قضية المفقودين والمختفين قسراً في سوريا هي، في معناها العميق، الاختبار الأخلاقي الأول للعدالة الانتقالية ولملفاتها الكثيرة. فمن الطريقة التي ستتعامل بها سوريا مع هذا الملف يُمكِن أن نتوقع أي نوع من الانتقال يمكننا تخيله لهذا البلد. انتقال يريد إغلاق الماضي بسرعة، أم انتقال يملك الشجاعة لفتح أكثر أسئلته إيلاماً.

في الأدبيات العامة، تُعرَّف العدالة الانتقالية عادة بوصفها مجموعة الآليات للتعامل مع إرث الانتهاكات الجسيمة والتي تعتمدها المجتمعات الخارجة من الاستبداد أو النزاع أو العنف الواسع. وتشمل هذه الآليات المحاسبة الجنائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، وضمانات عدم التكرار.

لكن هذا التعريف، رغم أهميته، يبقى ناقصاً إذا تُرك في مستواه القانوني. فالعدالة الانتقالية ليست محكمة فقط، ولا لجنة حقيقة فقط، ولا برنامج تعويضات فقط. هي، قبل ذلك كله، سؤال سياسي وأخلاقي حول معنى العيش المشترك بعد العنف.

وفي حالتنا السورية، يُصبِح هذا السؤال أكثر إلحاحاً وتعقيداً. فالعنف لم يكن محصوراً في لحظة واحدة، ولا في مؤسسة واحدة، ولا في منطقة جغرافية واحدة. هو عنف ممتد تاريخياً، لكنه انفجر بصورة غير مسبوقة بعد عام 2011 ولامس مراكز الاحتجاز، والحواجز، والعمليات العسكرية، والحصار، والتهجير، ومصادرة الأملاك، وفقدان الوثائق، وتفكّك الروابط الاجتماعية، والمنفى، والعلاقة اليومية بين الناس والدولة. لذلك، لا يمكننا اختزال العدالة الانتقالية السورية في مسار قانونيٍّ محضٍ. فهي أيضاً محاولة للتعامل مع الخوف، ومع انهيار الثقة، ومع ذاكرة اجتماعية مفتوحة، ومع عائلات لا تعرف، حتى اليوم، إن كان أحباؤها أحياءً أم أمواتاً.

لهذا، قد لا تبدأ العدالة في سوريا من السؤال الكبير حول من سيُحاكم أولاً. بالنسبة لعائلات كثيرة، تبدأ العدالة من سؤال أكثر بساطة وأكثر قسوة: أين ابني؟ أين ابنتي؟ أين زوجي؟ أين أبي؟ ماذا حدث لهم؟ ومن يعرف؟ 

الاختفاء القسري ليس مجرد شكل من أشكال الاعتقال غير القانوني. إنه نظام لإنتاج الغياب. فمن الناحية القانونية، يقوم الاختفاء القسري على حرمان شخص من حريته من قبل الدولة أو من يعملون بإذنها أو دعمها أو موافقتها، ثم رفض الاعتراف بهذا الحرمان أو إخفاء مصير الشخص ومكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون. لكن التعريف القانوني، رغم ضرورته، لا يكفي لفهم ما يفعله الاختفاء بالعائلة.

فالاختفاء يخلق زمناً خاصاً، لا هو زمن حياة ولا زمن موت. العائلة لا تعرف هل تنتظر أم ترثي. لا تعرف هل تُحافِظ على الأمل أم تُعلِن الحداد. لا تستطيع أن تدفن، ولا أن تطوي الصفحة، ولا أن تُمارِس حياتها بصورة طبيعية. الزوجة قد تبقى معلَّقة قانونياً واجتماعياً. الأطفال يكبرون في ظلِّ سؤال لا جواب له. الأم لا تجد قبراً تزوره، ولا وثيقة تُصدِقها، ولا اعترافاً يُخفِّف وحشة الانتظار. هكذا يصبح الاختفاء انتهاكاً مستمراً، يبدأ بلحظة الاعتقال ويتجدد كل يوم تُحرم فيه العائلة من معرفة الحقيقة.

