اعتادت إيران أن تراهن على عامل الوقت: تطيل أمد المفاوضات، وتتحمّل العقوبات، وترفع كلفة المواجهة، ثمّ تنتظر أن يُرهق خصمها قبل أن تُستنزف هي. لكنّ الجديد اليوم أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قرّر أن يلعب اللعبة الإيرانيّة نفسها: استخدام الوقت أداةً للضغط، ورفع كلفة المواجهة، وانتظار أن يتراجع الخصم قبل أن تتراجع واشنطن.
بعد أشهر من الحرب، لم تعد المدفعيّة اللغة الوحيدة في المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة. فترامب، الذي لا يُعرف عنه طول النفس ولا ميله إلى الحلول البطيئة، اختار هذه المرّة أن ينتظر، ولو مؤقّتاً، ليس لأنّه تخلّى عن الخيار العسكريّ، بل لأنّه يريد أن يختبر ما إذا كان الاقتصاد قادراً على تحقيق ما عجزت القنابل عن حسمه.
بين الضّغط الاقتصاديّ والاستعراض السّياسيّ
قال ترامب في حديثه إلى موقع “أكسيوس”: “نحن نخفّض الوتيرة” مع إيران. ثمّ شرح ما الذي ينتظره: “نحن فقط نراقب إيران، مع هذا التضخّم الهائل وحقيقة أنّه لم يعد لديها المال”. وأضاف أنّ الإيرانيّين يواجهون صعوبة حتّى في دفع رواتب قوّاتهم. ثمّ لخّص الرهان كلّه بجملة ترامبيّة بامتياز: “الأمور ستنجح. إنّها تنجح دائماً. الأمر أشبه بلعبة شطرنج”.
في الوقت عينه، لا يبدو ترامب راغباً في التخلّي عن لغة الهيمنة الرمزيّة. فقد كتب على منصّته “تروث سوشيل”: “الولايات المتّحدة تسيطر سيطرة كاملة على مضيق هرمز، وأعتقد أنّنا سنبقى مسيطرين عليه”، واصفاً الحصار البحريّ بأنّه “جدار من الفولاذ”. وذهب أبعد من ذلك حين لمّح، بحسب تقارير متعدّدة، إلى احتمال إعلان المضيق أرضاً أميركيّة. هذه التصاريح والتغريدات تتجاوز حدود الضغط الاقتصاديّ إلى مجال قانونيّ وسياديّ مثير للجدل، ويعكس ميلاً إلى المبالغة اللفظيّة أكثر ممّا يعكس خطّة تنفيذيّة جاهزة.
هذا التناقض الظاهريّ بين إعلان “السيطرة الكاملة” من جهة، والاعتراف بأنّ المضيق ما يزال مقفلاً فعليّاً من جهة أخرى، هو جوهر أسلوب ترامب التفاوضيّ: مزج الضغط الحقيقيّ بخطاب استعراضيّ يهدف إلى كسر إرادة الخصم نفسيّاً قبل أن يكسرها اقتصاديّاً.
من العقوبات إلى خنق الاقتصاد الإيرانيّ
هذه ليست تصريحات عابرة، بل ربّما تختصر بدقّة ملامح الاستراتيجية الأميركيّة الجديدة. لم يعد سؤال ترامب يقتصر على: كم تحتاج الولايات المتّحدة من القوّة لإخضاع إيران؟ بل بات السؤال الأهمّ: إلى متى تستطيع إيران الصمود وتحمّل كلفة المواجهة؟
كشف وزير الخزانة سكوت بيسنت حجم الرهان حين أعلن أنّ واشنطن تستعدّ لإجراءات تهدف إلى فرض عزلة اقتصاديّة على إيران “لم يشهد العالم مثلها من قبل”، واصفاً الخطّة بأنّها ضربة مزدوجة تجمع بين الضغط الاقتصاديّ واستمرار الحصار على الموانئ الإيرانيّة.
ليست العقوبات على إيران جديدة. فالنظام يعيش في ظلالها معها منذ عقود. الجديد هو الجمع بين العقوبات الماليّة وبين القدرة العسكريّة الأميركيّة على خنق التجارة الإيرانيّة بحراً.
وهنا يتحوّل الاقتصاد من أداة مرافقة للحرب إلى ساحة رئيسة فيها. لكن هنا تكمن مفارقة تستحقّ التوقّف عندها.
قبل شهرين فقط، عندما دافع ترامب عن مذكّرة التفاهم مع إيران وعن وقف القصف، قال إنّ استمرار الحرب كان سيؤدّي إلى “كارثة اقتصاديّة”. بل أعطى إيران آنذاك ستّين يوماً للتفاوض قبل احتمال استئناف الضربات. يبدو اليوم أنّه ذاهب إلى قلب المعادلة: يريد إحداث كارثة اقتصاديّة في إيران، من دون أن تتحوّل إلى كارثة اقتصاديّة أو سياسيّة عليه.
