أربيل (إقليم كردستان العراق)- أعاد تجدّد الخلافات والتراشق السياسي بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان العراق، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، جهود تشكيل حكومة جديدة للإقليم إلى مربع الجمود، وذلك بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2024.
ومنذ ذلك الحين لا يزال البرلمان المنتخب معطلا بصورة شبه كاملة بسبب عدم استكمال تشكيل هيئته الرئاسية وبنيته المؤسسية، فيما تواصل الحكومة الحالية أداء مهامها وسط تشكيك سياسي وقانوني في مدى دستورية بعض القرارات التي تصدر عنها باعتبارها حكومة تسيّر الأعمال في مرحلة انتقالية طالت أكثر من المتوقع.
وكما جرت العادة في الحياة السياسية العراقية منذ عام 2003، يدور الخلاف بين الحزبين حول تقاسم المناصب ومواقع النفوذ داخل مؤسسات الحكم. ويطالب الاتحاد الوطني الكردستاني بزيادة حصته في السلطة تحت عنوان تصحيح مسار إدارة الإقليم وإعادة التوازن إلى مؤسساته، بينما يتمسك الحزب الديمقراطي الكردستاني بنتائج الانتخابات التي منحته الأفضلية السياسية باعتباره الفائز الأكبر بحصوله على 39 مقعدا من أصل 100 مقعد في البرلمان، مقابل 23 مقعدا للاتحاد الوطني و15 مقعدا لحراك الجيل الجديد.
وجاءت شرارة الخلاف الأخيرة إثر مبادرة أطلقها الاتحاد الوطني الكردستاني في محاولة لتحريك المشهد السياسي الراكد، عبر التوجه نحو بناء تحالف مع حراك الجيل الجديد، أملا في إعادة تشكيل موازين القوى البرلمانية والسياسية بما يمنحه أوراق ضغط إضافية في مواجهة منافسه التقليدي الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وأثارت تصريحات أدلى بها المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني كاروان كزنيي، خلال إعلانه عن التحالف المرتقب، غضب الحزب الديمقراطي الكردستاني بعدما اتهمه بالتفرد في إدارة الإقليم واحتكار القرار السياسي، وحمّله مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة.
وقال كزنيي خلال مؤتمر صحافي إن حزبه “لن يساوم على حقوق شعب كردستان”، مؤكدا تمسكه بـ”تصحيح مسار إدارة الحكم في إقليم كردستان وإجراء إصلاحات حقيقية في آليات الإدارة”.
وأضاف أن “سياسة فرض الإرادات والإقصاء لا تخدم استقرار الإقليم، بل تتسبب بخسائر سياسية وإدارية لكردستان”.
وأشار إلى أن “بداية شهر يوليو المقبل ستشهد توقيع اتفاق سياسي بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحراك الجيل الجديد”، محملاً الحزب الديمقراطي الكردستاني مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة الجديدة.
وأكد في الوقت نفسه أن الاتحاد الوطني لا يزال يتطلع إلى تشكيل الحكومة بالشراكة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على أساس ما وصفه بـ”الشراكة الحقيقية والتوافق السياسي”، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية تمارس مهامها بوصفها حكومة تصريف أعمال إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.
وردّ الحزب الديمقراطي الكردستاني على تلك التصريحات ببيان شديد اللهجة أصدره المتحدث باسمه محمود محمد، قال فيه إن “من الأفضل للاتحاد الوطني أن يراجع نفسه في استخدام بعض المصطلحات غير اللائقة، لأن لعدم رد الحزب الديمقراطي حدوداً”.
وأضاف البيان أن الحزب الديمقراطي وجد نفسه مضطراً إلى الرد “انطلاقاً من شعوره بالمسؤولية القومية والوطنية ومن أجل منع التضليل وكشف الحقائق”، وذلك رداً على ما وصفه بـ”الأقاويل والتضليلات” التي وردت في تصريحات متحدث الاتحاد الوطني عقب اجتماع قيادة الحزب في 21 يونيو 2026.
وذكر البيان أنه “بعد انتخابات الدورة السادسة لبرلمان كردستان، وفي الوقت الذي كثف فيه الحزب الديمقراطي زياراته ومفاوضاته لتفعيل البرلمان وتشكيل الكابينة الحكومية الجديدة، بدأ الاتحاد الوطني بإضاعة الوقت من خلال تعطيل انتخاب رئاسة البرلمان وعدم المضي في تشكيل الكابينة العاشرة”.
واتهم البيان الاتحاد الوطني بعدم الإيمان بنتائج العملية الانتخابية، قائلا إن قياداته “بدأت بخلق الأعذار لتبرير تعطيل المؤسسات”، مضيفا أن رئيس الاتحاد الوطني سبق أن أعلن بشكل علني أنه لا يؤيد تشكيل المؤسسات الشرعية المنبثقة عن الانتخابات.
كما شدد المتحدث باسم الحزب الديمقراطي على أن “الاستحقاق الانتخابي يقاس بالشرعية التي يمنحها الشعب”، معتبرا أن نتائج الانتخابات تعكس حجم التمثيل الشعبي الحقيقي لكل حزب، وأن الحزب الديمقراطي حظي بثقة الناخبين لأنه يمثل بالنسبة إليهم الضامن لمكتسبات إقليم كردستان.
وأضاف البيان أن “القول الصحيح الوحيد في تصريحات متحدث الاتحاد الوطني هو أن سياسة فرض الإرادة تلحق الضرر بالإقليم”، معتبرا أن الاتحاد الوطني هو الطرف الذي يحاول تجاوز نتائج الانتخابات وفرض نفسه على المعادلة السياسية رغم عدم امتلاكه الأغلبية الشعبية أو البرلمانية.
ويعكس هذا التراشق المتصاعد حجم الصعوبة التي تواجه مساعي التوصل إلى تفاهم بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة الجديدة أمرا بالغ التعقيد. فالانتخابات الأخيرة لم تمنح أي طرف أغلبية مطلقة تتيح له تشكيل الحكومة منفردا، ما يجعل التوافقات السياسية والتحالفات أمرا لا مفر منه.
غير أن الأزمة الحالية تتجاوز مجرد الخلاف على توزيع المناصب، إذ تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي القائم في الإقليم والعراق عموما، حيث تحولت الديمقراطية التوافقية من آلية لإدارة التعددية السياسية إلى إطار دائم للمساومات وتقاسم النفوذ. وبدلا من أن تفضي الانتخابات إلى حسم سياسي واضح، أصبحت تفتح جولات جديدة من التفاوض على الحصص والامتيازات، الأمر الذي يطيل أمد الفراغ المؤسسي ويضعف فاعلية مؤسسات الحكم ويجعل تشكيل الحكومات رهينة حسابات القوى المتنافسة أكثر من ارتباطه بنتائج صناديق الاقتراع.