تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • الباص الأخضر”: انتزاع الروح من الجسد
  • مقالات رأي

الباص الأخضر”: انتزاع الروح من الجسد

المحرر Editor 20 سبتمبر، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

 

"الباص الأخضر": انتزاع الروح من الجسد
“الباص الأخضر” يتعرض لواحدة من أقسى مراحل المعاناة الإنسانية
سمر شمة … كاتبة سورية ضفة ثالثة

لا أحد يعرف الحافلات أو “الباصات الخضراء” كما يعرفها السوريون، إذ تمثل عندهم ألمًا ووجعًا عميقًا في الذاكرة والوجدان. ارتبطت قبل انطلاق الثورة بالازدحام الشديد داخلها وعلى أبوابها، والذل والإهانة لا سيما عند أصحاب الدخل المحدود والفقراء العاجزين عن استخدام وسائل نقل أخرى لارتفاع أسعارها مقارنة بدخلهم المتدني. وبعد الثورة أصبحت رمزًا لاقتلاع السوريين القسري من منازلهم وأراضيهم وذكرياتهم، وارتبطت بالبطش والقمع بعد أن تحوّلت إلى وسيلة النقل الوحيدة لقوات النظام المخلوع وشبيحته وميليشياته الطائفية المدججة بالسلاح لاقتحام المدن والبلدات الثائرة واعتقال المتظاهرين السلميين وإطلاق النار عليهم ونقل المهجرين قسرًا فيما بعد وترحيلهم إلى شمال البلاد بعد الحصار والتجويع والانتهاكات الجسيمة اليومية، يحملون معهم تفاصيل عمرهم وثبوتياتهم داخل حقيبة صغيرة يعبث بها عناصر الحواجز الأمنية بتهكم وشماتة واستفزاز.
عالجت السينما السورية هذه المأساة الكبيرة في أفلام عديدة منها “الباص الأخضر” الوثائقي السينمائي الذي تعرض لواحدة من أقسى مراحل المعاناة الإنسانية في العصر الحديث. وتناول بشكل أساسي جريمة التهجير القسري التي قام بها نظام الأسد بواسطة هذه الحافلات التي أصبحت رمزًا بصريًا مرتبطًا بالذاكرة الجمعية وعذابات النزوح والاقتلاع من المكان.
لم يقدم الفيلم الذي أخرجه فادي بعاج التهجير كحدث ينتهي بانتهاء رحلة الشقاء فقط، بل رصد تبعاته النفسية والاجتماعية والوجدانية، والعلاقة بين المهجر وموطنه الأصلي بعد مغادرته له.
وتداخلت فيه قصص أبطاله مع ذاكرة المدن والأحياء التي خرجوا منها، لتتحول الشهادة الفردية إلى جزء من ذاكرة جماعية أكثر تأثيرًا واتساعًا، ولتصبح السينما وسيلة لإبقاء هذه التجربة المريرة حاضرة بحقائقها أمام الأجيال القادمة.
يتكون هذا الفيلم من جزأين متكاملين، الأول: صدر مطلع عام 2024 لتوثيق التهجير القسري الذي يعني خروج روح المهجرين من جسدهم، والثاني: تم استكماله وإضافته بعد سقوط النظام بمرافقة الكاميرا للشخصيات ذاتها التي تحدثت في الجزء الأول. وقد اعتمد على المعالجة الوثائقية وشهادات حيّة من حلب، حمص، درعا، والغوطة الشرقية، روى أصحابها تفاصيل الحصار والتجويع والساعات الأخيرة التي سبقت صعودهم لـ”الباص الأخضر” وكيف أجبرهم القصف المستمر على اتخاذ قرار ترك منازلهم ومزارعهم ولمّة العائلة ودفئها، وركزوا على المشقة النفسية والجسدية الهائلة التي عاشوها في الطريق إلى الشمال السوري، وما تعرضوا له من إذلال وتهديدات في رحلتهم القسرية هذه، مشيرين إلى حنينهم لموطنهم الأصلي الذي بقي ملازمًا لهم وضاغطًا عليهم في منفاهم الجديد.
وفي الجزء الثاني تحدثوا عن لحظة العودة التاريخية وما أحاط بها من مشاعر الفرح والصدمة في آن معًا لرؤيتهم للدمار الهائل والركام المنتشر في كل مكان.
جسدوا معنى استرداد الهوية والأمكنة، وتحولت شهاداتهم من روايات فردية إلى وثيقة لحكايا جيل كامل عانى الويلات إلى أن شهد لحظة العودة من جديد.

