية في القرن التاسع عشر، بينما سعى الأدب إلى تجسيد مرونة الصورة. لهذه الأسباب، يُعدّ هذا الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لفهم كيفية تناول النصوص الرسم، وكيف تروي اللوحة قصة.
هنا نصل إلى سؤال التشابه والاختلاف بين الفنون البصرية والأدب. إن سؤال الأجناس الأدبية في الأدب يكاد يحضر هو نفسه في الرسم، لكنه يطرح نفسه بمصطلحات تبدو متناقضة. فمنذ كتاب أرسطو “فن الشعر”، جرت العادة على تمييز ثلاثة أجناس رئيسية في المجال الأدبي: السرد، والدراما، والشعر (أو، بالمصطلحات القديمة، الملحمة، والدراما، والشعر الغنائي). ولا يزال هذا التقسيم الثلاثي يُهيمن على فهمنا للأدب اليوم، إذ يُشكّل بنية المناهج الجامعية وقوائم دور النشر. ورغم اختلاف طرق ارتباط النص بالواقع، فإن هذه التصنيفات الأدبية لا تُحدّد مسبقًا المواضيع التي تتناولها. فبينما تختلف الملحمة جوهريًا عن الدراما لأنها تُدخل صوت الراوي ووعيه بين المستمع ومشهد العالم الموصوف، فإنها لا تستبعد بالضرورة نطاق المواقف الموجودة في الدراما. ولهذا السبب استطاعت التراجيديا، في بدايات الأدب الغربي، أن تستقي بسهولة من الأساطير والملاحم.
يختلف الوضع فيما يتعلق بتصنيفات أنواع الرسم. لم يظهر هذا المفهوم إلا متأخرًا نسبيًا، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وظل سائدًا حتى القرن التاسع عشر. وبناءً على تسلسل هرمي مرتبط بمكانة الشخصيات المصوَّرة، أصبحنا نميز بين: “الرسم التاريخي” (وهو النوع الأبرز، ويشمل اللوحات الدينية، والتمثيلات الأسطورية، والرموز المجازية)؛ و”رسم البورتريه” (الذي اقتصر لفترة طويلة على تصوير الشخصيات في البداية)؛ و”رسم المشاهد اليومية” (الذي يصوّر مشهدًا عاديًا، مثل رواد حانة أو مطعم)؛ و”رسم المناظر الطبيعية”؛ وأخيرًا، “لوحات الحيوانات والزهور”.
لكن، إجمالًا يمكن القول إن أوجه التقارب التاريخية بين الأدب والرسم تندرج ضمن الإطار العام للسياقات الثقافية المختلفة، وبالتالي فهي تنتمي إلى تاريخ من الأفكار والحساسيات يتجاوز الحدود الصارمة لهذين الفنين. فعلى سبيل المثال، كان هناك دومًا حوار بين الفكر الرومانسي والفلسفة والموسيقى. ومع ذلك، إذا بدا الحوار بين الأدب والرسم جوهريًا، فذلك لأنه، بالإضافة إلى هذه التأثيرات السياقية، يمسّ جوهر هذين الفنين. فهما يشتركان في خاصية البناء على التمثيل، مما يوفر إمكانية مضاعفة أو تكثيف الواقع. وينطبق هذا بالتأكيد على النحت أيضًا، لكن النحت لا يمكنه تناول سوى نطاق محدود من المواضيع؛ أما الموسيقى، كالعمارة، فتكاد تنفلت تمامًا من هذا التعريف.
على النقيض من ذلك، يعرف العالَم (الواقع) في كلٍّ من النص والرسم حضورًا متجددًا. ومن خلال هذه القدرة المشتركة على جعل الواقع حاضرًا في مرآة العمل الفني، يتقارب الأدب والرسم بشكلٍ عميق، بينما يتباعدان في الوقت نفسه تباينًا جذريًا في أساليبهما الرمزية. يشير مصطلح “الصورة” نفسه إلى كلٍّ من العمل الفني البصري والتقنية التي يستخدمها الكاتب، على سبيل المثال، في شكل استعارة أو تشبيه. تختلف العمليات، ويتباين المعنى (هل يمكن مساواة الصورة المعروضة أمام المشاهد بما يسميه علم البلاغة “استعارة”؟)؛ لكن كل شيء يتكشف، في اللغة، كما لو كانت العملية من النوع نفسه…
إن علاقة الأدب بالفنون في الرواية الغربية هو تقليد قديم وراسخ، صدرت في شأنه كتب ومعاجم ودراسات. أما في الأدب العربي فالأمر حديث النشأة. أما إذا أراد أحدٌ ما أن يحصي الكتب النقدية التي تناولت علاقة الرواية بالفنون البصرية، تحديدًا الرسم والفن التشكيلي والنحت والتصوير الفوتوغرافي، لاحتار هذا العادُّ في وضع قائمة محدّدة. لكن، لنذكر بعض النماذج الغربية، قبل الانتقال إلى النماذج الروائية العربية.
تقف رواية “كتاب الرسم والخطّ” للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو في مقدمة الأعمال الروائية الحديثة التي عبّرت عن اهتمام الروائي بالفنون البصرية. وهي الرواية التي حققت له الشهرة العالمية. وضع ساراماغو الحياة على لوحات الرسم والتواءات الخط من أجل فهمها، وإيجاد المعنى الحقيقي لكثير من تعقيداتها بشكل فلسفي. فبطل الرواية هو رسام بورتريه. إن حيرة رسام البورتريه هي نفسها حيرة الكاتب، فكلاهما يريان أن الرسام هو صوت ضمير المجتمع، مثله مثل الروائي. وأن الصورة تقدّم المعرفة للناس. وأن الأدب وعلم الجمال لا يختلفان. كما أن أدب جان كوكتو، الذي كان رسامًا وموسيقيًا، ليقوّي الصلة بين الفنون جميعها وبين الأدب. ثم أندريه بروتون، زعيم السورياليين، الذي كان شديد الولع بالنحت والرسم. ثم الشاعر الفرنسي أبولينير الذي قال لأصدقائه ذات يوم وهم جالسون في مقهى: “سوف أصبح غنيًا حين سأسرق لوحة ’الجوكاندا’ من متحف اللوفر”. وحين سُرقت اللوحة كان هو المتهم الأول، قبل أن يُطلق سراحه بعد اكتشاف السارق الحقيقي.
وفي الأدب العربي الحديث، جسّد جبرا إبراهيم جبرا، وإدوار الخراط، ورضوى عاشور، وجبور الدويهي هذه العلاقة. كما أنه لا يمكن الاستغناء عن ذكر رواية “زهرة فوق سطح البيت: ماتيس في طنجة” للكاتب الجزائري عبد القادر جمعي. وهي رواية تتحدث عن ماتيس ولوحته “زهرة فوق سطح البيت”.
إن هذا الحوار المثمر بين مختلف أجناس الفنون والأدب ظل قائمًا منذ القدم على التنافس المتبادل، فالكلمات تصف الصور بينما تروي اللوحات القصص. إنها حكاية إلهام متبادل.