النص بين السلعة والأصالة
يتجاوز المشهد حدود الأخطاء اللغوية والتشوّه الكلامي؛ فالمقالات التي تتصدر المواقع والمنصات، والأبحاث التي تُنشر في المجلات، والدواوين الشعرية والروايات التي تُطرح على المتاجر الرقمية، كثير منها مولد بنماذج لغوية كبيرة ــ وهي برامج ذكاء اصطناعي دُرّبت على كميات هائلة من النصوص. تشير إحدى الدراسات إلى أن حوالي نصف الكتب المنشورة والمباعة على أمازون في العام الماضي تحتوي على نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي. تُطرَح هذه النصوص للقارئ بوصفها إبداعًا، في حين أنها في جوهرها سلع نصية تفتقر إلى الكثافة الدلالية والتضمين الثقافي والتجربة الإنسانية التي هي شرط الأدب والمعرفة.
في الصين، انتقل الجدل مؤخرًا من التساؤل النظري حول حدود الكتابة بالذكاء الاصطناعي إلى إجراءات مؤسسية صريحة؛ فقد أصدرت 24 مجلة أدبية بيانًا مشتركًا رفضت فيه “الأصالة الزائفة” الصادرة عن الذكاء الاصطناعي، وأعلنت إخضاع الأعمال المقدمة لمراجعة بشرية وفحص تقني، مع إدراج من يثبت تقديمه عملًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي في قائمة سوداء، ومنع نشر أعماله. يكشف هذا الموقف أن المسألة لم تعد متعلقة بجودة النص الآلي وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة بمفهوم الأصالة الأدبية، وحدود التدخل التقني في العملية الإبداعية.
وفي المشهد العربي، فإن استمرار تدفق محتوى ضخم من النصوص العربية المليئة بالأخطاء اللغوية والصِّيَغ الركيكة، إضافة إلى “الأدب” المولد بالذكاء الاصطناعي، يُنتج تشويهًا مضاعفًا: تشويهًا في بنية اللغة نفسها؛ لأن الآلة تتعلم العربيةَ بمنطق لغوي إنكليزي تفرضه على النص العربي. كما تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي على النصوص العربية الموجودة على شبكة الإنترنت، التي تخلو بدورها من حركات التشكيل التي تحفظ للغة تماسكها ومعانيها. التشوية الآخر يتسلل إلى وعي القارئ، الذي يُغرَق في نصوص مصقولة تمنحه إحساسًا زائفًا بالفهم، ولكنها في الحقيقة تفتقر إلى المعنى والأصالة.
الأخطاء كأنماط متكررة
| (Getty) |
تتميز النصوص العربية المولّدة بوساطة نماذج الذكاء الاصطناعي بطلاقة سطحية ورونق أسلوبي ظاهري، غير أن هذه الفصاحة الشكلية غالبًا ما تخفي خلفها هشاشة بنيوية واضطرابًا نحويًا عميقًا. تشير دراسة بعنوان “أنماط الأخطاء النحوية في النصوص العربية الفصحى الحديثة المولدة بواسطة ChatGPT” إلى أن الأخطاء الناتجة ليست مجرد زلّات عشوائية، بل تمثل أنماطًا هيكلية منتظمة تنشأ من الصدام بين الطبيعة الاحتمالية التنبؤية للنماذج اللغوية والنظام الصرفي والنحوي الصارم للغة العربية.
تتمثل أبرز هذه الأنماط في الخروج عن قواعد المطابقة بين الفعل والفاعل، أو الصفة والموصوف، خاصة في الجمل المعقدة والطويلة، واضطراب علامات الإعراب الأصلية والفرعية. يضاف إلى ذلك ضعف الترابط النحوي في التراكيب المعقدة، والاستعمال غير الدقيق لحروف الجر، والتعدي.