في سوريا، لم يكن الاختفاء القسري مجرد نتيجة جانبية للعنف، إنما كان، في حالاته الكثيرة، أداة حكم وسيطرة. الرسالة لم تكن موجهة إلى الشخص المختفي وحده، بل إلى عائلته ومحيطه: السؤال خطر، والبحث خطر، والحداد العلني خطر، والمطالبة بالحقيقة قد تكون هي الأخرى سبباً لعقاب جديد. لذلك عاشت عائلات كثيرة سنوات طويلة في الصمت أو في نصف صمت. دفعت أموالاً لسماسرة ووسطاء. طاردت وعوداً كاذبة. بحثت في السجون والفروع والمشافي العسكرية والسجلات. نظرت إلى صور قيصر بخوف وأمل معاً. خوف من التعرّف إلى وجه أحد الأحبة وأمل في أن تنتهي سنوات الغياب بأي جواب، مهما كان قاسياً.

بعض العائلات عرفت بوفاة أحبائها من خلال تحديثات في السجل المدني، من دون جثمان أو شهادة وفاة، ومن دون سبب، ومن دون اسم مسؤول، ومن دون محاسبة. حتى الموت، حين يصل بهذه الطريقة، لا ينهي الاختفاء. هو يحوّله إلى إهانة إضافية، إقرار إداري بغياب شخص، من دون اعتراف بالجريمة التي جعلته يغيب.

الأرقام في سوريا كبيرة إلى درجة قد تجعلها عصية على التخيل. تتحدث مؤسسات دولية ومنظمات حقوقية عن عشرات الآلاف، بل عن أكثر من مئة ألف مفقودٍ ومختفٍ في سياق النزاع السوري. لكن الأرقام، رغم أهميتها السياسية والقانونية، قادرة أحياناً على حجب المعنى الإنساني. خلف كل رقم عائلة أُعيد ترتيب حياتها حول الغياب. خلف كل اسم مفقود زمن منزوع من حياة آخرين. وخلف كل حالة اختفاء مجتمع صغير تعلم الخوف، أو الصمت، أو الانتظار الطويل.

من أكثر الأسئلة حساسية في الحالة السورية: هل ينبغي التعامل مع ملف المفقودين بوصفه ملفاً إنسانياً في المقام الأول، أم بوصفه ملف عدالة ومحاسبة؟ برأيي، هو الملفان معاً، لكن الخطر يكمن في فصل أحدهما عن الآخر.

بالنسبة للعائلات، المطالب الأولى شديدة المباشرة: نريد أن نعرف إن كانوا أحياءً أم أمواتاً. نريد الوصول إلى المعلومات. نريد حماية السجلات ومواقع الدفن والمقابر الجماعية. نريد وقف التلاعب والابتزاز. نريد دعماً نفسياً وقانونياً واقتصادياً. نريد أن نُعامل كأصحاب حق، لا كمتلقين للشفقة. هذه احتياجات إنسانية عاجلة، ولا يجوز تعليقها إلى حين اكتمال محاكمات قد تستغرق سنوات طويلة، أو إلى حين نضوج توافقات سياسية أو دولية قد لا تأتي قريباً.

لكن حصر الملف في بُعده الإنساني وحده يحمل خطراً آخر. فالاختفاء القسري ليس كارثة طبيعية، ليس زلزالاً، ولا فيضاناً. هو، في كثير من الحالات، نتيجة سياسات وبنى أمنية وسلاسل قيادة وأوامر وأنظمة إفلات من العقاب. لذلك، لا يجوز للبحث الإنساني عن المفقودين أن يمحوَ سؤال المسؤولية. وفي المقابل، لا يجوز لمسارات المحاسبة أن تختزل العائلات إلى مصادر أدلة أو شهود محتملين في قضايا جنائية.

هنا تحديداً تظهر أهمية العدالة الانتقالية كإطار يربط بين مستويات مختلفة من الحق. فملف المفقودين يحتاج إلى كشف الحقيقة، لكنه يحتاج أيضاً إلى محاسبة. يحتاج إلى جبر ضرر، لكنه يحتاج أيضاً إلى إصلاح مؤسسات. يحتاج إلى عمل جنائي وطب شرعي، لكنه يحتاج كذلك إلى اعتراف اجتماعي. يحتاج إلى إجابات قانونية، لكنه يحتاج قبل ذلك وبعده إلى كرامة.

من أهم ما حدث في المشهد السوري خلال السنوات الماضية أن عائلات المفقودين والمختفين قسراً لم تنتظر انتقالاً سياسياً كاملاً كي تبدأ بالمطالبة بالعدالة. وكذلك لم تنتظر أن يمنحها أحد شرعية الكلام. روابط العائلات والناجون والناجيات ومنظمات المجتمع المدني السوري فرضوا ملف المعتقلين والمختفين على جدول العدالة الدولي، وحافظوا عليه في المجال العام رغم الإرهاق والخوف والتشتت والمنفى.