حين تعجز القوّة عن فرض النّتيجة السّياسيّة
السؤال الذي يفرض نفسه: هل اكتشف ترامب سلاحاً أكثر فاعليّة من القصف، أم اكتشف أنّ القصف، مهما بلغت قوّته، لا يُفضي دائماً إلى النتيجة السياسيّة المطلوبة؟
بعد أشهر من المواجهة، تلقّت إيران ضربات قاسية على المستويَين العسكريّ والاقتصاديّ، لكنّها لم تستسلم. فما يزال النظام قائماً، والمفاوضات تراوح مكانها، فيما لم يعد مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعيّ. لذلك قد لا يكون انتقال واشنطن إلى ساحة الاقتصاد مؤشّراً إلى نهاية الحرب، بقدر ما يعكس بلوغ العمل العسكريّ سقفاً معيّناً، ودخول المواجهة مرحلة جديدة تُختبر فيها قدرة إيران على الصمود تحت ضغط الاستنزاف الاقتصاديّ.
تستطيع الولايات المتّحدة تدمير أهداف، إغراق سفن، واعتراض أخرى. لكنّ السؤال الأصعب في أيّ حرب ليس ما الذي تستطيع تدميره، بل ما الذي تستطيع تغييره سياسيّاً بعد التدمير؟
حتّى الحصار نفسه يكشف حجم المواجهة، والقيادة المركزيّة الأميركيّة أعلنت تحويل مسار 55 سفينة تجاريّة، وتعطيل سفينتين والصعود إلى متن اثنتين أخريَين في إطار تطبيق الحصار.
تبدو تصريحات الرئيس الأميركيّ وكأنّها متناقضة، لكنّها تختزن في طيّاتها تفكير ترامب واستراتيجيته في هذه المرحلة. فقد أعلن أنّ الولايات المتّحدة تملك “سيطرة كاملة” على مضيق هرمز، وذهب لاحقاً إلى حدّ التلويح بإعلان المضيق “أرضاً أميركيّة”. في المقابل، ردّت طهران بأنّ هرمز سيبقى إيرانيّاً وأنّ السيطرة عليه لإيران.
لكنّ وراء المبارزة الكلاميّة حقيقة أبسط. السيطرة على مضيق هرمز لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات الموجودة حوله، بل بقدرة السفن التجاريّة على عبوره بصورة طبيعيّة وآمنة.
حرب الوقت: من يصمد أكثر، واشنطن أم طهران؟
ردّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي على المقاربة الأميركيّة قائلاً إنّ الولايات المتّحدة “أخطأت الحساب طويلاً بسبب إخفاقات استخباريّة”، محذّراً من “خطأ أكبر” في حساباتها بشأن هرمز. إذاً إيران لا تقول إنّها أقوى من أميركا، بل تراهن على أنّها تستطيع الصمود أطول ممّا تريد أميركا أن تنتظر. وطهران إيران تعتقد أنّ الانتخابات النصفيّة الأميركيّة هي نقطة ضعف واشنطن.
يستطيع النظام الإيرانيّ أن يفرض على مجتمعه أثماناً اقتصاديّة هائلة من دون انتخابات تنافسيّة تحدّد مستقبله السياسيّ بعد أشهر. أمّا ترامب فلا يملك هذه الرفاهية. فالانتخابات النصفيّة الأميركيّة في تشرين الثاني تقترب، وأسعار الطاقة والتضخّم والقدرة الشرائيّة ليست مسائل في السياسة الخارجيّة بالنسبة إلى الناخب الأميركيّ. إنّها مسائل يوميّة. ولهذا لا تدور حرب الاستنزاف بين اقتصادين فقط، بل بين ساعتين سياسيّتين مختلفتين. ينظر ترامب إلى طهران ويسأل: كم تستطيعون الصمود؟ وتنظر طهران إلى واشنطن وتسأل: كم يستطيع ترامب الانتظار؟
لم يتخلَّ ترامب عن القوّة العسكريّة. لقد غيّر فقط ترتيب الأسلحة. تنتظر المفاوضات اللحظة التي يقتنع فيها أحد الطرفين بأنّ كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التنازل.
اللافت أنّ الرئيس الأميركيّ الذي بنى شخصيّته السياسيّة على السرعة والحسم و”الصفقة”، اختار هذه المرّة أن يستخدم السلاح الذي أتقنته إيران على مدى عقود: الوقت. لكنّ في حروب الاستنزاف الوقت لا يعمل لمصلحة طرف واحد.
لهذا لم يعد السؤال: مَن يملك أقوى الطائرات أو لديه أكثر من السفن ؟ الجواب عن ذلك معروف.
السؤال الذي سيقرّر نتيجة هذه المواجهة أصبح أبسط بكثير: مَن يرمش أوّلاً؟
