1- يُعَدّ موضوعُ الإصلاح الديني من بين الموضوعات الأكثر أهمية في الحاضر العربي. وقد ازدادت أهميته بحكم الصور الجديدة لأنماط التوظيف التي أصبحت تمارسها اليوم الثقافة الدينية المحافظة في فضاءات التواصل الاجتماعي؛ فقد امتلأت هذه الفضاءات بشبكات تتوخى تعميم ثقافة دينية لا علاقة بينها وبين متطلبات التفاعل النقدي مع أسئلة وتحولات مجتمعنا في التاريخ. ولأننا نتصور أن روح الإسلام تقتضي منا العناية بمبادئه الكبرى في ضوء مصالح المجتمع وثورات المعرفة، بالصورة التي تساعدنا في عملية تجاوز الأحكام والتصورات المرتبطة بالمنظور الموروث عن أزمنة العصور الوسطى، وهو منظور يحضر في مختلف تجليات الفكر الإسلامي، حيث يعكس منتوج هذا الفكر صيرورة ارتباطه بأسئلة ومناهج زمانه.
نتوخى من مشروع قراءة نمط الإصلاح الديني، كما أُنجز في فكرنا المعاصر، المساهمة في فهم رسالة الإسلام في ضوء المكاسب الجديدة للمعرفة المعاصرة؛ ذلك أن التراث الإسلامي في الفقه والكلام والفلسفة والأخلاق والتصوف يعدّ محصلة للمناهج والأدوات المعرفية التي استُخدمت في عمليات إنتاجه، الأمر الذي يكشف جوانب من حدوده ومحدوديته. ويستدعي في الآن نفسه قراءات جديدة تتيح إمكانية بناء آفاق أخرى في الفهم، وفي النظر إلى الإسلام وإلى رسالته.
وإذا كنا نسلّم بأن البعد الروحي في حياتنا يشكّل جزءًا من حياتنا الحميمية ومشاعرنا الخاصة، فإن التلاعب به وبقيمه بواسطة مقتضيات آليات التوظيف المذكورة يُفجّر معارك كنا نعتقد أن مجتمعنا تجاوزها، وها نحن نتبين اليوم أننا لم نفكر فيها بعد بالصورة التي تمكّننا من بناء نقط ارتكاز وقناعات فكرية واضحة في موضوعها. إن الصور الجديدة لتوظيف الإسلام ومبادئه السامية في حياتنا السياسية، وصور الخلط التي نعاينها اليوم في مشهدنا السياسي بين لغة التعاقد والتاريخ والنصوص الدينية، تضعنا أمام إشكالات يمكن التصدي لها برفع راية العقل والتاريخ والمصلحة.
تخطّت صور توظيف الرؤية المحافظة للدين عتبات مجتمعنا واتجهت لاكتساح عوالمنا الافتراضية، منجزةً هيمنة غير مسبوقة على مجتمعاتنا وعلى متخيّلنا. ومكّنتها الفتوحات التقنية في عالم التواصل الرقمي من إبداع آليات تسمح بنشر وتعميم مواقف وتصورات لا علاقة لها بالمشترك التاريخي الإنساني. فأصبحنا أمام شبكات تخترق الأمكنة وتستقطب التابعين من كل القارات، الأمر الذي أصبح يستدعي مجموعة من المواقف في موضوع الإصلاح الديني تم السكوت عنها فيما سبق بمبررات عديدة اتضح اليوم أنها واهية. صحيح أن تنامي حركات وأشكال التعبير الديني في العالم المعاصر يؤشر على تجدد الوعي بدور الروحانيات في المجتمعات البشرية، وذلك بناء على نظرة جديدة للدين وللحياة، نظرة تروم توسيع مساحة تحرير الدين من هيمنة الدولة والأحزاب والحركات الإسلامية، وكل المحتكرين للرأسمال الرمزي للمقدس.
لا يتعلق أمر توظيف الدين في الحاضر بالمجتمعات العربية وحدها، ذلك أن المنافسة بين المستثمرين في الحقل الديني في أفريقيا قوية، وهي منافسة بين الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والإسلام الوهابي والطرق الصوفية، وهي تكشف تحول الولاءات الدينية كما تكشف مرونتها. ولعلها تكشف في العمق أيضًا هشاشتها وصلاتها القوية بالتطلعات المادية والرمزية للأفراد والجماعات، أي إلى كل ما يساهم في لحم الوجود الفردي والعلائق الجمعية، وهي تدعونا في العمق إلى مواصلة التفكير في كيفيات تحرير الدين.
