لم يكن الجديد في زيارة وزير الخارجيّة التركيّ حقّان فيدان هذا الأسبوع للقاهرة الحديث عن “اتّفاق مكّة للدفاع المشترك” بحدّ ذاته، بقدر ما كان إعلانه الصريح أنّ أنقرة لا تزال ترغب في انضمام مصر إلى الاتّفاق، على الرغم من توقيعه بالفعل بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان. وفي المقابل، لم يصدر عن القاهرة ما يفيد رفض الفكرة، بل أكّد وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبد العاطي أنّ مصر كانت على اطّلاع على الاتّفاق منذ مراحله الأولى، وأنّ مسألة الانضمام تخضع لدراسة معمّقة في ضوء الاعتبارات الدستوريّة والقانونيّة.
تكمن أهمّيّة هذه التصريحات في أنّها نقلت النقاش من سؤال: لماذا غابت مصر عن توقيع الاتّفاق؟ إلى سؤال آخر أكثر أهميّة: لماذا تصرّ تركيا على انضمامها على الرغم من توقيع الاتّفاق؟ فلو كانت الدول الثلاث تنظر إلى الاتّفاق باعتباره تحالفاً مغلقاً، لَما أعادت طرح مسألة انضمام القاهرة بعد إعلانه مباشرة. أمّا استمرار الدعوة التركيّة فيعكس بوضوح أنّ الاتّفاق صُمّم ليكون إطاراً قابلاً للتوسّع، وأنّ مصر تمثّل الدولة الأهمّ في أيّ مرحلة لاحقة من هذا التوسّع.
لا يصعب فهم دوافع أنقرة في هذا الاتّجاه. فمصر ليست دولة يمكن إضافتها إلى الاتّفاق وحسب، بل تمثّل إحدى الركائز الأساسيّة في معادلة الأمن الإقليميّ، وتمتلك أكبر قوّة عسكريّة عربيّة، وثقلاً سياسيّاً وتاريخيّاً يجعل مشاركتها تضفي على الاتّفاق شرعيّة عربيّة وإقليميّة أكبر. وسيعزّز انضمام القاهرة صدقيّة بند الدفاع المشترك، ويحوّل الاتّفاق من تفاهم ثلاثيّ إلى إطار أوسع قادر على التأثير في ترتيبات الأمن الإقليميّ، إضافة إلى أنّه يبدّد أيّ انطباع بأنّ الاتّفاق يمثّل محوراً مغلقاً يقتصر على تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان.
تدرك أنقرة أيضاً أنّ مصر كانت حاضرة في المشاورات التي سبقت إعلان الاتّفاق، وأنّها جزء من آليّة التعاون الرباعيّة التي جمعت الدول الأربع خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي يجعل استمرار الحوار معها أمراً طبيعيّاً، ويؤكّد أنّ غيابها عن التوقيع لا يعني خروجها من المشهد أو انتهاء فرص انضمامها مستقبلاً.
ما الذي يدفع بالقاهرة إلى التّريّث؟
في المقابل، لا يعكس التريّث المصريّ رفضاً لمبدأ التعاون مع الدول الثلاث، وإنّما يعبّر عن اختلاف في تقدير طبيعة الالتزامات التي يرتّبها الاتّفاق. فالقاهرة تميّز بين التعاون العسكريّ والتنسيق الأمنيّ من جهة، وبين الانضمام إلى اتّفاق دفاع جماعيّ قد تترتّب عليه التزامات سياسيّة وعسكريّة في حال تعرّض أحد أعضائه لاعتداء. ولهذا شدّدت التصريحات الرسميّة على أنّ الأمر يحتاج إلى دراسة قانونيّة ودستوريّة متأنّية قبل اتّخاذ أيّ قرار.
يستند هذا الحذر أيضاً إلى طبيعة الأمن القوميّ المصريّ. فمصر محاصرة في الوقت نفسه بعددٍ من الملفّات الأمنيّة المعقّدة، تمتدّ من ليبيا والبحر المتوسّط غرباً، إلى السودان وأمن مياه النيل جنوباً، ومن قطاع غزّة وسيناء إلى البحر الأحمر وقناة السويس شرقاً. ولذلك أيّ التزام دفاعيّ جديد لا يُنظر إليه بمعزل عن تأثيره في قدرة الدولة على إدارة أولويّاتها الاستراتيجيّة وتوزيع مواردها العسكريّة وفقاً لمتطلّبات أمنها القوميّ.
يضاف إلى ذلك أنّ السياسة الخارجيّة المصريّة قامت، على مدى عقود، على تجنّب الأحلاف العسكريّة المُلزمة، مع تفضيل صيغ التعاون الثنائيّ أو التنسيق الأمنيّ المرن الذي يمنحها مساحة أوسع من حرّيّة الحركة. وتحرص القاهرة على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليميّة، بما يحافظ على قدرتها على أداء أدوار الوساطة وخفض التوتّر، وهو ما يجعلها أكثر تردداً من الانضمام إلى ترتيبات قد تُفسّر بأنّها اصطفاف دائم في مواجهة طرف بعينه.
التّريّث لا يعني تباعداً
مع ذلك، لا يعني هذا التريّث وجود تباعد بين القاهرة والدول الثلاث. فالعلاقات المصريّة مع المملكة السعوديّة وتركيا وباكستان تشهد تقارباً واضحاً، والتنسيق السياسيّ والأمنيّ بينها مستمرّ، وشاركت مصر في المشاورات السابقة لإعلان الاتّفاق، وهو ما يؤكّد أنّ الخلاف لا يتعلّق بأهداف التعاون أو بأهمّيّة بناء ترتيبات أمنيّة إقليميّة جديدة بل بآليّات الالتزام.
ربّما المفارقة أنّ الأسباب التي تدفع أنقرة إلى التمسّك بانضمام القاهرة هي نفسها التي تدفع مصر إلى التريّث. فالثقل العسكريّ والسياسيّ الذي يجعل انضمامها مكسباً استراتيجيّاً للاتّفاق، هو ذاته الذي يدفعها إلى التدقيق في كلفة أيّ التزام دفاعيّ جديد، وإلى الموازنة بين فوائد المشاركة وضرورات الحفاظ على استقلاليّة قرارها الاستراتيجيّ.
إنّ غياب مصر عن توقيع “اتّفاق مكّة” لا ينبغي تفسيره باعتباره رفضاً للاتّفاق، بقدر ما يعكس اختلافاً في توقيت الانضمام وشروطه. أمّا الإصرار التركيّ على ضمّ القاهرة فيؤكّد أنّ باب الاتّفاق لا يزال مفتوحاً، وأنّ الدول المؤسِّسة تنظر إلى مصر باعتبارها شريكاً أساسيّاً في أيّ منظومة أمنيّة إقليميّة تسعى إلى ترسيخها خلال المرحلة المقبلة. وحتّى تتّضح الحسابات المصريّة بصورة نهائيّة، سيبقى ملفّ انضمام القاهرة أحد أبرز الملفّات المرتبطة بمستقبل الاتّفاق وتوازنات الأمن الإقليميّ.
