
لا يمكن لخيرات العلم الإنساني أن تؤتي ثمارها إن لم تكن مترافقة ومشتبكة بوعي حاد على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي في مجتمع بعينه
(اندبندنت عربية)..
ملخص
مع توسع الدجل الطبي وانتشار الوعي الزائف، تأسست سلسلة قنوات تلفزيونية خاصة متخصصة في ذلك المجال، قنوات تقدم برامج يتابعها الملايين، وتُبث على الأقمار الاصطناعية العالمية الكبرى، وتدفع حقوق البث، وتعمل بكل وضوح ودون تستر. تبث سمومها في وضح النهار وسواد الليل دون رادع، وتقدم الدواء ضد العقم وضد السرطان وضد الأمراض العصبية وضد مرض السكري وضد العجز الجنسي… قنوات تنشر مثل هذه الثقافة الظلامية من خلال الترويج لأدوية وهمية تُستهلك من دون رخصة من مخبر موثوق أو مرجعي، تشرف على توزيعها وبصورة طبيعية وعلنية شبكات توزيع معروفة، ويحدث هذا كله أمام صمت الدولة وهيئات الرقابة على التلفزيونات.
لا يزال العقل العربي مرتبكاً كثيراً، لا يعرف رسم الحدود ما بين منطقة العلم ومربع الشعوذة ومساحة الدين، وعدم التمييز هذا هو علامة من علامات التخلف وصورة من صور اختلاط الفصول.
إن كل مجتمع يتأسس تحت سلطة عقل جمعي يفسر كل شيء بالدين أو بالخرافة، هو مجتمع مختل ومعرض في مسيرته التاريخية لمختلف الهزائم السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية وحتى الرياضية. والمجتمعات العربية والمغاربية هي من هذا القبيل، إذ إننا نلاحظ وباستمرار، كلما اكتشف العلماء في الغرب اكتشافاً جديداً في علوم الأحياء أو علوم الفيزياء أو الطب أو الفضاء، خرج علينا رهط من الدعاة حاملي لواء الدجال، وما أكثرهم، وملأوا الشاشات وأغرقوا وسائل التواصل الاجتماعي بخطبهم الغارقة في بلاغة القرون الوسطى، مرددين ملء فيهم لأتباعهم الذين رهنوا لهم عقولهم وجيوبهم: انظروا وعوا، إن هذا الاكتشاف الفيزيائي أو الطبي أو التكنولوجي الذي اكتشفه الغرب الكافر موجود في النص الديني المقدس، ثم يقوم بلي عنق آية كريمة أو حديث نبوي شريف بتأويل مثير، حتى ليبدو هذا النص المقدس وكأنه مختبر كيماوي أو محطة فضائية أو مصنع لتصميم وصناعة الروبوتات الخاصة بالجراحات الطبية الدقيقة.
يمكننا أن نتفهم وأن نتقبل هذا التداخل الإبستيمي بين العلم والسحر والدين الذي كان حاصلاً في العصور القديمة، إذ كانت الصدفة طريقاً من طرق الاكتشافات الطبية أو الفيزيائية أو الكيماوية، وبذلك كان يختلط الخطاب الديني بالعلمي والسحري والأدبي، وكانت البلاغة الأدبية أكبر من البلاغة المفاهيمية العلمية أمام واقع كانت التجارب الكيماوية فيه جزءاً من خلطات السحر، والسحر جزء من الطب، وعلم التنجيم جزء من علم الفيزياء الفضائية، كل هذا كان مقبولاً وطبيعياً تاريخياً، نظراً إلى أن الإنسان لم يكن يملك وسائل بحث دقيقة ولم يكن العقل البشري قد حقق تراكماً كافياً في باب الاكتشافات العلمية النظرية والتطبيقية، أما اليوم وقد دخل العالم الحديث منطقة خطرة وحساسة من الاكتشافات المذهلة التي تفوق الخيال بكثير، فمن المفروض أن يتراجع منسوب السذاجة والغباء الاجتماعيين، وكم من المفروض أيضاً أن نشهد ارتفاعاً في تجليات الوعي الجماعي العام بقضايا المحيط والصحة.
لا يمكن لخيرات العلم الإنساني أن تؤتي ثمارها إن لم تكن مترافقة ومشتبكة بوعي حاد على المستوى الاجتماعي والسياسي والثقافي في مجتمع بعينه، وللأسف ما نلاحظه هو أن مجتمعاتنا قد حققت خطوات واضحة في العمران وفي توريد التكنولوجيا، لكن هذه الأخيرة تُعاش كقيمة استهلاكية أكثر منها قيمة حضارية عضوية، وهذا ناتج من تراجع الوعي بها فلسفياً وثقافياً واجتماعياً، وكلما كان الوعي بالتكنولوجيا وعياً استهلاكياً سمح هذا الوضع للدجالين بالاستثمار فيها واستعمالها كحيلة للسيطرة على عقول الناس والاستحواذ على أكبر نسبة من القطيع البشري.
يحدث هذا في القرن الـ21!