نتصور أن مقتضيات النجاعة التاريخية في باب الإصلاح الديني تستدعي أمرين اثنين: أولهما يتمثل في ضرورة تمثل واستيعاب دروس التاريخ في هذا المجال، وهي دروس تفيدنا في باب بناء طريق يخصنا في مواجهة أسئلة الإصلاح الديني في ضوء معطيات وسياقات تاريخنا المحلي والخاص، وتاريخ حضور الإسلام في حياتنا وداخل مجتمعنا. أما الأمر الثاني فيرتبط باستيعاب المستجدات والمكاسب الفكرية والتاريخية الجديدة التي تنتمي إلى دوائر الفكر الحديث والمعاصر، ففيها من الأدوات والوسائل ما يسعف بابتكار الآليات المناسبة لموضوع معقد.
نفترض أن نموذج الإصلاح الديني كما تبلور في التجربة التاريخية الغربية قد يكون مفيدًا ومحفزًا، بحكم وجود كثير من العناصر المشتركة، بل والمتشابهة، في تشكل المعتقدات الدينية وفي أنماط التطور التي عرفتها في التاريخ. إلا أن هذا الأمر لا يعفينا من بناء وتجريب مقاربات أخرى في كيفيات مواجهة سقف العقائد الدينية، ومواجهة صور التوظيف التي تُحوّل المعطى الديني إلى أداة للفعل السياسي. صحيح أننا نتوخى من مشروع الإصلاح الديني بلوغ أهداف يمكن أن تساهم في تحرير الدين، إلا أن سياقات العقائد في التاريخ تنسج معطيات مختلفة أحيانًا، ولهذا سنعتمد جملة من المداخل المركبة قصد مجابهة تاريخ معقد وحاضر مليء بالصراع.
2 – عندما استحضرنا في عنوان هذا المقال اسم كلٍّ من الشيخ محمد عبده والأستاذ عبد الله العروي، كنا نروم من وراء ذلك رسم أفقين في التوجه العام الذي عرفته وتعرفه حركة الإصلاح الديني والثقافي في فكرنا المعاصر. وساعدنا في ذلك موقف العروي من الشيخ محمد عبده، الذي حضر في كتابه الأول “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” (1967) باعتباره ممثلًا للتيار السلفي في فكر النهضة العربية. كما استحضره بعد ذلك في كتابه “مفهوم العقل: مقالة في المفارقات” (1996)، معتبرًا أن منجزه السلفي يُعدّ بمثابة سقف للخيار التوفيقي في الفكر العربي المعاصر. وضعنا اسم الشيخ في هذه المقالة مقابل اسم المفكر الذي لا يتردد في الحديث عن الإصلاح والثورة والتغيير، وسنتوقف أمام أمثلة أخرى ترتبط بخيارات الاسمين من أجل توضيح التطور الذي عرفه الإصلاح الديني في الفكر العربي المعاصر.
تبلورت الإرهاصات الأولى لمشروع الإصلاح الديني في فكرنا المعاصر في صيغها الأولى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حيث تمكن بعض النهضويين من التعبير عن جملة من المواقف والخيارات التي ساهمت في توضيح جوانب من الإشكالات المرتبطة بموضوع التجديد الديني. إلا أن هدف مثقفي النهضة، وإن كان يقترب من عتبات ومدارج الإصلاح الديني، فإنه كان يتوخى أولًا وقبل كل شيء مرمى المواءمة بين قيم الإسلام وقيم الأزمنة الحديثة والمعاصرة، المرادف المكافئ لعبارات بعث الإسلام وإحيائه، كما وردت في كتابات السلفيين.
نقرأ الملامح الكبرى في موضوع التجديد الديني في مشروع الحركة السلفية، كما عبّرت عنها أعمال كلٍّ من جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849–1905)، وهي أعمال تتوخّى في مجملها بناء خطوات في باب إيجاد جسور لوصل الإسلام بمتطلبات الحياة المعاصرة. فقد قاربا معًا في بعض أعمالهما جوانب معينة في موضوع علاقة الإسلام بالعلم، وعلاقة الإسلام بالدولة وبالسياسة، واندرج مشروعهما السلفي في سياق التفكير في علاقة الإسلام بالنهضة والتقدم والحرية. ويجسّد الشيخ محمد عبده في نظر العروي الإشكالات التي تطرحها اليوم العناية بالإسلام في الراهن العربي. وما نلاحظه اليوم في ثقافتنا من رجوع إلى الدفاع عن معقولية التراث في مقابل دهرية الغرب يمثل انكفاءً وتراجعًا. وضمن هذا الأفق تبرز في نظر العروي مفارقة محمد عبده، المتمثلة في كونه لم يتمكن من إدراك المسافة المعرفية والتاريخية الفاصلة بين العقل التراثي وعقلانية الحداثة كما تبلورت في الفكر الحديث والمعاصر.