كما تتسلل ظلال لغوية وهياكل مترجمة حرفيًا عن اللغة الإنكليزية، تجعل النموذج ينطق بكلمات عربية، ولكنه يعمل وفق بنية لغوية أجنبية؛ حيث يميل إلى الإكثار من الجمل الإسمية الثقيلة والجامدة، ويكثر من صِيَغ المبني للمجهول التي تُقحم الفاعل في ختام الجملة باستخدام “من قِبَل”. هكذا، وإن كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على صياغة نصوص تبدو قريبة من الفهم، إلا أنها لا تزال غريبة عن روح العربية وأصالتها النحوية.
تحيز ثقافي
عند معالجتها للنصوص العربية، تنحاز النماذج اللغوية الكبيرة إلى المفاهيم والمرجعيات الثقافية الغربية، وتعجز عن استيعاب السياقات الاجتماعية والقيم الثقافية والدينية للمجتمعات العربية. يكمن الخلل الأعمق في الترجمة الحرفية؛ فحين تتعلم هذه النماذج العربيةَ عبر الإنكليزية، لا تحمل إلى العربية قواعد الإنكليزية فحسب، بل وتراكيبها أيضًا، والثقافةَ التي أنتجتها، فتخرج الجملة العربية بتراكيب أجنبية، وروح غريبة عن الهوية العربية. وتشير إحدى الدراسات إلى أن هذه النماذج، ورغم تدريبها على مخزون نصّيّ عربي ضخم، تصدر عنها مخرجات نصّية تخالف الأعراف الثقافية العربية، وتقع في تناقضات نحوية وثقافية في آن واحد.
تذكر الدراسة مثالًا لافتًا: فعند طلب إكمال جملة “بعد صلاة المغرب سأذهب مع الأصدقاء لنشرب..”، اقترحت النماذج الذكية خيارات لمشروبات كحولية، مثل البيرة، والنبيذ، وما شابهها. يعكس هذا التوليد تعميمًا للنمط الغربي الذي يرتبط فيه الخروج للشرب غالبًا بالمشروبات الكحولية، وعجزًا عن استيعاب مبادئ الثقافة العربية والإسلامية التي تعني فيها هذه العبارة عادةً تناول القهوة، أو الشاي.
الآلة في اختبار الأدب
لا يتوقف اختبار الذكاء الاصطناعي عند اللغة اليومية، بل يمتد إلى أكثر الحقول الأدبية حساسية: الشعر، والرواية، وأدب الطفل. وفي هذه الساحات الثلاث تتكشف حدود الآلة وإمكاناتها. تتناول دراسة بعنوان “البراعة الهيكلية والعمى الرمزي للتعلم العميق في الشعر العربي” كيفية تعامل الذكاء الاصطناعي مع الشعر العربي، وتخلص إلى النتيجة التالية: تفوّق شكلي مقابل ضعف في إدراك المعنى العميق.
يبرع الذكاء الاصطناعي في ضبط وزن القصيدة وقافيتها، لأن الأوزان قائمة على قواعد محددة وقابلة للتحليل الحسابي، لكنه يعجز عن إدراك الخيال الكامن وراء النص الشعري، والاستعارات اللغوية، والعمق الثقافي والتاريخي للغة العربية. كما أن زيادة كمية البيانات التي تتدرب عليها النماذج، أو رفع مستوى تعقيدها، لن تساعدها في امتلاك الأدوات اللازمة والعمق المطلوب لكتابة الشعر. فالمسألة ليست في كمية ما تختزنه الآلة، بل في كيفية إدراكها ومعالجتها للغة في سياقها الثقافي الخاص.
تُجمِل الدراسة نتائجها في ثلاثة محاور، المحور الأول: بحور الشعر، وقد حقق الذكاء الاصطناعي فيه نجاحًا كبيرًا ودقة عالية في تحديد أوزان الأبيات. أما المحور الثاني فهو توليد الشعر آليًا، حيث ينجح النظام في إنتاج أبيات موزونة ومقفّاة من الناحية الظاهرية، غير أن هذه الأبيات تعاني من سطحية المعنى، وتكرار الصور التقليدية، وضعف الترابط بين الأبيات.
