
كاتب وسياسي…جريدة الثورة السورية
لا أريد الحديث عن المرحلة الأسدية وتفاصيل هذا الملف التأسيسي طائفياً للأسدية، بل سأحاول مقاربة ما يجري على الأرض منذ التحرير في 8 كانون الأول 2024. هنالك مقاربة للجيش بدأت بعد استقلال سوريا 1946، وهي مقاربة فيها ما هو خاص بسوريا، وفيها ما هو متشابه مع كثير من دول “العالم الثالث” أو المستقلة حديثاً عن الاستعمار الغربي.
هذه المقاربة بالطبع متشعبة ولا تغطيها مادة رأي محدودة، لكنها تعتبر الجيش هو أداة للسياسة الحزبية. لهذا غالبية النخب الحزبية، وحتى غير الحزبية بعد الاستقلال، بدأت بإنشاء تنظيمات سرية داخل الجيش، عمادها ضباط وصف ضباط متطوعون. الطرف الوحيد الذي ظهر بأنه لا يملك سلطة على الجيش، هو ما أسميته سابقاً “سلطة الأعيان” التي تسلمت بعد الاستقلال، المتمثلة في حزبي الشعب والوطني.
طبعاً لم يطل الأمر حتى بدأت الانقلابات العسكرية. ففي 29 آذار 1949، تمت الإطاحة بالرئيس شكري القوتلي، والحكومة السورية برئاسة خالد العظم، وقام قائد الجيش حسني الزعيم بأول انقلاب عسكري في العالم العربي. بعدها تهافتت الأحزاب السورية على اختراق الجيش تنظيمياً وفقاً لأيديولوجياتها.
ببساطة، تحول الجيش الذي أسست نواته فرنسا في سوريا تحت مسمى “جيش الشرق” إلى ساحة الصراع السياسي الحقيقي على السلطة في سوريا، حتى استقر الجيش بوصفه مؤسسة بعثية بعد آذار 1963. حيث ارتفعت الأصوات أن الجيش هو الذي يمثل الوطنية السورية، وضباطه هم الأكثر وطنية في الشعب السوري، حتى وصلنا إلى تسميته بالجيش العقائدي. لأن عقيدته وحدة حرية اشتراكية بعثية.
مع انقلاب شباط 1966 بدأ يظهر للعلن الاختراق الطائفي للجيش، ليستقر هذا الاختراق بيد حافظ الأسد، بعد انقلاب الأخير عام 1970، تحول الجيش العقائدي إلى جيش طائفي. حتى النخب السورية ساهمت لاحقاً بهذا التزوير في التاريخ، وتواطأت معه، بوصفه أنه جيش عقائدي.
هذه النقلة أيضاً كُتب عنها كتب وبحوث، لكن ما أريد الحديث عنه هنا، وبما يتناسب مع السياق السوري بعد التحرير هو: الجيش بوصفه فرصة عمل. هذا ما حاولت معالجته في كثير من المواد التي كتبتها على مدار سنوات. عندما نقول فرصة عمل، هنالك خلفها استثمار. بحكم طبيعة هذه المؤسسة، يكون الاستثمار سياسياً وقمعياً لسلطة ديكتاتورية. لنبتعد منذ الآن عن تناول الجيش السوري سابقاً وحالياً عن قصص الجيش العقائدي، بل يجب تناوله أولاً بوصفه فرصة عمل، واستثمار، قبل أي تناول آخر.
اعتمد الأسد في تشكيل الفاعل العسكري والأمني في الجيش على الطائفة العلوية. بحيث أن فرص العمل الأهم للطائفة، كانت الالتحاق بالجيش، والأمن، والمخابرات، لأن الأسد أراده هكذا. ستون عاماً بات الأمر يتحول إلى ما يشبه البداهة في سوريا؛ أن الجيش يجب أن يكون عماده الفاعل والمسيطر من العلويين.
هذه البداهة وصلت إلى أروقة الأمم المتحدة والدول الفاعلة، بحيث أتى القرار 2254 ليتعامل مع هذه البداهة، عبر تشكيل هيئة حكم انتقالية عامة، ومناصفة عسكرية خاصة بين هذا الجيش الأسدي، وبين قوى المعارضة العسكرية. هنا يكمن لب القرار الأممي. ما حدث بعد التحرير ودون الدخول بالتفاصيل، أنه لم يعد هنالك جيش للأسد، والعناصر الملتحقون بالجيش من السوريين، علويين وغيرهم، عادوا لبيوتهم.
هذه تفاصيل يجب أن يرويها التاريخ لاحقاً، لكنها هي من أنهت فعلياً مفاعيل القرار 2254. أيضاً هذا الهروب الذي لم يكن يتوقعه أحد من النخب السورية، كان الفيصل الأساسي في تشكيل المستوى السياسي السوري الجديد، بعد التحرير، بعنوان بسيط وبفجاجة “لا عسكر علويين في الجيش”.
هذا العنوان حكم سلوك كثير من النخب الرافضة للتحرير. حيث بدأ التركيز على عنوان جديد: أن الجيش الحالي بدأ يتشكل طائفياً من السوريين السنة، وبذلك انتقلنا من تزوير إلى تزوير، خاصة إذا رأينا أن الفضاء الأسدي -الذي يتوهم بعض من فيه أنه سيعود- لا يزال مسيطراً على الفضاء العام داخل الطائفة العلوية. هذا لا يعني أن كل الطائفة معه، لكنه خوف من الفلول من جهة، وسطوة أسدية تشبيحية متراكمة عمرها ستون عاماً.
وجدت النسبة الأعظم من أبناء الطائفة أنها بلا فرصة عمل. لا أريد القول أيضاً إنها وجدت نفسها بدون سلطة مادية أو رمزية. هذا ما زاد من حدة الاستقطاب السياسي في البلد، منذ اليوم الأول للتحرير، والتأكد أن جيش الأسد لم يعد موجوداً في الخارطة السيادية السورية الجديدة.
لم تكن السلطة الجديدة تمتلك القوة المالية، بأن تبقي هؤلاء كفرص عمل تتقاضى راتباً، رغم أنها حاولت من خلال إبقاء رواتب المتقاعدين بعد التحرير وحصول السلطة على موارد جديدة لتشكيل أجهزة قوة جديدة. هذه الأجهزة هي فرصة عمل، وليست عقائدية المنشأ، بحكم أن الريف السوري السني عموماً تعرض لإبادة واقتلاع، وهو الأكثرية العددية في البلاد. فكان الجيش والأمن فرص عمل لهم، وبدأت تتشكل وفقاً لهذا.
أما الأبعاد الرمزية وحفلات بعض القادة العسكريين في طقوس إسلاموية هي كلام فارغ. وبعضه ردة فعل سخيفة على المرحلة الأسدية. لكن الطبيعي، والعادي في بلد مثل سوريا، أن تكون فرص العمل في الجيش، وغيره من أجهزة القوة من نصيب الأكثرية العددية. هذا الطبيعي في ظل التأسيس الأسدي لسوريا عبر ستة عقود يندرج طائفياً في سياق البلد، وهو ليس كذلك.
لكن بالمقابل، هنالك سؤال مهم: هل تقدم متطوعون من الطائفة العلوية، وتم رفضهم لأنهم علويون؟ في الواقع معلوماتي المتواضعة، تنفي حدوث مثل هذا الأمر. ما يجري في سوريا الآن، انطلاقاً من تناول أجهزة القوة كفرصة عمل، هو أمر طبيعي، كان يجب أن يحدث منذ تأسيس الجمهورية.
حتى أيام الأسدية، كان المجندون الإلزاميون هم من الأكثرية السنية. هذا طبيعي أيضاً، ليس في سوريا فقط بل في أي بلد في العالم. لكن ما كان في سوريا اسدها هو الاستثناء الفاضح. أتمنى العودة لهذا الملف لاحقاً لتناوله من جوانب متعددة، خاصة من جانب تعامل السلطة السياسية مع هذا الأمر.