يوم السابع من أكتوبر وما تلاه شكل أحد أشد فصول الصراع عنفاً بين جماعات الإسلام السياسي المسلح بفرعيه السنّي، حماس والجهاد الإسلامي، والشيعي، “الحزب” والفصائل العراقية التابعة لإيران وجماعة الحوثي في اليمن ضد اليهودية السياسية المسلحة التي تحكمت بمفاصل القرار العسكري والسياسي لحكومة بنيامين نتنياهو.
في اللحظة التي اعتقد العالم أنه نسي فيها غزّة انفجر “طوفان الأقصى” صبيحة السابع من أكتوبر 2023 مفجراً معه خرائط الإقليم وتوازناته. وبينما ينشغل اليوم بسعر برميل النفط وجولة المحادثات الإيرانية – الأميركية المقبلة ومواقع سقوط الصواريخ وأهداف المسيّرات، تصنع إسرائيل بصمت وتصميم الظروف الموضوعية لإنتاج 7 أكتوبر جديد في الضفة الغربية قد تكون تداعياته أصعب من الإبادة التي تعرضت لها غزّة وجنوب لبنان ومن دوامة الحرب الإقليمية المفتوحة.
أدى التفوق العسكري الإسرائيلي إلى تقويض قدرة هذه الجماعات على تشكيل تهديد حقيقي على إسرائيل، الا أن العالم ما زال يقلل حتى الآن من خطورة انتصار المشروع التوراتي على الاستقرار العالمي ولا يخصص الإمكانات اللازمة لتطويقه. تلك الإمكانات التي خصصت لاجتياح أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 وتحالف محاربة الإرهاب الذي أنهى دولة الخلافة المزعومة لداعش في سوريا والعراق وجرّم تيار الاخوان المسلمين والسلفية الجهادية و”الحزب” والحرس الثوري في كثير من دول المنطقة والعالم. لا تزال المنظومة الدولية مربكة في التعاطي مع النظير اليهودي الأشد توحشاً والذي يملك أحد أقوى الجيوش في العالم وأكثر الأدوات الأمنية فتكاً وتقدماً.
تيار له عقيدته وقيادته وسلاحه
اليهودية السياسية المسلحة اسم لتيار قائم نجمع تحت مظلته الكاهانية التي يمثل امتدادها السياسي إيتمار بن غفير، والصهيونية الدينية “المسيانية” التي ينتمي إليها بتسلئيل سموتريتش، وشبان التلال، وشبكات “تدفيع الثمن”، والمزارع والبؤر الاستيطانية المسلحة، والحاخامات والمدارس والجمعيات التي تنتج العقيدة وتمول تنفيذها وتوفر لمرتكبي العنف الحماية والشرعية.
تؤمن هذه التيارات بأن السيادة اليهودية على كامل الأرض تكليف إلهي لا تملك أي حكومة حق التنازل عنه، وبأن الفلسطيني ليس صاحب حق سياسي يمكن التفاوض معه إنما عائق أمام الخلاص. بعضها يدعو إلى ترحيله، بعضها يقبل ببقائه خاضعاً بلا حقوق، وبعضها يستخدم العنف لطرده ودفع الدولة إلى تثبيت النتيجة. ولهذه الجماعات والأحزاب أدبيات وقادة وشبكات تمويل وحاضنة اجتماعية وأذرع ميدانية وهدف سياسي محدد جوهره الإبادة والتوسع.
لم تبدأ الظاهرة مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، ففي مطلع الثمانينات فجّر التنظيم السري اليهودي، الخارج من بيئة غوش إيمونيم، سيارات رؤساء بلديات فلسطينيين وخطط لتفجير قبة الصخرة. وفي سنة 1994 نفذ باروخ غولدشتاين، المنتمي إلى بيئة كاخ، مجزرة الحرم الإبراهيمي وقتل تسعة وعشرين مصلياً. مُنع حزب كاخ من خوض انتخابات 1988 بسبب عنصريته ثم حُظر مع “كاهانا حي” وصُنفا تنظيمين إرهابيين بعد المجزرة، لكن إسرائيل حظرت التنظيم وأبقت الفكرة حرة في المجال العام. جاءت رصاصة يغئال عمير التي قتلت إسحق رابين لتمنحها أول حق نقض مسلح على قرار الدولة، قبل أن تتعلم أن دخول الحكومة أكثر فاعلية من اغتيال رئيسها.
ساعد الإسلام السياسي المسلح على إتمام التحول. فقد قدمت عمليات حماس لليمين الديني دليله بأن كل انسحاب يجلب الإرهاب، وقدم الاستيطان وتقويض أوسلو لحماس دليلاً بأن إسرائيل لا تفهم إلا القوة. صنع كل طرف من جرائم الآخر حجة ضد المعتدلين، فيما احتفظت إسرائيل من أوسلو بالسلطة التي تدير السكان وأسقطت عنه الطبيعة الانتقالية ومفهوم الدولة وهي جوهر الاتفاق التي كان يفترض أن ينهي الاحتلال.
من البؤرة إلى الدولة
انتقلت الكاهانية مع بن غفير من الهامش المحظور إلى قلب الشرطة والسياسة، فيما حول سموتريتش المشروع “المسياني” النظري الى خطة ممنهجة في الإدارة والميزانية وفي ترتيبات تشكل ضماً فعلياً وتدريجياً لأراضي الضفة وطرد سكانها من منطقة الى أخرى إلى أن يتم حشرهم في بقعة قد لا تتجاوز مساحة غزة تمهيداً لتطبيق الحلول الجذرية عليهم.