يتعلق المحور الثالث، وهو الحقل الأكثر صعوبة، بتفسير الشعر وترجمته، حيث يفشل الذكاء الاصطناعي غالبًا في نقل جماليات الاستعارة، والرموز الثقافية، والمعاني الضمنية. وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة للباحثين والنقاد، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإبداع والخيال الإنساني، والفهم العميق للتجربة الوجدانية التي تنتج القصيدة.
على الصعيد الروائي، تتناول إحدى الدراسات العلاقة بين الرواية العربية والذكاء الاصطناعي من جهتين: استخدامه كأداةً مساعدة في توليد الحوارات والبنى السردية، وتمثيله عنصرًا داخل النص ــ كشخصية، أو موضوع، تُطرح من خلاله أسئلة الوعي والهوية. تُقدّم الدراسة موقفًا نقديًا واضحًا: الذكاء الاصطناعي يبرع في معالجة البيانات السردية، واستخلاص الأنماط الأسلوبية، لكنه يعجز عن تجسيد الروح الإنسانية والمعاناة الوجدانية التي تشكّل جوهر الأدب.
تحذّر الدراسة من أن الاعتماد على خوارزميات التوليد يُهدد الكتابة الأدبية بإنتاج أعمال لا ترتقي إلى العمل الأصيل المستند إلى التجربة الإنسانية الحقيقية. ومع ذلك، لا ترفض الدراسة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والأدب، بل توصي بتشجيع الكُتّاب على استثمار التكنولوجيا بوعي نقدي وخلاّق، وتطوير أدوات نقدية جديدة تراعي طبيعة النصوص الرقمية، من دون التفريط بالخيال الإنساني، والقدرة الإبداعية الذاتية.
تتعاظم حساسية العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي مع دخوله إلى حقل أدب الأطفال. وعلى الرغم من كفاءة التقنية في بناء الحبكات واقتراح الأفكار في قصص الأطفال، إلا أنها تظل عاجزة عن استحضار الذاكرة العاطفية والتجربة الإنسانية الحية للطفولة. تتضاعف هذه المحدودية أمام اللغة العربية؛ إذ لا تقتصر الكتابة للطفل العربي على صفّ المفردات والقواعد، بل تتطلب استيعابًا عميقًا لإيقاع اللغة وروح الثقافة، وتشكيلَ الوعي بالهوية من خلال تجارب إنسانية تحفز الفكر والخيال بدلًا من تقديم قوالب تلقينية. وتذهب بعض الآراء إلى أن المستقبل يكمن في جعل الذكاء الاصطناعي أداة تكاملية في خدمة الإبداع البشري؛ فالآلة تقترح وتولّد النصوص، بينما يظل الكاتب الإنسان هو المرجعية الأخلاقية والتربوية، وهو وحده القادر على منح الحكاية روحها ودهشتها الأصيلة.
من هندسة النص إلى هندسة الوعي
| (Getty) |
مع زحف الخوارزميات نحو محراب اللغة والأدب، يتردد في الأوساط الثقافية سؤالان رئيسان: أحدهما يطفو على السطح، والآخر غائر في الأعماق. أما الأول فإجرائي أخلاقي: هل من حق المبدع أن ينسب لنفسه نصًا كتبته الآلة؟ وأما الثاني فوجودي حضاري: ماذا يتبقّى من لغتنا وثقافتنا ووعينا حين تتولى الخوارزميات هندسة خيالنا الجمعي؟
إن التحدي الحقيقي والأكثر إلحاحًا لا يكمن في مسألة الملكية الفكرية، أو الأمانة الأدبية؛ فتلك معارك إجرائية وقانونية ستكفل التشريعات الصارمة وبرمجيات الكشف الرقمية حسمها عاجلًا أم آجلًا، فضلًا عن أن مفهوم المؤلف نفسه بات يتهيأ للتحول نحو مصطلح مثير للجدل، ألا وهو “الكاتب الهجين”. والحقيقة أن الكاتب الإنسان يظل مهندس النص ومبدعه، بينما تبقى نماذج الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا شريكًا في الإبداع، خلافًا لما يوحي به هذا المصطلح.