لقد قامت منظمات حقوقية سورية، طوال سنوات، بتوثيق الانتهاكات، ودعم الناجين، وبناء الأرشيفات، وتقديم الملفات إلى الآليات الدولية، والمساهمة في قضايا الولاية القضائية العالمية، والمناصرة من أجل الاعتراف بحقوق الضحايا. غير أن الدور الأكثر دلالة كان دور روابط العائلات. هذه الروابط كسرت الصورة التقليدية التي تحصر العائلة في موقع الضحية الصامتة. قالت إن ملف المفقودين يجب أن يُصاغ مع العائلات، لا باسمها فقط. وإن العائلة ليست موضوعاً للمواساة، بل طرفاً سياسياً وأخلاقياً في تحديد معنى الحقيقة.

هذا التحول بالغ الأهمية، لأن مسارات العدالة الانتقالية كثيراً ما تفشل عندما تصبح نخبوية أكثر من اللازم. حين يتحدث الخبراء، والدبلوماسيون، والقانونيون، والمؤسسات باسم الضحايا، بينما يبقى الضحايا أنفسهم خارج دائرة القرار.

في سابقة دولية، ساهمت مناصرة العائلات في الدفع باتجاه إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في حزيران (يونيو) 2023. أهمية هذه المؤسسة لا تكمن فقط في كونها آلية دولية جديدة، بل في أنها جاءت استجابة لمطالب عائلات المفقودين، وبولاية تُركّز على توضيح مصير وأماكن وجود جميع المفقودين في سوريا، وتقديم الدعم المناسب للضحايا والناجين وعائلات المفقودين.

إذا كانت سوريا اليوم تدخل مرحلة جديدة من التفكير في العدالة الانتقالية، فإن ملف المفقودين يجب ألا يُترك في الهامش، أو يُؤجَّل بذريعة التعقيد والكلفة وانعدام الخبرات. على العكس، ربما يكون هذا الملف من أكثر المداخل قدرة على اختبار جدية أي مسار وطني للعدالة.

هنالك الكثير من التحديات التي تبدأ من انعدام الثقة بمؤسسات لم تكن – في تجربتها – محايدة أو حامية. إلى نطاق العدالة وفيما إذا كانت ستُبنى حول انتهاكات النظام السابق وحده أم ستتعامل أيضاً مع انتهاكات ارتكبتها أطراف أخرى، (هذا سؤال لا يمكن تفاديه أو تأجيله). إلى تحدي الترتيب الزمني. ففي هذه العملية، يسأل الناس كثيراً: ما الذي يأتي أولاً؟ الحقيقة أم المحاسبة؟ جبر الضرر أم إصلاح المؤسسات؟ في الواقع، لا تسير هذه المسارات بخط مستقيم. بعضها يجب أن يبدأ فوراً، وبعضها يحتاج إلى وقت. في ملف المفقودين، هناك إجراءات لا تحتمل الانتظار، كحماية المقابر الجماعية ومواقع الدفن وحفظ الوثائق ومنع تدمير السجلات وبناء قواعد بيانات موثوقة ووضع بروتوكولات للتواصل مع العائلات وتوفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي.

وكذلك تحدي «المركزية». فلا يمكن تصميم العدالة الانتقالية السورية من العاصمة فقط؛ فالعنف الذي عاشته المجتمعات بطرق مختلفة – من اعتقال واختفاء وحصار وتهجير وفقدان ملكية وخوف طائفي وعنف قائم على النوع الاجتماعي وديناميات الانتقام – كلها لها وجوه محلية. يحتاج ملف المفقودين إلى مقاربة وطنية، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى إنصات محلي عميق يحترم اختلاف التجارب والمخاوف والتوقعات.

