اكرم حسين.. كاتب
ليست كل الظواهر السياسية قابلة للقياس بمعايير القوة العسكرية أو النفوذ الإداري أو حجم التمثيل الحزبي. فهناك تجارب تتجاوز حدود السياسة اليومية لتغدو جزءاً من الوعي الجمعي للشعوب، وتتحول مع مرور الزمن إلى رصيد معنوي ورمزي يؤثر في تشكيل الهوية الوطنية أكثر مما تؤثرالمؤسسات الرسمية أو موازين القوة. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى البارزانية بوصفها أحد أهم أشكال رأس المال الرمزي في التاريخ الكردي الحديث، لأنها ليست تجربة سياسية أو قيادة ارتبطت بمرحلة تاريخية محددة، وإنما رمزاً قومياً تراكمت حوله معاني النضال والاستمرارية والتضحية والثبات، حتى غدا حضورها يتجاوز حدود إقليم كردستان والعراق ليشمل مختلف أجزاء كردستان وأماكن وجود الشعب الكردي.
إن القيمة الحقيقية للبارزانية لا تكمن في ما حققته من مكاسب سياسية فقط، بل في قدرتها على إنتاج معنى تاريخي استمرعبرأجيال متعاقبة. فالرموز لا تُخلق بقرار سياسي، ولا تُصنع بالدعاية الإعلامية، وإنما تتشكّل عبر تفاعل طويل بين الفكرة والتضحية والإنجاز والذاكرة الجماعية. وكلما امتد الزمن، ازدادت شرعية هذه الرموز إذا بقيت وفية للمبادئ التي قامت عليها ،وبذلك استطاعت البارزانية أن تنتقل من كونها تجربة محلية إلى رمز قومي راسخ، راكم شرعيته عبر تاريخ طويل من المقاومة والدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكردي، حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من الوجدان الكردي.
ويمتد هذا الإرث التاريخي إلى بدايات القرن العشرين، حين قاد الشيخ أحمد البارزاني مقاومة مبكرة في مواجهة سياسات الإقصاء والهيمنة، قبل أن تتبلور الحركة التحررية الكردية بصورة أكثر تنظيماً واتساعاً مع الزعيم ملا مصطفى البارزاني، الذي استطاع أن ينقل القضية الكردية من إطارالانتفاضات المحلية المحدودة إلى مشروع وطني ذي أبعاد قومية ، ولم يكن إنجازه مقتصراً على إدارة الصراع السياسي والعسكري، بل تمثل أيضاً في إعادة بناء الوعي القومي الكردي، وربط النضال الوطني بفكرة الاستمرارية التاريخية، الأمر الذي منح البارزانية مكانتها الحقيقية في الذاكرة الجمعية للكرد.
في العلوم السياسية والاجتماعية يُقصد ب”رأس المال الرمزي” ذلك الرصيد المتراكم من الثقة والشرعية والاحترام والمصداقية، والذي لا يُقاس بالأرقام ولا بالمؤسسات، وإنما يعيش في ضمير الناس ووجدانهم. وهذا النوع من الرأسمال يعد من أكثر أشكال القوة استدامة، لأنه يستند إلى القبول الطوعي والإيمان المعنوي أكثر مما يستند إلى أدوات السلطة والإكراه. ولذلك، فإن البارزانية تمثّل نموذجاً واضحاً ل”رأس المال الرمزي” ، إذ يشعر الكردي، أينما كان، بأن هذا الإرث هو جزء من هويته الوطنية ومن ذاكرته الجماعية، بصرف النظر عن انتمائه الحزبي أو موقعه الجغرافي.
ولعل أحد أهم أسباب المكانة التي احتلتها البارزانية يتمثّل في قدرتها على ترسيخ فكرة وحدة القضية الكردية، رغم الانقسام السياسي والجغرافي الذي فرضته حدود الدول الأربع. فقد تعاملت مع القضية الكردية بوصفها قضية شعب واحد يتقاسم تاريخاً مشتركاً ومصيراً واحداً، وهذا التصور ليس عبارة عن خطاب سياسي أو شعار تعبوي، بل مواقف عملية واحتضان مستمر لمختلف القضايا الكردية، والإصرار على إبقاء البعد القومي حاضراً في مختلف المحطات التاريخية ، وبذلك تكتسب البارزانية بعدها الجامع، لأنها تخاطب الضمير القومي للكرد أكثر مما تخاطب الانتماءات المناطقية أو الحسابات الحزبية الضيقة.