غير أن الإشكالية الوجودية الأعمق تتبدّى في ثلاثة محاور تمس جوهر الكينونة العربية؛ أولها: تسطيح الوعي وتعميم النمطية، حيث تعتمد النماذج التوليدية على مبدأ الاحتمالات والإحصاء للتنبؤ بالكلمة التالية، وهي بطبيعتها خوارزميات تميل إلى التعميم السلوكي وتكرار البنى المستقرة. إن القلق الحقيقي لا يكمن في رداءة النصوص الآلية، بل في تأثيرها على القارئ العربي، عبر تنميط الذائقة وإضعافها، وإحلال الرتابة والركاكة الأسلوبية محل الدهشة والابتكار الإنساني الفريد.
المحور الثاني: تغريب اللسان والوعي الدلالي؛ فالعربية لغة اشتقاق ومجاز، مشحونة بحمولات وجدانية وتاريخية وسياقية معقدة. وعندما تشرع الآلة في كتابة القصيدة، أو الرواية العربية، فإنها تقدم نصًا هجينًا؛ غالبًا ما يكون صدى لتراكيب لغوية مترجمة، أو قوالب جافة تخلو من الجوهر الجمالي. هذا التشويه الممنهج يهدد بتفريغ اللسان العربي من ميزته المجازية ــ الدلالية، وتحويل السرد إلى هياكل لغوية خالية من الحياة.
أما المحور الثالث فيتعلق بالمركزية الثقافية ومسخ الهوية؛ فالذكاء الاصطناعي ليس حياديًا؛ بل هو وليد بيئات رقمية غُذيت ببيانات وثقافات ذات مركزية غربية غالبًا. وحين تتولى النماذج الآلية مهمة كتابة الأدب، فهي تسلب المثقفين دورهم الفكري والتاريخي، وتوقِع المبدع، والقارئ أيضًا، في فخ التبعية الثقافية غير الواعية، فتتسلل أنساق قِيَمية ورؤى اجتماعية وسياقات نفسية غريبة عن واقعنا وثقافتنا.
نحو سيادة لغوية ــ ثقافية
غير أن ما سبق من محاذير لا يعني الرفض التام للذكاء الاصطناعي، لأن الدعوة إلى القطيعة التامة معه هي ضرب من الوهم في زمن لا يحتمل الانكفاء على الذات، وهي استسلام واعتراف ضمني بعدم القدرة على التعامل مع شروط العصر. على مر القرون، مرت اللغات والآداب والفنون بمراحل تحول وتطور، وهي تمر اليوم في بمرحلة مصيرية أخرى. وهنا تكمن براعة الكاتب العربي؛ في أن يواكب هذا التطور الجديد، وفي أن يجيد العزف على الوتر الفاصل بين روح النص وحدود الآلة.
يستطيع الروائي أن يستعين بالذكاء الاصطناعي في رسم ملامح الشخصيات، وبناء المشاهد، واقتراح المسارات السردية، لكنه يبقى قائد الحكاية ومبدعها، لأن الحكاية هي وليدة تجربته الوجدانية ورؤيته للقضايا المختلفة. كما يمكن للباحث أن يستخدمه في توفير المصادر التي تثري بحثه، وفي فرزها وتصنيفها، لكن يبقى هو عقل البحث الذي يفكر ويحلل ويستنتج.
لا يكمن الفارق الجوهري في استخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه، وإنما في موقعه في صياغة المنتج الثقافي، وفي العملية الإبداعية: هل هو أداة يطوّعها الكاتب لخدمة رؤيته ولغته وتجربته الإنسانية، أم بديل يتولى عنه فعل الكتابة؟ في الحالة الأولى تبقى الآلة في موقع الأداة، بينما يظل الإنسان هو مصدر الرؤية والتجربة والاختيار. وفي الثانية، تنتقل الكتابة من فعل إنساني يستعين بالتقنية إلى إنتاج آلي يستعير اسم الإنسان.