طهران- في أول مؤشر على صعوبة ترجمة التفاهمات الأميركية الإيرانية الأخيرة إلى واقع مستقر في الخليج، أعاد الحرس الثوري الإيراني التوتر إلى واجهة المشهد البحري بإعلانه رفض أي ممرات بديلة للملاحة في مضيق هرمز لا تحظى بموافقته، محذراً من اتخاذ إجراءات ضد السفن التي لا تلتزم بالممرات التي تحددها طهران.
ويأتي هذا الموقف في وقت كانت فيه الأطراف الإقليمية والدولية تراهن على أن مذكرة التفاهم التي أنهت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ستفتح الباب أمام عودة آمنة ومستقرة لحركة الملاحة والتجارة العالمية عبر أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
وجاء التحذير الإيراني رداً على إعلان سلطنة عمان التنسيق مع المنظمة البحرية الدولية لإتاحة ممر بحري مؤقت للسفن الراغبة في عبور المضيق، وهو ما فُهم في طهران باعتباره محاولة لتجاوز الدور الإيراني في إدارة الحركة الملاحية داخل الممر الذي تطل عليه الجمهورية الإسلامية من جهة الشمال.
وأكد الحرس الثوري أن المرور الآمن عبر مضيق هرمز لا يمكن أن يتم إلا من خلال المسارات التي تحددها السلطات الإيرانية، معتبراً أن أي ترتيبات جديدة يتم الإعلان عنها دون تنسيق مسبق مع طهران تشكل تهديداً للسلامة العامة للملاحة البحرية.
كما حمل البيان لهجة تصعيدية عندما لوح باتخاذ إجراءات بحق السفن المخالفة، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبل التفاهمات التي تم التوصل إليها مع واشنطن ومدى قدرة الاتفاق على منع عودة التوترات البحرية.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأنه يأتي بعد أيام فقط من دخول مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية حيز التنفيذ. فقد نص الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز بشكل تدريجي أمام حركة الملاحة التجارية، بعد أشهر من الاضطرابات التي شهدها الممر البحري خلال الحرب.
وكان الهدف من هذا البند إعادة تدفقات التجارة والطاقة العالمية إلى مستوياتها الطبيعية وتبديد المخاوف من استمرار استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.
وبموجب التفاهم، تعهدت الولايات المتحدة برفع القيود البحرية والإجراءات العسكرية التي أعاقت الملاحة الإيرانية خلال الأشهر الماضية، على أن يتم استكمال ذلك خلال ثلاثين يوماً.
وفي المقابل، التزمت إيران بضمان المرور الآمن للسفن التجارية وتأمين انسياب حركة النقل البحري عبر المضيق، بما يطمئن الأسواق الدولية والدول المستوردة للطاقة.
لكن تحذيرات الحرس الثوري تكشف أن الخلافات لم تعد تدور حول مبدأ فتح المضيق أو إغلاقه، بل حول الجهة التي تمتلك سلطة تنظيم الملاحة داخله. فمن وجهة النظر الإيرانية، لا يمكن القبول بترتيبات بحرية تتجاهل دورها أو تنتقص من نفوذها في الممر الذي يمثل أحد أبرز عناصر قوتها الجيوسياسية.
وأما بالنسبة للدول الخليجية والعديد من القوى البحرية الدولية، فإن أمن الملاحة في هرمز ينبغي أن يستند إلى قواعد القانون الدولي وحرية المرور دون أن يكون خاضعاً لقرارات أحادية من أي طرف.
ويبدو أن هذه المعضلة كانت حاضرة منذ صياغة مذكرة التفاهم نفسها. فالاتفاق لم يقتصر على إعادة فتح المضيق، بل نص أيضاً على إطلاق حوار يضم إيران وسلطنة عمان والدول المطلة على الخليج من أجل وضع آلية طويلة الأمد لتنظيم الملاحة والخدمات البحرية في المضيق.
وكان الهدف من هذا الحوار إيجاد إطار مستدام يحد من احتمالات وقوع أزمات جديدة، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن التوصل إلى توافق حول هذه الآلية لن يكون مهمة سهلة.
وتزداد حساسية الملف في ظل الجدل الذي أثير خلال الأسابيع الماضية بشأن احتمال فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق بعد انتهاء الفترة الانتقالية التي تمتد ستين يوماً.
ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن لاحقاً أن إيران أبلغت واشنطن بعدم نيتها فرض أي رسوم في الوقت الراهن، فإن التصريحات الإيرانية الأخيرة أعادت تسليط الضوء على مسألة السيطرة على الممرات البحرية وآليات إدارتها.
وكان ترامب قد أكد الأربعاء أن فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز أمر غير مقبول بالنسبة للولايات المتحدة، وهو موقف يتوافق مع رؤية دول الخليج التي تعتبر أن أمن الملاحة يجب أن يبقى خدمة جماعية ومصلحة دولية لا ترتبط برسوم أو قيود إضافية قد تؤثر في حركة التجارة والطاقة العالمية.
المرور الآمن عبر مضيق هرمز لا يمكن أن يتم إلا من خلال المسارات التي تحددها السلطات الإيرانية وأي ترتيبات جديدة يتم الإعلان عنها دون تنسيق مسبق مع طهران تشكل تهديداً للسلامة العامة للملاحة البحرية.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى المضيق باعتباره أكثر من مجرد ممر مائي دولي. فالمضيق يشكل إحدى أهم أوراق النفوذ الاستراتيجي التي تمتلكها طهران في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.
وعلى مدى عقود استخدمت القيادة الإيرانية التهديد بإغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه كوسيلة للرد على الضغوط والعقوبات الغربية. ولذلك فإن أي ترتيبات تقلص من قدرة إيران على التأثير في حركة العبور قد تُنظر إليها داخل المؤسسات الأمنية الإيرانية باعتبارها انتقاصاً من أدوات الردع الوطنية.
وتأتي هذه التطورات أيضاً في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إظهار أن الاتفاق الأخير نجح في إعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية. فقد أعلن وزير الطاقة الأميركي كريس وايت أن عودة تدفقات النفط العالمية إلى مستوياتها الطبيعية واجهت تأخيراً بسبب الألغام البحرية التي زرعتها إيران خلال الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن السلطات الإيرانية لن تكون قادرة مستقبلاً على إغلاق المضيق أمام حركة الملاحة الدولية.
وأشار الوزير إلى عبور 72 سفينة ونحو 20 مليون برميل من النفط عبر المضيق خلال أربع وعشرين ساعة فقط، في إشارة إلى بدء تعافي النشاط الملاحي وعودة جزء كبير من حركة التجارة البحرية التي تعطلت خلال الأشهر الماضية.
غير أن التحذيرات الأخيرة الصادرة عن الحرس الثوري تهدد بإثارة مخاوف جديدة لدى شركات الشحن والتأمين البحري. فهذه الشركات لا تراقب فقط مستوى التهديدات العسكرية، بل تتابع أيضاً وضوح القواعد المنظمة للملاحة.
وكلما ازدادت التناقضات بين الأطراف المعنية بشأن إدارة الممرات البحرية ارتفعت كلفة التأمين والشحن، حتى وإن بقي المضيق مفتوحاً رسمياً أمام العبور.
وفي هذا السياق، تبدو سلطنة عمان أمام مهمة دقيقة تتمثل في الحفاظ على دورها كوسيط بين مختلف الأطراف. فمسقط كانت من أبرز الجهات التي ساهمت في إنجاح التفاهم الأميركي الإيراني، كما أنها تمتلك مصلحة مباشرة في ضمان استمرار انسياب الملاحة عبر المضيق.
ولهذا السبب اتفقت عمان وإيران هذا الأسبوع على مواصلة المحادثات بشأن إدارة حركة الملاحة والخدمات المرتبطة بها مستقبلاً، في محاولة لاحتواء أي خلافات قد تتفاقم خلال المرحلة المقبلة.
ولا يعكس تحذير الحرس الثوري الإيراني مجرد خلاف فني حول الممرات البحرية، بل يكشف عن صراع أوسع يتعلق بمن يملك حق إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
وبينما نجحت مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية في إنهاء الحرب وفتح المضيق مجدداً، فإن الجدل الحالي يظهر أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن، مع انتقال الأطراف من مرحلة وقف المواجهة العسكرية إلى مرحلة إعادة صياغة قواعد الأمن والملاحة في الخليج.
ومن دون تفاهم واضح حول هذه القواعد، قد يبقى مضيق هرمز عرضة لتوترات متكررة تهدد استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.