ولا تقتصر أهمية البارزانية على بعدها الداخلي، بل تمتد إلى المجال الإقليمي والدولي. ففي عالم العلاقات الدولية، حيث تلعب الرمزية والمصداقية دوراً لا يقل أهمية عن موازين القوة، استطاعت أن تبني عبر عقود طويلة رصيداً سياسياً ومعنوياً جعل اسمها حاضراً في العواصم المؤثرة ومراكز القرار الدولية ، ولم يكن ذلك وليد ظرف عابر، وإنما نتيجة سياسة اتسمت بالواقعية، واحترام الالتزامات، والقدرة على بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية ، الأمر الذي انعكس إيجاباً على مجمل القضية الكردية، إذ أصبح للكرد عنوان سياسي يحظى بالاستماع والاحترام في كثير من المحافل الدولية، وهو مكسب استراتيجي لا يقتصر أثره على طرف سياسي بعينه، بل يضاف إلى الرصيد السياسي للأمة الكردية بأسرها.
لا يمكن الحديث عن البارزانية دون التوقف عند بعدها الأخلاقي، الذي لا يقل أهمية عن بعدها السياسي. فقد ارتبط اسمها في الوعي العام بقيم الوفاء، والصبر، والتضحية، والشجاعة، والثبات على المبدأ، والالتزام بالقضية القومية. وهذه المنظومة القيمية منحتها القدرة على الاستمرار في الذاكرة الكردية، لأن الرموز الوطنية الكبرى لا تستمد مكانتها من الانتصارات وحدها، وإنما من حفاظها على منظومة أخلاقية تمنحها الشرعية والاستمرار ، ولهذا بقي تأثير البارزانية حاضراً حتى لدى أجيال لم تعش معظم محطاتها التاريخية، لكنها ورثت صورتها بوصفها مدرسة في النضال والعمل الوطني.
غير أن الاعتراف بالمكانة الرمزية للبارزانية لا يعني التعامل معها بمنطق التقديس أو إخراجها من دائرة النقد. فكل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والتقييم، والنقد الموضوعي لا ينتقص من قيمة الرموز، بل يسهم في تطويرها وتجديدها. إن حماية رأس المال الرمزي للبارزانية تعني صون القيم التي قامت عليها، وتعزيز عناصر قوتها، وتصحيح ما قد يعتريها من أخطاء، بما يخدم المصلحة الوطنية الكردية العليا ويضمن استمرار حضورها الإيجابي في المستقبل.
ومن المهم التأكيد أن البارزانية، بوصفها رأس مالاً رمزياً، ليست ملكاً لعائلة أو حزب أو إقليم، وإنما هي جزء من الإرث المعنوي الذي صنعته تضحيات أجيال متعاقبة من أبناء الشعب الكردي. فالرموز الوطنية الكبرى لا تحتكرها القوى السياسية، وإنما تتحول مع الزمن إلى ملكية معنوية للأمة بأسرها، ويصبح الحفاظ عليها مسؤولية جماعية تتجاوز الحسابات الحزبية والمصالح الآنية. غير ان الاستثمار الحقيقي في هذا الرصيد لا يكون عبر الاحتفاء بالماضي، بل من خلال توظيفه لتعزيز الوحدة الكردية، وترسيخ ثقافة الحوار، وبناء المؤسسات الديمقراطية، وتطوير العلاقات الدولية، والدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، مع الحفاظ على تجربة إقليم كردستان باعتبارها أحد أبرز الإنجازات السياسية في التاريخ الكردي المعاصر.
لا تُبنى الامم بالقوة وحدها، بل بما تمتلكه من رموز قادرة على توحيد الذاكرة الجماعية، وإحياء الأمل، وربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل. والبارزانية، بما راكمته من تاريخها الطويل، وما حملته من معانٍ سياسية وأخلاقية وقومية، تمثّل أحد أبرز هذه الرموز في التاريخ الكردي الحديث. غير أن استمرارها في أداء هذا الدور التاريخي مرهون بقدرتها على تجديد رسالتها، والانفتاح على المتغيرات، والإبقاء على الإنسان الكردي وحقوقه وحريته وكرامته في صدارة مشروعها الوطني. فالرأسمال الرمزي، مهما بلغت قيمته، ليس إرثاً ثابتاً ، وإنما مسؤولية تاريخية تتجدد مع كل جيل، وتزداد قيمته بقدر ما يبقى وفياً للمبادئ التي صنعت مجده، وقادراً في الوقت نفسه على إنتاج الأمل وصناعة المستقبل.