في شهادة حافلة بخصوصية عاطفية وإنسانية شديدة قدمت سيدة من حلب رؤية نسوية مثقلة بالشجن والبكاء لمرارة الحصار، تختلف عن بقية الشهادات. تحدثت فيها عن التفاصيل الصغيرة المنسية وسط الرعب وقسوة تدبير شؤون الحياة اليومية تحت القصف وكوابيس القتل والموت، وعن تأمين سلامة أطفالها، همها الدائم في كل دقيقة، إضافة إلى اللحظة الأكثر إيلامًا التي عاشتها وهي تنتقي أمتعة بسيطة وذكريات معدودة تخبئ في ثناياها حياة عائلة كاملة لترحل بها داخل حقيبة يد تضم وجعًا ومعلومات عائلية والكثير من الجراح العميقة التي لم تندمل أبدًا في مكان اللجوء، واكتملت شهادتها في الجزء الثاني من الفيلم عندما رافقتها الكاميرا في رحلة العودة لتصف بدموع سخية مشاعر الصدمة والذهول عند رؤيتها للحي والمنزل الذي عاشت به وقد تحوّل إلى خراب وأطلال، ولتعيش في الوقت نفسه فرح العودة واستعادة الهوية التي سُلبت منها.
في شهادة حيّة أخرى ركز شاب من حمص على ثنائية تجمع بين الحزن العميق والفرح المفاجئ، مشيرًا إلى ذكريات انخراطه في الحراك السلمي وتفاصيل إنسانية قاسية عاشها تحت وطأة القصف العنيف على الأحياء والبلدات في مدينته وصولًا إلى لحظة اقتلاعه من جذوره وأرضه بواسطة “الباص الأخضر”، لكنه عاد في الجزء الثاني من هذا الوثائقي إلى “حمص العدية” ليعيش مظاهر الاحتفاء الشعبي به والتلاحم المجتمعي الذي سيطر على المشهد بالكامل، ومشاعر ولهفة من تبقى من الأهل والأصدقاء والجيران، إضافة إلى الألم الكبير لما لمسه من دمار واسع استباح الحجر والبشر.
الشهادة الثالثة كانت لشاب من درعا (حوران) أشار فيها إلى المعاناة الاستثنائية والظروف القاهرة التي واجهت قوافل المهجرين من الجنوب السوري، والرحلة الشاقة المحفوفة بالمخاطر التي امتدت لأكثر من ثلاثين ساعة متواصلة من الإنهاك والانتهاكات والتفتيش العبثي والمهين من قبل الحواجز الأمنية المنتشرة على الطرقات، ونقل بلغة بصرية تعبيرية مؤثرة اللحظات الأخيرة له في بلدته وإجباره على الرحيل، لكنه عاد في الجزء الثاني من الفيلم مستعرضًا معاني كسر قيد التهجير وفرح العودة الحرة الكريمة.
ومن الغوطة الشرقية التي تعرضت بعد انطلاق الثورة لسلسلة من الانتهاكات العنيفة المصنفة دوليًا كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تحدث شاب في شهادة عاطفية وحساسة عن وجعه العميق وآلامه المستمرة لتركه قبر والده خلفه عند تهجيره، وخوفه الذي رافقه طيلة سنوات طويلة من تعرض المقبرة للهدم أو التخريب المتعمد، واستعرض مرارة الاقتلاع من أرض الغوطة الخيّرة ومعاني الارتباط العاطفي بها، بينما عبّر فيما بعد عن فرحته العارمة بالعودة وتفاصيل ارتباطه العميق بالعائلة والأرض.
مزج “الباص الأخضر” بين الوثائقي والدرامي، وهذا ما أضاف عليه بعدًا إنسانيًا عميقًا بدون أن يفقده هويته التوثيقية الصارمة. تميز بالتماسك الهيكلي رغم تقسيمه إلى جزأين، وبالإيقاع المتوازن، ونقل المُشاهد بسلاسة من مشاعر الخوف والفقد إلى الأمل بإعادة الحياة والتعافي، مبتعدًا في بنائه السردي عن الأرقام المجردة والتوصيفات السياسية. ولضمان مصداقيته كوثيقة سينمائية لم يعتمد على شهادات أبطاله الأربعة فقط، بل قاطعها مع روايات لناشطين وإعلاميين عاصروا الأحداث ذاتها عن قرب.
اعتمد المخرج في هذا العمل السينمائي على لقطات بصرية استعادية لإحياء تفاصيل تعجز الكلمات عن شرحها، مما ساعد في تحويل الذاكرة غير الملموسة إلى مادة فنية مرئية، واستخدم لغة سينمائية تعبيرية تعكس التبدل النفسي والواقعي للأبطال، وتفصل بين رحلتي التهجير والعودة. وقد سيطرت الألوان القاتمة على الجزء الأول من العمل وهذا ما عكس أجواء الرعب والرحيل نحو المجهول، بينما كانت في الجزء الثاني متنوعة ترافقها أشعة الشمس الساطعة في إشارة إلى انقشاع العتمة واستعادة الأمل. كما ركزت الكاميرا في رحلة التهجير على الكوادر الضيقة المغلقة، والوجوه المتعبة والزوايا المحشورة التي تُشعر المتلقي بالاختناق والعجز، بينما انفتحت في رحلة العودة على لقطات واسعة للطرقات والمدن المحررة، مما جعل المشاهد يشعر بالارتياح والتجدد.
ولكن كانت هناك مبالغة باللمسة الدرامية في بعض المشاهد، والتي أضعفت قسوة وواقعية المادة الوثائقية الخام، وتأثير الشهادات الحيّة، إضافة إلى التفاوت بين الجزء الأول المشحون والعاطفي للغاية، والثاني المعتمد على وتيرة مختلفة لا تناسب التدفق السينمائي السلس أحيانًا.
بالعموم استطاع الفيلم أن يلامس مأساة التهجير القسري وأن يقترب من المعاناة الإنسانية لأبطاله في الوقت الذي يتمنى السوريون فيه العودة الآمنة والكريمة للمهجرين واللاجئين وأن يُقفل هذا الملف المؤلم بعودة المنازل والحقوق إلى أصحابها.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: اللغة والأدب والهوية في عصر التوليد الخوارزمي
التالي: “ما بعد الحرب”: ارتحال الصورة ونوستالجيا اللجوء

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

عالم مهمش: دليل الحياة اليومية في الشرق الأوسط

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

انتصار الحزب الديمقراطي وتحدّياته

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
190270750_2865974877008401_203849496054148387_n
  • مقالات رأي

هندسة الشرعية السياسية في إسرائيل: مناورة آيزنكوت وإعادة تشكيل معادلة الحكم

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • عالم مهمش: دليل الحياة اليومية في الشرق الأوسط
  • بعد إحدى عشرة ترجمة لأعماله: تكريمٌ سويدي للشاعر والروائي السوري سليم بركات
  • انتصار الحزب الديمقراطي وتحدّياته
  • هندسة الشرعية السياسية في إسرائيل: مناورة آيزنكوت وإعادة تشكيل معادلة الحكم
  • عودة الرواية التاريخية: انتقام من شبكات التواصل الاجتماعي؟

لربما فاتك

  • مقالات رأي

عالم مهمش: دليل الحياة اليومية في الشرق الأوسط

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • الافتتاحية

بعد إحدى عشرة ترجمة لأعماله: تكريمٌ سويدي للشاعر والروائي السوري سليم بركات

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

انتصار الحزب الديمقراطي وتحدّياته

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026
190270750_2865974877008401_203849496054148387_n
  • مقالات رأي

هندسة الشرعية السياسية في إسرائيل: مناورة آيزنكوت وإعادة تشكيل معادلة الحكم

المحرر Editor 8 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.