
أمس، صدم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الجميع بإعلانه أنه يجري مفاوضات مع إيران. يبدو من غير المعقول أنه بعد قرابة شهر من حرب دموية مدمرة، شهدت اغتيالات يومية لشخصيات سياسية وعسكرية بارزة، وتدمير مدن بأكملها، أن يبدأ الإيرانيون بالتفاوض مع من يقود كل هذا. هذا، وكانت إيران قد أعلنت رسمياً رفضها القاطع، وهددت ترامب بحرب طويلة ستحوله إلى جثة سياسية هامدة.
علاوة على ذلك، أعلن ترامب فجأة يوم الثلاثاء أنه لا يجري مفاوضات مع طهران فحسب، بل يجريها مع الزعيم الفعلي الجديد لإيران المعجب به جداً، الذي يصفه بأنه شخص “محترم للغاية” يمكن التعامل معه. وبالنظر إلى نظام الحكم الإيراني الصارم والمعقد، فإن مثل هذا التصريح قد يدفن داخل إيران هذا “الزعيم الفعلي الجديد” الذي لم يُسمِّه ترامب. رسميًا، لا تزال إيران تعتمد نظام ولاية الفقيه، أي الحكم من قِبَل عالم دين وفقيه، يُعرف منذ عهد الإمام الخميني بإسم المرشد الأعلى. وهذا المرشد قد انتخب في الثامن من آذار/ مارس، وأصبح مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي الذي اغتيل، زعيمًا رسميًا للجمهورية الإسلامية. لم يظهر مجتبى علنًا خلال أسابيع الحرب، وكل ما يُعرف عنه أنه أُصيب بجروح خطيرة في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، بل حتى أنه دخل في غيبوبة. ولا تزال شائعات تتردد حتى اليوم بأنه نُقل جوًا إلى موسكو في عملية خاصة، حيث خضع لسلسلة من العمليات الجراحية واستعاد وعيه؛ وأنه لا يزال في غيبوبة، بل حتى أنه قد توفي.
آخر الشائعات المتداولة عنه تفيد بأنه توفي قبل نحو خمسة أيام بعد خضوعه لعدة عمليات جراحية، ذلكَ وفقاً لمصادر مقربة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA. حتى إنهم ذكروا اسم مستشفى رضوي في مشهد، حيث يُزعم أنه نُقل إليه متوفياً.
وسواء كان هذا صحيحاً أم مجرد عملية إعلامية خاصة من جانب إيران، من أجل كشف الخونة المحليين الذين سيصدقون ذلك ويبدأون في البحث عن اتصالات مع الأميركيين، يبقى الأمر غير معروف، ولكن في هذا الوقت تقريباً لوحظت زيادة كبيرة في نشاط الأسر المتناحرة في إيران.
ويوم الخميس الماضي، أجرى الرئيس بيزشكيان سلسلة من التعيينات في مناصب أمنية رئيسية، حيث عيّن وزيرًا جديدًا للإعلام ( وزارة المخابرات) ورئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي. وعلى الفور نشرت النبأ قناتا التلفزة المعارضة “مانوتو” Manotoالمعارضة و”إيران إنترناشونال”Iran International ، وحتى وسائل الإعلام الرسمية. إلا أنه في وقت متأخر من المساء، حُذفت المعلومات المتعلقة بهذه التعيينات من المواقع الإلكترونية الإيرانية. وبعد أيام قليلة، كان بيزشكيان يهنئ من مخبئه بحلول عيد النوروز. ويوم الثلاثاء الموافق 24 الجاري، ظهر تعيين شخص مختلف تمامًا، مرفقاً بإضافة مهمة: “بموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي”. وتم تعيين محمد باقر ذو الغادر، من النواة المحافظة للحرس الثوري الإيراني، مقرباً من خامنئي، وقريباً بالزواج من قائد سابق آخر للحرس الثوري، علي جعفري. وعلى الفور صب الإسرائيليون الزيت على النار بإعلانهم اسم الزعيم “الفعلي” في إيران الذي يتفاوض معه ترامب: رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ومن المثير للدهشة أن كلاهما هما الشخصيتان الأخيرتان من المعسكر السياسي لمجتبى خامنئي. ويبدو أن هذه التعيينات وتفويض مسار المفاوضات السرية مع الأميركيين إلى قالبياف يلمحان إلى أن خامنئي الابن على قيد الحياة ويسيطر على الوضع. ولكن لا يمكن استبعاد أن يكون أفراد جماعته قد بدأوا في ممارسة لعبتهم بعد وفاته.
من الواضح أن جناح الصقور في إيران يريد مواصلة الحرب. القائد العام السابق للحرس الثوري الجنرال محسن رضائي الذي تم تعيينه مستشاراً للمرشد الأعلى، قال بأنهم ينتظرون الأميركيين منذ فترة طويلة على أرضهم التي ستصبح فخ الموت بالنسبة لهم. أي أن العسكريين لا ينون الاستسلام، والتهديد الخارجي المعادي قد وحد المجتمع، وفجأة يطل من يدعو إيران للإستسلام وجولات أخرى من المفاوضات التي كانت بمثابة “ستار دخاني للحرب التي جرى الإعداد لها في كانون الثاني/يناير وشباط/ فبراير”؟!