ليس تفصيلاً عابراً في هذا السياق تحذير محافظ سلطة النقد الفلسطينية يحيى الشنار من وقف علاقات المراسلة بين البنوك الإسرائيلية والمصارف الفلسطينية. فهذه القنوات تعالج معاملات بنحو واحد وخمسين مليار شيكل سنوياً ويمر عبر إسرائيل نحو تسعين في المئة من التجارة الفلسطينية. قطعها سيعطل استيراد الغذاء والوقود والدواء والخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وغاز، ويشل قدرة السلطة على دفع الرواتب وإدارة الاقتصاد، ويدفع المعاملات نحو النقد والقنوات غير المنظمة بما يهدد إسرائيل نفسها بمخاطر اقتصادية وأمنية أكبر، للمفارقة!
لا تشكل أحداث قرية “تل” وما تلاها من إحراق لمساجد وقتل من المسافة صفر لمدنيين فلسطينيين عزل استثناء إنما هي القاعدة التي باتت تطبق بشكل يومي على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي لا يجد كثير منها طريقه إلى عناوين الأخبار المزدحمة بالنووي والباليستي وهرمز، كما سيتحول نموذج تطهير مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم الى منهج تطبيقي على باقي المخيمات كما أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس.
أقرت الحكومة الإسرائيلية الحالية ضمن خطط الهندسة الديمغرافية الممنهجة أكثر من 103 مستوطنات أو بؤر جرى الاعتراف بها بحسب تقرير مطول لصحيفة يديعوت أحرونوت. فتوسع المزارع الاستيطانية هو وسيلة منخفضة الكلفة للسيطرة على مساحات شاسعة عبر طرد التجمعات الفلسطينية على يد المستوطنين العقائديين المسلحين وربط البؤر الاستيطانية ببعضها بما يرسخ الضم الفعلي ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً. وقد باتت هذه المزارع تسيطر على نحو مليون دونم في حين لا تتجاوز المساحة العمرانية لجميع المستوطنات والمدن الاستيطانية مجتمعة تحو 200 ألف دونم.
يتنقل الفلسطيني بين رام الله ونابلس فلا يعرف دائماً من يوقفه على الحواجز، هل هو جندي نظامي، مستوطن يخدم في الاحتياط، عضو في فرقة حراسة مستوطنة، أم مدني يحمل بندقية عسكرية ويرتدي جزءاً من الزي العسكري؟! وثقت منظمة “يش دين” الإسرائيلية تعمد السلطات طمس الحدود بين المستوطن والقوة العسكرية، كما وثقت عشرات الشكاوى عن سرقة أموال ومقتنيات خلال التفتيش على الحواجز والاقتحامات. تتيح هذه المنطقة الرمادية للمعتدي أن يختبئ بين الصفتين، ولكل مؤسسة أن تتنصل من محاسبته. لهذا، خاطبت حركة “قادة من أجل أمن إسرائيل”، التي تضم قرابة ستمائة من كبار القادة السابقين في الجيش والموساد والشاباك والشرطة والسلك الدبلوماسي، الرئيس دونالد ترامب عشية زيارة نتنياهو محذرة من أن تصاعد “الإرهاب اليهودي” بالتوازي مع إضعاف السلطة يرفع احتمالات انفجار واسع في الضفة.
متى يحين الدور؟
فرضت الولايات المتحدة عام 2024 عقوبات على “شبان التلال” ووصفتهم بمجموعة متطرفة عنيفة تهاجم الفلسطينيين وتدمر منازلهم، ثم ألغى ترامب، فور عودته الى البيت الأبيض، الأمر التنفيذي الذي قامت عليه العقوبات ومسح الأسماء المدرجة بموجبه. في المقابل، فرضت بريطانيا وشركاؤها عقوبات على بن غفير وسموتريتش بسبب التحريض على العنف، ووسع الاتحاد الأوروبي في أيار الماضي إجراءاته لتشمل “نحالا” و”أمانا” و”ريغافيم” و”هاشومير يوش” لدورها في إنشاء البؤر وتمويلها ودعم التهجير. هذه خطوات مهمة، لكنها تبقى دون الاعتراف بطبيعة التيار ومواجهته كمنظومة.
إذا كانت واشنطن جادة في مراجعة علاقتها بالفلسطينيين وإخضاع التزامها الأعمى بأمن إسرائيل للمساءلة، وإذا كانت الدول المعترفة بفلسطين تريد رؤيتها واقعاً سياسياً وجغرافياً يوماً ما، فالبداية هي الاعتراف باليهودية السياسية المسلحة تياراً وليس فقط مجموعة أفراد له عقيدته وقادته وتمويله وأذرعه، ثم تصنيف الشبكات التي تمارس القتل والحرق والتهجير بأنها إرهابية، وتجميد أصول مموليها وتجريم التبرعات لها، واشتراط التعاون الأمني بوقف تسليح المستوطنين.
لا تكفي مقاطعة بضائع المستوطنات، بل لا بد من تجفيف منابع الفكر “المسياني” الذي لم يجد من يلجمه حتى الآن. ولا يكفي دعم خصوم هذا التيار، كما لم يكف دعم خصوم الإسلام السياسي المسلح لمحاربته. المطلوب حرب فكرية ومالية وسياسية تنزع عنه الشرعية وتجفف مصادر قوته وتكبد إسرائيل أثماناً كبرى لا تقتصر على الإدانة السياسية قبل أن ينجح في إنتاج الانفجار الذي ينتظره. السابع من أكتوبر المقبل لن يكون مفاجأة، إنما نتيجة تصنعها حكومة تعرف ما تفعل، وتيار عقائدي مسلح يهيئ الذريعة التي يحتاج إليها كي يكمل إبادة ما تبقى من فلسطين والفلسطينيين.
