د. فالح الحمــراني… جريدة المدى
شهدت العاصمة التركية أنقرة في السابع والثامن من تموز 2026 انعطافة حاسمة في منظومةالأمن العالمي، حيث أطلق حلف شمال الأطلسي صياغة استراتيجية جديدة أعادت رسم خارطة التوازنات الجيوسياسية في القارة الأوروبية والعالم، مكرساً مفهوماً جديداً لآليات المواجهة. وبموجب الإعلان الختامي الصادر عن هذه القمة، أعلن الناتو رسمياً تحولاً جوهرياً في عقيدته الدفاعية عبر إقصاء الصيغ الدبلوماسية التقليدية. وكرست قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة مكانة روسيا كتهديد رئيسي، مخصصة خمسين مليار دولار لعسكرة الجناح الشرقي، وهو ما وصفته وزارة الخارجية الروسية بأنه مسار غير مسؤول يهدف إلى الصدام. وانتقدت روسيا تحركات الحلف معتبرة إياها محاولة للتغطية على الانقسامات الداخلية، مشيرة في الوقت ذاته إلى مناورة تركيا التي حافظت على وضعية الوسيط وعرقلة السيناريوهات الأكثر راديكالية.
ويأتي الدور التركي في خطط حلف شمال الأطلسي ضد روسيا ليمثل أحد أعقد المحاور الجيوسياسية التي أفرزتها قمة أنقرة (تموز 2026)، حيث يتسم هذا الدور بازدواجية تجمع بين الالتزام العسكري الصارم للحلف والبراغماتية الحذرة تجاه موسكو. فمن جهة، ترسخ تركيا مكانتها كحصن استراتيجي ومركز لوجستي لا غنى عنه في الجناح الجنوبي للناتو، مساهمة في تعزيز القدرات الاستخباراتية الشاملة عبر دمج أراضيها في منظومة المراقبة الجوية الجديدة القائمة على طائرة “صعب غلوبال آي” النظام المحمول جوًا المتطور جدًا للإنذار المبكر والسيطرة الجوية الذي تنتجه شركة “ساب» (Saab) السويدية للدفاع والأمن طائرات والمسيرات المتطورة “تريتون” لرصد التحركات الروسية. ورغم موافقة أنقرة على الإعلان الختامي الذي يصنف روسيا كمهدد أوحد وعلى ميزانية الردع الصاروخي البالغة خمسين مليار دولار، إلا أنها تمارس مناورة مضادة تمنع تحويل أراضيها إلى منصة انطلاق مباشرة أو هدف حيوي للمنظومات الدفاعية الروسية، رافضة عسكرة البحر الأسود بشكل مطلق عبر التمسك الصارم ببنود اتفاقية “مونترو” التي تقيد دخول السفن الحربية التابعة للقوى الغربية غير المتشاطئة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، مما يساهم مفارقةً في نزع فتيل الصدام المباشر بين الناتو وروسيا.
أن استضافة أنقرة لهذه القمة تحديداً سلطت الضوء على الدور التركي الفريد والمعقد في تفكيك منطلقات الناتو المتطرفة؛ حيث مارست الدبلوماسية التركية مناورة استراتيجية بالغة الدقة عكست رغبتها في الحفاظ على وضعية “الوسيط الضروري” بين الشرق والغرب. ورغم توقيع أنقرة على الإعلان الختامي التزاماً بواجباتها العضوية في الناتو، إلا أنها حرصت خلف الكواليس وفي تصريحاتها الموازية على تخفيف حدة الاستقطاب، حيث سعت القيادة التركية إلى ضمان ألا تؤدي منظومات الردع الجديدة في الجناح الشرقي إلى إغلاق قنوات الاتصال المباشرة مع موسكو، محاولةً صياغة دورها كجسر دبلوماسي يمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة في البحر الأسود.
وفي المقابل، جاء الرد الإستراتيجي والسياسي من موسكو ليعكس رفضاً مطلقاً لهذه المقاربة الغربية القائمة على الضغوط والإملاءات، مع إبداء تفهم نسبي لطبيعة الموقف التركي المحرج كعضو في الناتو؛ حيث أكد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، غريغوري كاراسين، أن روسيا نجحت في استعادة مكانتها الراسخة كقطب دولي فاعل لا يمكن تجاوزه، مشدداً على أن كافة المحاولات الغربية الرامية لمحاصرة المصالح الروسية سواء عبر الضغوط المباشرة أو الالتفافية لن تفلح في ثني موسكو عن حماية أمنها القومي وحقوقها السيادية الحيوية. وتلاقت هذه الرؤية السياسية مع التقييم الأكاديمي الصادر عن خبراء المجلس الروسي للشؤون الدولية، والذين وصفوا إعلان أنقرة بأنه وثيقة أيديولوجية أملتها حسابات سياسية مؤقتة، مؤكدين أن القمة اتسمت بطابع فني وتقني تجميلي يهدف بالدرجة الأولى إلى تصفية الخلافات الداخلية بين واشنطن وبروكسل، دون أن تقدم القمة أية رؤى عملية أو حلول واقعية يمكنها تفكيك الأزمة الراهنة في شرق أوروبا، مع الإشارة إلى أن اختيار أنقرة كموقع للقمة يعكس اعتراف الحلف بوزن تركيا الجيوسياسي وقدرتها على التأثير في الملف الروسي. وبهذا المشهد المعقد، تؤكد معطيات قمة أنقرة دخول النظام الدولي مرحلة متقدمة من الاستقطاب، حيث استبدل الحلف لغة الدبلوماسية بخطط الاحتواء الشامل، واضعاً القارة الأوروبية برمتها أمام ملامح حرب باردة جديدة تتسم بغياب قنوات الاتصال الفعالة وانفتاح الاحتمالات على مزيد من التصعيد والتسلح المستمر، في ظل اختبار حقيقي ومستمر لقدرة تركيا على الحفاظ على حبل التوازن المشدود بين التزاماتها الأطلسية وشراكتها الاستراتيجية والاقتصادية مع روسيا.
لم يكن تحول استراتيجية الناتو مجرد تبديل في الأدبيات السياسية للحلف، بل تُرجم فوراً إلى حزمة من الإجراءات التنفيذية ذات الطابع المالي والعسكري الصارم، شملت تخصيص ميزانية استثنائية تقدر بنحو خمسين مليار دولار لتطوير ونشر منظومة صاروخية حديثة قادرة على تعزيز الدفاعات على طول الجناح الشرقي المحاذي للأراضي الروسية. وتكاملت هذه الخطوة الصاروخية مع مساعي تشديد الرقابة الجوية والسيطرة الاستخباراتية عبر إقرار صفقات تسليح ضخمة لاقتناء طائرات الاستطلاع المسيرة المتطورة من طراز “تريتون” إلى جانب طائرات الإنذار المبكر “صعب غلوبال آي” لفرض عين راصدة ومستدامة على التحركات العسكرية للجانب الروسي. وفي موازاة هذا التحشيد الإقليمي، وبرز تحول نوعي في الموقف الأمريكي تجسد في تعهد الرئيس دونالد ترامب بمنح أوكرانيا ترخيصاً رسمياً يتيح لها توطين وبدء الإنتاج المحلي المستقل للصواريخ اعتراضية الشحيحة المخصصة لمنظومات “باتريوت” الدفاعية، وهو ما يمثل عملياً تحويلاً لبنية كييف العسكرية إلى قاعدة تصنيع مستدامة قادرة على تغذية الصراع بذاتها.
ويتضح أن الحلف اعتمد تكتيك “حصر العدو” كأداة سايكولوجية موجهة للمجتمعات الغربية بهدف صناعة حالة من الإجماع القومي حول ضرورة رفع الإنفاق العسكري وتبرير الميزانيات الدفاعية الهائلة، كما يكشف الموقف الأمريكي عن براغماتية حذرة تسعى من خلالها إدارة ترامب إلى تخفيف الأعباء المالية المباشرة عن الخزينة الأمريكية عبر دفع الأطراف الأوروبية لتمويل منظوماتها الذاتية، وتحويل أوكرانيا إلى خط دفاع أول يستنزف القدرات دون توريط مباشر لواشنطن، في حين وظفت أنقرة هذا التوجه الأمريكي لتعزيز مكانتها الإقليمية كقوة تصنيعية وعسكرية مستقلة قادرة على موازنة النفوذ الروسي دون الدخول في عداء صفري معه. ومن جهة أخرى، استخدم الحلف خطاب التصعيد واللغة الحادة تجاه موسكو كغطاء دعائي متقن للتعمية على الانقسامات البينية العميقة والخلافات الهيكلية التي تعصف بالعلاقات الأمريكية الأوروبية حول قضايا التجارة وإدارة الأزمات، مستدعياً الخطر الخارجي لترميم الشروخ الداخلية وتوحيد الصفوف، وهي خلافات تجد فيها تركيا مساحة للمناورة وتحقيق مكاسب استراتيجية خاصة بملفاتها الإقليمية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.