| أعمال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده تتوخّى في مجملها بناء خطوات في باب إيجاد جسور لوصل الإسلام بمتطلبات الحياة المعاصرة |
لامس مجموع الأثر الذي بلوره الخيار السلفي جوانب من موضوع الإصلاح الديني، ويمكن أن نذكر هنا للتمثيل فقط نص رسالة الأفغاني في “الرد على الدهريين“، ونص محمد عبده “الإسلام بين العلم والمدنية“. إلا أن جهودهما في الأعمال التي ذكرنا لم تتمكن من الدفع بموضوع الإصلاح الديني إلى حدوده المطلوبة، من أجل بناء مشروع في التنوير يقضي بتعيين مكانة الدين وحدوده في المجتمع، خاصة وأن المجتمعات العربية الإسلامية كانت قد انخرطت في سجل من الإصلاحات الهادفة إلى التكيف مع معطيات الأزمنة الحديثة في مجال القانون والدولة والتربية والمجتمع.
لم يتجاوز الإصلاح الديني في أعمالهما الخطوة المتعلقة بنوع من المواءمة بين مقتضيات الحاضر في تنوعها ومبادئ الإسلام في عموميتها. وفي الفتاوى التي أصدرها محمد عبده علامات دالة على حدود هذه المواءمة، وهي خطوة لا أحد يمكن أن ينكر قيمتها في الزمن الذي تبلورت فيه، في باب الدعوة إلى إنجاز التوافق الضروري بين القيم الدينية وعالم ما يفتأ يتغير. إلا أننا نرى أن موضوع الإصلاح الديني يُعدّ أكبر من المواءمة المذكورة، وذلك رغم الجرأة التي تضمنتها بعض فتاوى محمد عبده مقارنة مع ما كان سائدًا في زمنه. ولعلنا لا نبالغ عندما نشير إلى أن بعض فتاواه تتجاوز كثيرًا من الأحكام والفتاوى التي تصدر اليوم في سياق زمني ومجتمعي مختلف كليًا عن الظرفية التي كانت تؤطر مسعاه الفكري نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ساهمت جهود فرح أنطون في سجالاته مع محمد عبده على صفحات كلٍّ من مجلة “الجامعة” وجريدة “المنار” في العناية بجوانب أخرى في موضوع الإصلاح الديني. وسمح اقترابهما من موضوع الاضطهاد في المسيحية والإسلام بالاقتراب من قضايا ترتبط بتاريخ كلٍّ منهما. كما ساهمت جهود علي عبد الرازق (1888–1966م) بدورها في خلخلة بعض القناعات في موضوع علاقة الدين بالدولة، وشكّل مصنّفه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” (1925) ما نعتقد أنه دعوة واضحة إلى فصل الخلافة عن الدين، وفصل قواعد السياسة عن مبادئ وقيم العقيدة. إلا أن جهوده لم تتواصل، بل إن المحاكمة التي تعرّض لها، والردود التي كُتبت ضد مصنّفه بهدف الاعتراض على مواقفه وآرائه، تدل على استمرار هيمنة قناعات وخيارات معادية للإصلاح في الفضاء الثقافي العربي.
اقتربت محاولات أخرى لبعض النهضويين العرب من مشروع الإصلاح الديني بطريقة غير مباشرة، وشكّلت نصوصهم علامات في دروب الإصلاح الديني. نشير هنا على سبيل التمثيل إلى بعض مؤلفات طه حسين (1889–1973) المتعلقة بقراءته في تاريخ الشعر الجاهلي (1925)، وموقفه من التعليم واللغة والحضارة الغربية بالصورة التي وردت بها في مصنّفه “مستقبل الثقافة في مصر” (1938). كما نشير إلى بعض أعمال سلامة موسى (1887–1958) المرتبطة بموضوع دفاعه عن التنوير، ودفاعه عن مكاسب العلم والمعرفة؛ فقد ساهمت مختلف هذه الجهود في عمليات التمهيد لمشروع الإصلاح الديني.
***
سنتابع في الجزء الثاني من هذه المقالة الأوجه الجديدة التي يتمظهر بها موضوع الإصلاح الديني في الفكر العربي المعاصر. وسنقف أساسًا أمام جهود عبد الله العروي، من دون إغفال مواقف ونصوص مجايليه من المفكرين العرب، وجهود أصحاب مشروع نقد العقل العربي، ومنهم محمد أركون ومحمد عابد الجابري، وجهود هشام جعيط صاحب ثلاثية “الوحي والقرآن والنبوة” و”أزمة الثقافة الإسلامية” (2000)، وكذا جهود جورج قرم… الأمر الذي يجعلنا نقف على الأسئلة الجديدة التي ما زال يطرحها موضوع الإصلاح الديني في ثقافتنا.