ينطلق الخطاب من فرضيّة أنّ هناك وحدة صلبة داخل الطائفة الشيعيّة، عبّر عنها بمصطلح “البيئة الحاضنة”، وهي صيغة لطالما استخدمها “الحزب” لتوصيف قاعدته الاجتماعيّة. غير أنّ الخلل الأساسيّ في هذا الخطاب لا يكمن في مواقفه، بل في منطقه الداخليّ: الانتقال الصامت من التحدّث باسم “بيئة” أو “جمهور” إلى ادّعاء الكلام باسم “الطائفة”، أي تحويل التمثيل إلى احتكار، والتعدّد إلى وحدة مفترضة، وهو ما يعني عمليّاً مصادرة التعدّد داخل الجماعة، وإلغاء الفارق بين الأكثريّة المفترضة وبين “الكثير” من المعترضين. الفارق كبير بين “الجماعة الشيعيّة” وبين “الكثير” منها والذي هو مع “الحزب”.
ليس هذا الفارق نظريّاً. داخل المجتمع الشيعيّ اللبنانيّ تيّارات فكريّة وسياسيّة متباينة: من يؤيّد خيار المقاومة بوصفه أولويّة وجوديّة، إلى من يرى فيه عبئاً على الدولة، إلى من يعارضه جذريّاً ويطالب بإعادة الاعتبار للسيادة الوطنية. يحوِّل تجاهل هذا التنوّع الخطابَ من تمثيل إلى احتكار، ومن تعبير إلى إقصاء.
اللّغة سلطة: كيف يُصنع “الإجماع”؟
حين يقول الشيخ الخطيب “شعبنا” في معرض حديثه عن المواجهة، فهو لا يستخدم توصيفاً حياديّاً، بل يوسّع دائرة الانتماء السياسيّ لتشمل جماعة كاملة. حين تُقرن هذه العبارة بمصطلح “البيئة الحاضنة”، وهو مصطلح راسخ في أدبيّات “الحزب”، يصبح الانتقال مكتملاً: من جمهور محدّد إلى “شعب”، ومن خيار سياسيّ إلى هويّة جمعيّة.
بهذا المعنى، لا يعود هناك فرق بين من يؤيّد خيار المقاومة ومن ينتمي إلى الطائفة أو يتناسل منها. إنّه إلغاء للفارق بين الاجتماعيّ والسياسيّ، فتُختزل الجماعة في موقف واحد، ويُعاد تعريفها وفقه.
ينسحب الأمر نفسه على مفهوم “الوحدة الوطنيّة” كما يطرحه الخطاب. لا تُعرض كفضاء مفتوح للتعدّد، بل كشرط مسبق يقوم على تبنّي سرديّة محدّدة: رفض المفاوضات، وتبنّي تعريف بعينه للصراع. هكذا تتحوّل “الوحدة” من إطار جامع إلى أداة معياريّة: من ينتمي إليها يلتزم شروطها، ومن يخرج عنها يُدفع خارجها.
أمّا الثنائيّات التي يبنيها الخطاب، “العدوّ” في مقابل “الأدوات”، فتمثّل الذروة في هذا البناء اللغويّ. لا تكتفي بتحديد الخصم الخارجيّ، بل تنقل الصراع إلى الداخل، حيث يصبح كلّ اختلاف قابلاً لأن يُقرأ امتداداً للعدوّ. هنا يقصد المجلس الشيعيّ مبرّر وجوده، إذ إنّ تأسيسه تمّ على قاعدة أنّه يمثّل الشيعة بكلّ أطيافهم معارضين وموالين، رجال دين ورجال دنيا.
خطاب مكتوب خارج الجغرافيا اللّبنانيّة
واحدة من أبرز سمات كلمة الشيخ الخطيب هي لغتها السياسيّة، التي بدت أقرب إلى أدبيّات إقليميّة منها إلى خطاب لبنانيّ داخليّ. الإشادة الصريحة بالدور الإيرانيّ، اعتبار وقف إطلاق النار نتيجة “للموقف الإيرانيّ الصلب”، واستحضار القيادة الإيرانيّة بوصفها مرجعيّة عليا، كلّها مؤشّرات إلى أنّ مركز الثقل في الخطاب ليس في بيروت، بل في طهران.
ما هي الحيثيّات التي تفرض على البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن يلتقيه في بكركي؟
من الخطاب إلى النّظريّة: ما هي “المسألة الشّيعيّة”؟
الحال هذه، يمكن النظر إلى كلمة الشيخ علي الخطيب بوصفها تجسيداً لما بات يُعرف بـ”المسألة الشيعيّة”. غير أنّ هذه المسألة تحتاج إلى تعريف يتجاوز الوصف السياسيّ المباشر.
