
في مقابلة صحافية، سألت صحافية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، طوني بلير، عن السبب الذي حدا به إلى المضي خلف الولايات المتحدة في حرب العراق، رغم معرفته المسبقة بأن نظام صدام حسين لم يكن يملك أسلحة دمار شامل محظورة. جاء جواب بلير عارياً وصادماً. لكنه أفصح، ربما للمرة الأولى، عن الميثاق المكتوم الذي قامت عليه العمارة الأمنية للغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. قال بلير ما معناه: كان الحليف الذي يحمينا يريد الدخول في حرب، ويصنع لها مبررات، ولم يكن يجدر بنا أن نتركه في هذه الحرب وحيداً.
بهذه الكلمات، شطب بلير عقوداً من المساحيق الدبلوماسية والخطابات الأخلاقية. فالحلف، في أصله غير المعلن، بُني على تقسيم إمبراطوري صارم للعمل: أميركا تحارب عسكرياً في الطين والواقع، والحلف يغطيها سياسياً ويمنح عنفها مسحة تعقيم أخلاقية وتحويلاً تكنوقراطياً، يحوّل الغزو إلى حفظ سلام. لقد أوفت أميركا غالباً بحصتها من هذا العقد: حاربت في فيتنام نيابة عن فرنسا، وفي كوريا نيابة عن أوروبا، وحسمت حرب يوغوسلافيا من الجو (عبر كولن باول)، لإنقاذ الأمن الاجتماعي الأوروبي من أمواج التهجير الطائفي، ومنع روسيا المتفككة من استعادة خطورتها. في المقابل، حين طالبت واشنطن بحصتها في العراق، تنصل الحلفاء وحاولوا إعاقة الإنجاز الأميركي. وحده بلير التزم بمنطق “الشريك الوفي” وصنع التغطية السياسية للسيد المحارب.
اليوم، في قمة الناتو الـ 36 المنعقدة في المجمع الرئاسي بأنقرة، يعود هذا الانفصام ليتكرر، ولكن بعد أن هتك دونالد ترامب الحجب الأيديولوجية بالكامل. ترامب يأتي إلى أنقرة ليسقط “وهم الطمأنينة الدبلوماسية”. يقصف إيران في الخليج ويشطب دعوات التفاوض التقليدية، معلناً موت الاتفاق الأخير معها، وفي الوقت نفسه يوجه انتقادات حادة للحلف، ويهجم بعنف على إسبانيا وبقية الدول التي اعتادت على التمتع بالأمن المجاني تحت المظلة الأميركية. ترامب يقول لأوروبا علناً إن الشرعية السياسية والبيانات التضامنية لم تعد عملة صالحة للصرف في ماكينة الحرب المعاصرة. التغطية السياسية لم تعد تكفي، ومن لا يدفع ثمن اشتراكه عبر الإنفاق المباشر والدعم اللوجستي، فلن يحصل على حق الشفقة أو الحماية.
هذا التحول الترامبي العاري من الأوهام يكشف عن حجم “العدوى الأوروبية” التي أصابت الإدارات الأميركية السابقة، التي بلغت ذروة تبلورها وقصر نظرها مع إدارة المحافظين الجدد، وامتدت حتى عهد جو بايدن. لسنوات طويلة، تبنت واشنطن الوهم الأوروبي القائل بإمكانية تصدير الديمقراطية الجاهزة ونشرها على ظهر الدبابات. كانت عدوى قائمة على قراءة قاصرة للمجتمعات وطبيعة الديمقراطية وشروط نجاحها؛ فالديمقراطية في نسختها الكلاسيكية (الأوروبية) تفترض أن الوحدة الأساسية للمجتمع السياسي هي “المواطن الفرد” الذي تتغير تموضعاته السياسية بتغير طبيعة الاقتصاد. في قراءة هذا التاريخ، كانت هناك دائماً فئة أو طبقة تبرز بوصفها الفئة التي لا غنى عنها. فيوماً ما كانت الطبقة العاملة هي الضرورة، وفي يوم آخر أصبحت الياقات البيضاء هي المحرك، ومرة حل التكنوقراط والمهندسون والمتعلمون في موقع الصدارة. بيد أن هذا الترتيب كان مشروطاً بالتجانس. لقد افترضت الديمقراطية الكلاسيكية مجتمعات متجانسة، بعد أن خاضت أوروبا تاريخاً طويلا من الإبادات والتهجير الشامل والاستقلال العرقي لتصفية الهويات القبلية والطائفية مسبقاً. كان بإمكان الأفراد أن يكونوا مجموعة أفراد في فرنسا لأن الجميع فرنسيون، لكنهم ما إن يحلوا في ألمانيا لأي سبب، حتى يفقدوا صفاتهم كأفراد ويتحولوا فورا إلى “فرنسيين غرباء”.