رفض قاليباف علنًا تصريحات ترامب، وأكد عدم وجود أي مفاوضات مع العدو. ومع ذلك، تواصل وسائل الإعلام الأميركية تسريب تفاصيل جديدة، إذ يُزعم أن ويتكوف موجود بالفعل في إسلام آباد. وأعلن الإيرانيون أنهم يرفضون الاجتماع به، ولذلك يتوجه نائب الرئيس جيه. دي. فانس إلى هناك، ويقوم بدور الوسيط في اللقاء قائد الجيش الباكستاني عاصم منير.
أليس من الممكن أن يكون ترامب قد اختلق كل هذا من لاشيئ؟ يبدو من المرجح أن ترامب، وعلى طريقته المعهودة، قد كشف للعالم عن قناة التفاوض السرية التي تم افتتاحها حديثًا، الأمر الذي سيجبر الإيرانيين، الذين يكرهون استعراضية ترامب الدعائية، على إغلاقها.
لكن ترامب لم يتوقف عند هذا الحد، بل فاجأ الجميع أمس بتصريح صادم آخر على شاشات التلفزة، حين قال إن الإيرانيين قدموا “لنا” أمس هدية ضخمة وباهظة الثمن تتعلق بالنفط والغاز، “وكم هذا لطيف”، وأنه في غاية السرور من القادة الإيرانيين الجدد. “والهدية التي قدموها بالأمس، ينبغي استلامها اليوم”.
بالأمس، وقبل إعلان ترامب تعليق الحرب مع إيران وبدء المفاوضات بخمس عشرة دقيقة بالضبط، أبرم أحدهم صفقة نفطية ضخمة بقيمة 580 مليون دولار. نصف مليار دولار في خمس عشرة دقيقة.
لقد درس الإيرانيون ترامب جيداً، ولهذا السبب بالذات صرّح قاليباف أمس بأن ترامب يُمارس المضاربة في السوق ويحاول تهدئة السوق واستقرار أسعار النفط. لكن الوضع على الأرض يشير حتى الآن إلى عكس ذلك تمامًا، إذ أن الولايات المتحدة تستعد لعملية برية. وقد تم نشر عدة آلاف من جنود المشاة في الشرق الأوسط؛ وتتراوح التقديرات بين 3000 و8000 جندي. ويتم الكشف علناً عن العمل للإستيلاء على جزيرة خرج، وهي المحطة النفطية الرئيسية لإيران في جنوب البلاد.
يقول المستشار العسكري الجديد لمجتبى خامنئي، الجنرال محسن رضائي من الحرس الثوري: “تخطط الولايات المتحدة لاحتلال إيران، وتقسيم البلاد إلى خمسة أجزاء، والاستيلاء على محافظات بوشهر وخوزستان وإيلام الغنية بالنفط. ولن يسمح الحرس الثوري بتحقيق هذا السيناريو، حتى لو أدى ذلك إلى عواقب وخيمة وخسائر داخلية”.
باختصار، فإن الحرس الثوري، الذي سيطر سياسياً وعسكرياً على البلاد وقمع الفصائل الداخلية التي كانت مستعدة للاستسلام، مستعد لحرب طويلة الأمد، قد تكون بمثابة نهاية ترامب السياسية، مع خسارة الجمهوريين للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر وبدء التحضيرات لعزله.
وفي سياق عزم ترامب الجدي ومن خلفه إسرائيل على الحصول على النفط الإيراني والغاز (ولتنفيذ الخطة يحاولون من ثم تصفية الشخصيات السياسية داخل إيران باعتبارها غير ضرورية)، يصبح من الواضح لماذا يعرّضون بسهولة دول الخليج لضربات الصواريخ الإيرانية ويستخدمونها في الاستفزازات. وقد أدرك نتنياهو أنه لا أحد في أوروبا مستعد لدعمه في الحرب ضد إيران، والتي أثبتت حتى الآن أنها أكبر من طاقته، وهو يحاول بكل الطرق استفزاز الأنظمة الملكية العربية للمشاركة في الحرب إلى جانبه، معرضاً للتدمير ليس فقط بنيتها التحتية بأكملها، بل وتقسيم العالم الإسلامي.
قد يبدو من الخارج أن الولايات المتحدة تقوم مسبقاً بتصفية منافسيها الاستراتيجيين، وإذا لم يتيسر تنفيذ هذه الاستراتيجية، فإن النجاح التكتيكي ليس بالأمر القليل، إذ يتم القضاء على المنافسين في سوق تصدير الغاز الطبيعي المسال، وتزداد مشتريات الأسلحة الأميركية، وينهار اقتصاد الاتحاد الأوروبي: “ترامب يتاجر بالفوضى والخوف”.
على خلفية هذا كله، أنظر باهتمام إلى إسبانيا الصغيرة، التي أدانت علنًا مغامرة ترامب ونتنياهو المجنونة، ورفضت أن تتفهم المشاركة في هذه الحرب، وتترك بهدوء “مغانمها” تمر عبر عنق زجاجة مضيق هرمز، الذي لا يزال تحت سيطرة إيران.
سنرى قريباً ما قيمة هذه التصريحات الصاخبة بشأن السلام، وما إذا كان سيحدث أي شيء في إسلام آباد، أو ما إذا كانت هذه مجرد عملية تستر أخرى لمرحلة جديدة من الحرب، تزيد من تدمير الأسواق العالمية والتوازن الهش.
أمر واحد واضح: لا مكان هنا للتفاؤل.