يمكن القول إنّ “المسألة الشيعيّة” هي أزمة ناشئة عن التوتّر بين الانتماء إلى الدولة الوطنيّة والانخراط في مشروع إقليميّ ذي مرجعيّة عابرة للحدود. وهي أزمة لا تتجلّى في الولاء بمعناه البسيط، بل في تداخل مستويات ثلاثة: سياسيّ (ازدواج القرار)، رمزيّ (تعدّد المرجعيّات)، واجتماعيّ (انقسام الجماعة).
تتغذّى هذه المسألة من سرديّتين متوازيتَين: واحدة تتحدّث عن تهميش تاريخيّ ونضال من أجل العدالة، وأخرى تربط هذا الحراك بمشروع إقليميّ تقوده إيران. غير أنّ ما يغيب في الخطابين معاً هو الاعتراف الصريح بأنّ الطائفة الشيعيّة نفسها ليست كتلة واحدة. داخل هذه الطائفة، في لبنان كما في غيره، أصوات معارضة لخيارات “الحزب”، تنتقد انخراطه في الحروب الإقليميّة، وترى في سلاحه عبئاً على الدولة لا ضمانة لها. ليست هذه الأصوات هامشيّة، لكنّها تُقصى رمزيّاً عبر الخطابات التي تدّعي التحدّث باسم “الجميع”. إنكار هذا التعدّد لا يلغي وجوده، بل يدفعه إلى الهامش، حيث يتحوّل إلى توتّر مكتوم داخل الجماعة نفسها.
في هذا المناخ، لم تعد “المسألة الشيعيّة” نقاشاً نظريّاً، بل أصبحت واقعاً سياسيّاً يوميّاً تتقاطع فيه المخاوف والاتّهامات والهويّات.
درس لبنان الكبير: الاندماج خيار
ليست هذه المرّة الأولى التي يواجه فيها لبنان سؤال الانتماء المُركّب. في مطلع القرن العشرين، طُرحت “المسألة المسيحيّة” في سياق انهيار السلطنة العثمانيّة وتدخّل القوى الأوروبيّة. كان المسيحيون، لا سيما الموارنة، أمام خيارين: الانكفاء ضمن كيان خاصّ، أو الانخراط في مشروع أوسع يقوم على الشراكة. آنذاك، اختار المسيحيّون “لبنان الكبير” مع الرهان على إمكانيّة العيش المشترك، وهو ما أسّس لفكرة أنّ التعدّد لا يُحَلّ بالإلغاء، بل بالتنظيم.
حاول الإمام موسى الصدر لاحقاً أن يؤسّس لحضور شيعيّ داخل هذا الإطار، عبر ربط الهويّة الشيعيّة بالدولة. غير أنّ المسار الحاليّ يبدو وكأنّه يسير في الاتّجاه المعاكس: من الاندماج إلى التموضع خارج الدولة.
لا تكمن المشكلة في كلمة الشيخ الخطيب في ما يقوله فقط، بل في ما يؤسّس له. حين تُختزل الطائفة في خيار واحد، وتُربط بهذا الشكل بمحور إقليميّ، لن يؤدّي ذلك إلى تعزيز موقعها، بل إلى تعميق عزلتها.
الأخطر من ذلك أنّ هذا المسار يضع الشيعة اللبنانيّين أمام معادلة قاسية: إمّا الاندماج الكامل في مشروع لا يملكون قراره، أو الدخول في صراع مفتوح مع محيطهم الداخليّ. في الحالتين، تكون الخسارة مزدوجة: للدولة وللطائفة معاً.
تحذير من طريق بلا عودة
إنّ الاستمرار في تحويل جماعات كاملة إلى امتدادات لمحاور إقليميّة، وتبرير ذلك بخطاب تعبويّ أو دينيّ، لن يؤدّي إلّا إلى نتيجة واحدة: تفكيك فكرة الدولة نفسها.
لا يحتمل لبنان، بتاريخه وتركيبته، هذا المسار طويلاً، ولا يمكن لأيّ طائفة، مهما كانت قوّتها، أن تحمي نفسها عبر الخروج من الدولة وعليها. لا يمكن لأيّ دولة أن تستمرّ إذا تحوّلت جماعاتها إلى كيانات موازية.
ما يُطرح اليوم بوصفه حماية قد يتحوّل غداً إلى عزلة. وما يُقدَّم كقوّة قد ينقلب إلى مأزق. الأخطر أنّ هذا المسار، إذا استمرّ، لن يترك مجالاً للاختيار لاحقاً، لأنّه، ببساطة، طريق يُسلك مرّة واحدة… ولا يمكن العودة منه.
بين “الجميع” و”الكثير”، بين الدولة والمحور، بين التمثيل والاحتكار، يتحدّد مستقبل “المسألة الشيعيّة” في لبنان والعالم العربيّ. يبقى السؤال مفتوحاً أمام نخبها ومفكّريها: هل يكون الخيار نحو مزيد من الانغلاق أم نحو أفق أوسع من الشراكة الإنسانيّة؟