اليوم بوسعنا أن نلاحظ أن التغير الكوني اليوم ليس مزاجياً، بل هو تغير بنيوي يتجلى في حلول الأثرياء التكنولوجيين والعابرين للقارات محل التكنوقراط التقليديين، بوصفهم الطبقة والفئة الجديدة التي لا غنى عنها للعالم. هذا الإحلال يقلب شروط الديمقراطية رأساً على عقب. فهذه الفئة التكنولوجية الجديدة ليست قومية، ولا وطنية، ولا قبلية، وحين تحل في قلب المشهد، فإنها تسمح بطبيعة الحال بتكوين ديمقراطيات “معاصرة” في البلدان التي لا يوجد فيها تجانس كأوروبا. بهذا المعنى، لم يعد التجانس العرقي أو الثقافي سلاحاً حاسماً في تحقيق الديمقراطية أو منعها. إذ أصبحت الديمقراطية المعاصرة ممكنة التحقق في العراق مثلما هي ممكنة في أميركا، وفي المقابل، باتت قابلة للانهيار في البرتغال المتجانسة مثلما هي قابلة للانهيار في باكستان المتنوعة.
ما بات حاسماً اليوم في النسخة المعاصرة للديمقراطية والبقاء لم يعد الهوية أو النقاء، بل يتعلق حصرا بـِ “الدور”، وبإمكانية أن تكون كينونتك أو بلدك ضرورة لا غنى عنها للعالم ولحركته الاقتصادية الرقمية.
هذا التبدل الجوهري الأخير هو بالضبط ما لم تدركه إيران حتى اللحظة. إيران كانت، وما زالت إلى حد ما، ضرورية للعالم، ولهذا السبب تحديداً أُعطيت فرصاً ومناورات كثيرة في العقود الماضية. لكنها، مثلها مثل دول ومناطق أخرى كانت تظن نفسها فوق الاستبدال، يمكن للعالم اليوم الاستغناء عنها والعيش في غيابها التام إذا ما عطلت الماكينة. وهذا، للمفارقة، ما تعيشه بعض دول أوروبا اليوم. تلك الدول التي كانت حتى أمس القريب مركز المعاصرة وأكثر من ضرورية، فإذا بها اليوم تتحول إلى هوامش يمكن للقطار التكنولوجي العالمي أن يواصل سيره من دون الالتفات إليها.
بلغت العدوى الأيديولوجية القديمة هذيانها الأقصى حين أعلن بايدن، قبل وصوله إلى البيت الأبيض، أنه سيغير نظام أردوغان، وأنه لن يتسامح مع نظام الأمير محمد بن سلمان في السعودية، متوهماً أن بإمكانه محاكمة قادة المنطقة بناءً على كتالوج الأخلاق الأوروبي البائد. وطوال عقود، كانت أوروبا تضع تركيا أمام امتحانات مهينة في الديمقراطية، كلما حاولت الأخيرة فتح باب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، معاملة إياها كطالب مقصّر يجدر به تعديل سلوكه ليتجانس معها.