أستغرب كيف يسمح لأحد الدجالين بافتتاح عيادة خاصة بمداواة المصابين بالسحر، ويحضر مراسم الافتتاح شخصيات سياسية وثقافية واقتصادية مرموقة، والغريب في الأمر أن تصبح هذه المؤسسة وفي ظرف قياسي مقصد آلاف الناس من كل جهات الوطن، ومن كل الأعمار ومن كل الطبقات الاجتماعية. كيف يحدث هذا في بلد يضم 100 جامعة ومدارس عليا للذكاء الاصطناعي والرياضيات؟ والأدهى والأمر هو أن يكون من زبائن عيادة الدجل هذه، دكاترة وأساتذة جامعيون ومن رجال السياسة والمال والأعمال الذين بيدهم مصير البلد.
اختلط الحابل بالنابل!!
مع توسع الدجل الطبي وانتشار الوعي الزائف، تأسست سلسلة قنوات تلفزيونية خاصة متخصصة في ذلك، قنوات تقدم برامج يتابعها الملايين، وتبث على الأقمار الاصطناعية العالمية الكبرى، وتدفع حقوق البث، وتعمل بكل وضوح ودون تستر. تبث سمومها في وضح النهار وسواد الليل دون رادع، تقدم الدواء ضد العقم وضد السرطان وضد الأمراض العصبية وضد مرض السكري وضد العجز الجنسي… قنوات تنشر مثل هذه الثقافة الظلامية من خلال الترويج لأدوية وهمية تستهلك من دون رخصة من مخبر موثوق أو مرجعي، تشرف على توزيعها وبصورة طبيعية وعلنية شبكات توزيع معروفة، يحدث هذا كله أمام صمت الدولة وهيئات الرقابة على التلفزيونات التي تتحرك فقط إذا ما تكلم أحد في نقد هذا النظام أو ذاك، أو إذا ما قبَّل ممثل ممثلة في مسلسل اجتماعي، هنا تقوم القيامة وكأن الوطن كله في خطر.
وللأسف فإن قنوات الدجل الطبي هذه تقدم هذه العقاقير السامة دائماً في غلاف يطبعه الخطاب الديني، وبالاتكاء المشبوه على بعض الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي يتم إخراجها عن سياقها الصحيح، كل ذلك لكسب ثقة المريض المغفل.
وعادة ما يغتنم رؤوس الدجل الطبي حالة بعض الزبائن من المواطنين المرضى الذين فقدوا كل أمل، بعد أن تعذر عليهم مراجعة المستشفيات الكبرى واستشارة الأساتذة المتخصصين، فيصبحون فريسة سهلة لامتصاص أموالهم وأكل لحومهم أحياءً.
ومن مفارقة العصر التكنولوجي هذا وحاله في بلداننا، أن تعددت قنوات “اليوتيوب” وأصبح كل من هب ودب من الأطباء الدجالين قادراً على فتح قناة خاصة به، ينشر من خلالها ما يريد دون رقيب، وفي ظرف أعوام قليلة برزت في الساحة ظاهرة “طب الأعشاب”، ومع تعدد الأمراض الناتجة من التوحش في الاستهلاك، أصبحت هذه السوق مربحة، فكثر تجار طب الأعشاب، وأصبح بائع الحناء الورقية البارحة طبيباً يقدم وصفات طبية للمرضى الذين يعانون أعقد الأمراض، من السرطان إلى تساقط الشعر مروراً بالعجز الجنسي والعقم، والسكري، وتكبير الأعضاء الجنسية للرجال، وتكبير الأرداف للنساء…
وفي ظل هذه الفوضى التكنولوجية، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي هي الأخرى إلى منصات لجيش من المشعوذين الذين نصبوا أنفسهم أطباء يلبسون البزة الطبية ويفتون في نظام الغذاء ونظام النظافة وصحة الأسنان وثقافة المعاشرة، كل ذلك أيضاً في خطاب يتلبس المفردات الدينية حتى يسحب إليه ملايين المتابعين، وإذا كان هؤلاء الدجالون الطبيون ينهبون ما في جيوب متابعيهم وما بقي في عقول هؤلاء من بصيرة، فإنهم من وراء ذلك يخدمون شركات رأسمالية كبيرة عابرة للقارات متخصصة في المأكولات والمشروبات والألبسة…
سلطة الدولة أولاً وأخيراً
أمام هذه الفوضى الطبية المعممة والسامة التي تجتاح العالم العربي وشمال أفريقيا، والتي باتت ظاهرة واضحة المعالم بالنسبة إلى العام والخاص، يُطرح السؤال الجاد والمحرج وهو كيف نضع حداً لهذا الخراب الذي يلحق بحياة الأفراد والمجتمعات والمؤسسات؟
حفاظاً على صحة المواطن العقلية والجسدية، على الدولة أن تفعل وبصورة صارمة أجهزة الرقابة المتخصصة بالاتصال وبالصحة، فمؤسسات الدولة المتخصصة هي التي تتحمل مسؤولية حماية المواطن من جميع الأخطار بما فيها خطر هذا الدجل الطبي الزاحف، وفي معركتها هذه عليها أن تتحلى بالجرأة الاجتماعية في ردع هذا الخطر احتراماً لكرامة المواطن وتقديراً لصورة الوطن واجلالاً لعقل الإنسان الذي خصه الله به، وتشترك مؤسسات أخرى في هذه المعركة النبيلة كالمدرسة والجامعة والمسجد والمسرح والسينما والموسيقى والأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني.