في عام 1836، ألّف غوغول مسرحية “الأنف”، التي صوّب من خلالها سهام سخريته إلى مثالب الشعب الروسي، وإلى الآفات التي تنخر المجتمع بالفساد والتسلّط والتمييز الطبقي العميق. يتحاور بطل المسرحية كوفاليوف، صاحب المركز المرموقٍ في المجتمع، والمعروف بتعاليه على الناس، مع أنفه الذي بتر من وجهه، ووقع صدفةً في يد خبّازٍ بسيط. المسرحية عبارة عن خيالٍ ممزوج بالواقعية الرمزية للتعبير عن الحرية والاستبداد. يأتي الحوار في إشارة رمزية إلى الوضاعة التي انحدر إليها كوفاليوف في نهاية مشواره.
بشكله الكوميديّ، أصبح الأنف رمزًا يرسم الابتسامة على وجوه الناس في زمن الاستبداد والطغيان. لذلك، لاقت أوبرا “الأنف”، التي ألفها الموسيقيّ ديمتري شوستاكوفيتش، بالاستناد إلى مسرحية غوغول، ترحيبًا حارًّا إبّان السلطة السوفياتية، باعتبارها موجهة ضدّ النظام الاستبدادي القيصري السابق. غير أنّ جوهر المسرحية موجّه في حقيقة الأمر إلى كلّ الأنظمة الاستبدادية القمعية في كلّ مكان.
تتحدث المسرحية عن أنفٍ فُصِل عن وجه صاحبه، وراح يتجول كشخصية مستقلّة في مدينة سانت بطرسبرغ. في أحد الأيام، يجد الحلاق ياكوب بليفيتش الأنف في رغيف خبز كان يُقطِّعه. الأنف كان مألوفًا للحلاق… أجل، إنّه يعود إلى المفتش كوفاليوف، الذي اعتاد أن يقص شعره عنده في يومي الأربعاء والأحد. في نقدٍ لاذعٍ للفساد والبيروقراطية والاستعلاء، المخرج باري كوسكي يُصور كوفاليوف وهو يحاول جاهدًا استعادة أنفه الذي فاقه مكانةً في مجتمع سانت بطرسبرغ.
في زمن الاتحاد السوفياتي، كانت الأوبرا تعرض باستمرار. وبعد عرضها على مسرح البولشوي عام 1974، بدأت تشقّ طريقها إلى مسارح الدول الأجنبية، ومن بينها الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا.
وفي أيامنا، واحتفالًا بمرور 120 على ميلاد ديمتري شوستاكوفتيـش، أعادت دار الأوبرا الكوميدية “komische Opera” في برلين تقديم عروضٍ من إنتاج المخرج المسرحي السابق، الأوسترالي باري كوسكي، المعروف على الساحة الموسيقية الأوروبية بإنتاجه الغزير. تبدأ العروض بمسرحية “الأنف”، باكورة أعمال شوستاكوفيتش الأوبرالية (وهو الذي كان يتمنى من أعماقه قيادة أوركسترا دار الأوبرا الكوميدية، التي طالما تفوقت موسيقيًّا على زميلاتها في برلين).
بعد أن ترك منصبه كمخرج مسرحي في دار الأوبرا الكوميدية، ظلّ باري كوسكي، فعليًّا، المعلّم الرئيس فيها. فـ”كنوزه الثمينة” ظلت في برامجها، بل وعملت الدار أيضًا على تجديدها باستمرار، عبر تقديم عروضٍ مبهرة وغريبة، مليئة بجماليات الاستعراض، التي تحظى بتقديرٍ كبير لدى جمهور مسارح برلين.
أخيرًا، تعاون المدير الموسيقي للمسرح، الأميركي جيمس غافيغان مع باري كوسكي في عملٍ آخر من أعمال شوستاكوفيتش “ليدي ماكبث من مقاطعة متسينسك”. والآن، وبعد أن أصبح في جعبتهم تجربة قيمة في إنتاج ثاني أعمال الموسيقي الشاب شوستاكوفيتش، يعود الثنائي إلى باكورة أعماله في الأوبرا “الأنف”.
لا يمكن القول إن الأوبرا الأولى كانت سهلةً على جيمس وباري، غير أنّ النوتة الكاملة التي ألّفها الموسيقي الشابّ تتمتّع بقدرة عجيبة في “تحطيم وكسر” الأصوات، والقفز إلى الأمام، متعثّرة أحيانًا بشكلٍ درامي، ولكن من دون أن تسقط أبدًا، ومن دون أن تنسى، في الوقت نفسه، أن تمنح مشاعر المشاهدين فسحةً من الوقت لترتاح. كلّ هذا يضفي على عملية تجديد أوبرا “الأنف” أهميةً كبيرة تجعلها حدثًا بارزًا في هذا الوقت.
من ناحية أخرى، أصبح جليًّا الآن أنّ المخرج كوسكي، الذي كان مقيّد اليدين والقدمين في أوبرا “الليدي ماكبث من متسينسك” قد أطلق العنان لمخيلته الفانتازية في أوبرا “الأنف”، ليتمكّن بسهولةٍ وحنكةٍ من حلّ المعضلة الأزلية المتمثّلة في تجسيد الأنف، وبالأحرى تصوير غيابه من وجه صاحبه.
في مسرحية غوغول، تحمل شخصيات سانت بطرسبرغ أنوفًا اصطناعيّة ضخمة، وكأنّها سمةٌ تشريحية لسكان المدينة. كوفاليوف نفسه لا يحتاج لتغطية وجهه، أو لتبييضه: فأنفه الأحمر بطبيعته، والشبيه بأنف المهرج، يبدو شاذًّا للغاية مقارنةً بأنوف من حوله.
في نسخة “الأوبرا الكوميدية”، تتجاوز هفوة الحلّاق، سواءٍ أكانت حقيقيّة، أم متخيّلًة، الفرد بكثير: فأنف كوفاليوف، الذي يصوره المخرج كوسكي، لا يكتفي بالتجوّل في المدينة فحسب، بل ويتضاعف عددًا بمجرد تقسيمه.
في نسخة كوسكي لأوبرا “الأنف”، كما في أعماله الأُخرى، لطالما لعب تصميم رقصات الحشود دورًا محوريًا، ولكنّ مصمّم الرقصات ابتكر هنا فقرةً رائعة يمكن للمسرح أن يقدّمها بسهولة كعرضٍ فنيٍّ مستقل، إنّها فقرة “رقصة الأنوف”، حيث يقوم أحد عشر أنفًا: عشرة ضخمة، وواحد أصغر بمقدار النصف، بتأدية الرقصة بخطواتٍ جريئة، تحظى دائمًا بالإعجاب والتصفيق.
في الواقع، يقدّم باري كوسكي مسرحيةً تدور حول شكلٍ من أشكال الثورة الجنسيّة، شكّل اختفاء الأنف المحرج شرارتها الأولى. لذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن يعلم كوفاليوف باختفاء هذا العضو من جسده، عندما استيقظ ليجد نفسه مع خادمه في السرير ذاته. وبالطبع، يتبيّن للمشاهد أنّ كوفاليوف هو “الحلقة الأضعف” في هذا التفكير المجتمعي الكئيب والميكانيكي، المقيّد بالتقاليد.
تعمّد الفنان كلاوس غرونبيرغ أن يجعل مسكن الشخصيات الكثيرة في مسرحية غوغول وأوبرا شوستاكوفيتش “الأنف” يشبه بئرًا رماديًا ما، يظهر للمشاهد عبر نافذة دائرية كبيرة تتوسّع مثل عدسةٍ كاميرا التصوير.
في البداية، يظهر عالم مدينة سانت بطرسبرغ أكثر كآبةً وأقلّ خلوًّا من البهجة. أما التحوّل الذي يطرأ على “مجتمع غوغول” فكان أكثر إثارةً للدهشة. وقد شكّل اختفاء أنف كوفاليوف بداية لهذا التحوّل المجتمعي.
الجميع منغمسٌ بجنون في الملذات، وفي الشهوات الجامحة. مثال ذلك: طبيبٌ جدّي يحاول جاهدًا أن يضع الأنف ليس في مكانه الطبيعي على الوجه، إنّما بين الساقين. وهناك، كان مسؤولون ورجال شرطة، وقبل مشاهد ثلاثة فقط يغضون الطرف عن متحولين جنسيًّا من أصحاب العضلات، والذين كانوا يرتدون ريشًا وملابس داخلية، ويجوبون شوارع سانت بطرسبرغ. أمّا في زوايا خشبة المسرح فتُشاهد مظاهر من الفجور جعلت حتى رواد نوادي برلين المتواجدين في الصالة يضحكون ضحكاتٍ ذات مغزى. أمّا كوفاليوف، شبه العاري (وهنا هو ليس مسؤولًا ضعيفًا متعبًا، بل رجلًا أنيقًا في ريعان الشباب)، فإنّه لم يعد يدري إن كان سعيدًا بمغامرته أم لا.
وحدهنّ، كبيرات السنّ من معلمات المدرسة لا يرغبن في معرفة أنّ الأنف بالنسبة لغوغول هو كناية عن عضوٍ آخر من أعضاء الجسد. أمّا في برنامج عرض باري كوسكي، فتناقش مسألة “رهاب الخصي”، الذي يمثّله فقدان الأنف، كدافعٍ نفسيّ مهمٍّ في حبكة غوغول.
لا مجال هنا للجدل، ويبقى السؤال الوحيد: هل يتمكّن باري كوسكي أن يمنح نفسه الحرية أخيرًا ليكشف ما لم يتجرّأ غوغول أن ينسبه لنفسه.
يفعلها باري كوسكي بالفعل، متجاهلًا كلّ من يريد الحديث عن الذوق والمدى الذي يمكن الذهاب إليه. قبيل النهاية، يظهر كوفاليوف على المسرح بشكلٍ غريب، أعضاء تناسلية مكان الأنف!! وعند النهاية تمامًا ينزع كوفاليوف أنفه الذي اكتسبه مؤخرًّا: فبعد أن تحرّر، لا يريد العودة إلى عالم “الرجال ذوي الأنوف الكبيرة”.