وأخيراً، هناك التحدي الأخلاقي. لقد قُوبِلت عائلات كثيرة، طوال السنوات الماضية، بسلسلة طويلة من المقابلات والشهادات والطلبات. صحفيون ومنظمات وقانونيون وباحثون وآليات دولية، جميعهم طلبوا القصص. في أحيان كثيرة، روى الناس الألم نفسه مرات ومرات. لذلك، ينبغي لأيِّ مسار جديد أن يسأل بصدق: هل نستخرج الشهادات مرة أخرى؟ أم نبني علاقة تعيد شيئاً إلى أصحابها؟ هل نطلب من العائلات أن تتكلم لأننا نحتاج إلى كلامها، أم لأن الكلام سيمنحها حقاً أو حماية أو معرفة أو اعترافاً؟

كثيرة هي المصطلحات التي تتكرر في خطاب العدالة اليوم: عدالة متمرّكزة حول الضحايا، مقاربة حسّاسة للنوع الاجتماعي، نهج مستند إلى عدم إلحاق الضرر، مشاركة ذات معنى. المشكلة ليست في هذه المصطلحات، فهي ضرورية وملّحة ومهمة، إنما في سهولة تحولها إلى لغة بلا أثر.

في ملف المفقودين، لا تعني المقاربة المتمركزة حول العائلات أن تُدعى بعض العائلات إلى اجتماع تشاوري، أو أن تُذكر في مقدمة تقرير. تعني أن تشارك العائلات في تحديد الأولويات والإجراءات وطرق التواصل وأنظمة الدعم، وأن تعرف ما الذي تستطيع المؤسسات فعله وما لا تستطيع فعله. فالوضوح هنا شكل من أشكال الحماية؛ أمّا الأمل الكاذب فهو أذى جديد.

وتعني أن تُعامل العائلات كأصحاب حقوق متعددة لا كأصحاب مطلب واحد. فالحق في المعرفة لا ينفصل عن الحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، ولا عن الدعم القانوني، ولا عن الهشاشة الاقتصادية، ولا عن الاعتراف الاجتماعي. كثير من عائلات المفقودين لم تفقد شخصاً فقط، فقدت دخلاً وعلاقات عائلية واجتماعية وأماناً قانونياً وشبكة حماية وقدرة على التخطيط للحياة.

وتعني، أيضاً، عدم التمييز؛ فكل المفقودين مهمون بغض النظر عن الانتماء السياسي أو الجغرافيا أو الدين أو الإثنية أو النوع الاجتماعي، أو الجهة المسؤولة عن الاختفاء، إذ لا يمكن بناء حق عام في الحقيقة إذا بدأنا بتقسيم الألم إلى ألم شرعي وألم غير شرعي.

وتعني الكرامة؛ فالعائلات هي جزء من تعريف العدالة نفسه، وحين تُحتَرم وكالة العائلات لا يصبح حضورها رمزياً، بل يصبح معياراً لجدية العملية كلها.

كثيراً ما يُقال إن ملف المفقودين في سوريا من أصعب الملفات، وهذا صحيح، لكنه ليس سبباً لتأجيله، بل ربما يكون سبباً للبدء منه؛ لأن هذا الملف يضع الجميع أمام الأسئلة الأساسية التي تحاول السياسة غالباً الهروب منها: ما قيمة الحياة الإنسانية؟ من يملك الحقيقة؟ هل يُمكن لدولة جديدة أن تقوم فوق صمت الدولة القديمة؟ هل يمكن لمجتمع أن يتصالح مع نفسه بينما آلاف العائلات لا تزال معلّقة بين الغياب والانتظار؟

لا يمكن للعدالة الانتقالية في سوريا أن تنجح إلا إذا استطاعت أن تُصغي إلى التجربة السورية كما عاشها الناس. وستنجح إذا اعترفت بأن العائلات ليست على هامش العدالة، بل في قلبها.

المفقودون ليسوا غائبين عن سوريا؛ هم حاضرون في خوف أمهاتهم، وفي أسئلة أطفالهم، وفي صمت بيوتهم، وفي ذاكرة السجون، وفي السجلات التي يجب ألا تُتلف، وفي المقابر التي يجب ألا تُنبش، وفي كل خطاب سياسي يحاول القفز فوق الحقيقة باسم الاستقرار والسلم الأهلي.

ليست العدالة انتقاماً، وليست معرفة مصير المفقودين مطلباً خاصاً بعائلاتهم وحدها؛ إنها شرط لتأسيس علاقة جديدة بين السوريين والسوريات وبين الدولة، وبين المجتمع وذاكرته، وبين المستقبل والجرائم التي لا يجوز أن تُدفن بلا أسماء.

إذا لم تستطع سوريا أن تجيب عائلات المفقودين بجدية وشفافية وشجاعة، فإن أي كلام عن المصالحة أو الاستقرار أو التعافي الوطني سيبقى هشّاً وشكلياً. فلا مصالحة حقيقية فوق الغياب ولا انتقال عادل من دون حق العائلات وحقنا في أن نعرف.