هنا يتجلى الدرس الأعمق الذي تغافلت عنه النخبة السياسية الأوروبية طويلاً، الذي تخفيه الآن تحت غبار خطاباتها الأخلاقية: فالديمقراطية في نسختها الكلاسيكية لم تقم على الفضيلة، بل على تجانس مصطنع أنتجته حروب الإبادة والتهجير التي خلصت أوروبا من هوياتها الصغرى، حتى صار الفرد وحدة سياسية قابلة للعدّ والترقيم. لكن هذا التجانس لم يمنع الانقسامات الداخلية، بل أعاد إنتاجها تحت عناوين جديدة. فصراع الطبقات اليوم لم يعد بين عمال ورأسماليين، بل بين تكنوقراط يريدون تنظيم العالم وفق كتالوج أخلاقي بائد، ورأسماليين جدد عابرين للقارات يقرأون الجغرافيا كشبكة وصلات لا كأوطان مقدسة. الأولون، وما زالوا معششين في جامعات أميركا وأروقة بروكسل، يمنعون شركات مثل BYD الصينية ليس لأنها تهددهم تنافسياً، بل لأنها “غير ديمقراطية”، متوهّمين أن بإمكانهم تجميد الزمن بقرارات جمركية. والآخرون، كإيلون ماسك، يمارسون منافسة شرسة داخل اللعبة نفسها، لأنهم يدركون أن البقاء لمَن يُحرّك العجلات، لا لمن يوزّع الشهادات الأخلاقية.
لكن في قمة أنقرة اليوم، يتهاوى هذا المنطق الأخلاقي الزائف تماماً. ترامب أتى لينهي العهد التبشيري ويضع معادلة واضحة وصريحة لجميع شعوب وكيانات المنطقة: “كونوا مسلمين أو يهوداً، عرباً أو أكراداً، رتبوا أنظمتكم وقبائلكم وطوائفكم على النحو الذي ترتأونه ودبروا شؤونكم الداخلية بأنفسكم. نحن لا نريد تحويلكم إلى مواطنين ليبراليين، ولا يعنينا شكل نظامكم، لكن عليكم الالتزام ككيانات بمحددات ومعايير دولية صارمة نحن نضعها: تأمين حرية الملاحة، تدفق النفط، وكف الأذى عن الماكينة الحديثة”.
من هذا المربع الترامبي الجديد، نرى كيف تحول الدور التركي اليوم إلى دور مقبول ومطلوب بل وممر إجباري للحلف بأكمله. لم يعد أحد في قمة أنقرة يسأل تركيا عن سجلها في الديمقراطية. بل يلتفت الجميع نحو أردوغان وهو يعلن استعداد بلاده لإزالة الألغام من مضيق هرمز وتأمين شريان الطاقة العالمي. في هذا العصر الجديد، بات الحلف يبحث عن كفاءة وظيفية ملموسة في الطين تؤمن “الضرورة العالمية”.
المأزق الحقيقي اليوم يقع على عاتق الإيرانيين، الذين يبدو أنهم ما زالوا يفكرون بعقلية زمن معارضي جورج بوش. يحسبون أن القصف الأميركي يستهدف قيمهم أو نظامهم، فيناورون باللغة الأيديولوجية القديمة ويهددون بإغلاق المضائق لجر واشنطن إلى طاولة المفاوضات. إنهم لا يدركون أن العالم قد تغير، وأن ترامب حين قصف وأعلن موت الاتفاق وشطب دعوات التفاوض، كان يسحب البساط من تحت أقدام الجميع. لم يعد هناك سفينة نوح دبلوماسية للإنقاذ الكوني، بل هناك ماكينة دولية تطالب بـ”امتثال تقني صارم”، ومن يعجز عن قراءة هذه المعاصرة القاسية والصلبة، ويعجز عن الحفاظ على دوره كـ”ضرورة”، سينكسر حتماً عند أول حادثة اصطدام، ليجد نفسه وحيداً في اللامكان، فوق ركام الأوهام الميتة.
وتأسيساً على ما سبق، لا يبدو مستغرباً أن يكون المأزق الإيراني هو أكثر المشاهد تعبيراً عن هذا التحول. فطهران ليست ككابول التي تُترك لتتدبر أمرها لأنها خرجت من دائرة الفائدة، بل هي تملك دوراً حقيقياً في شريان الطاقة العالمي، وهذا الدور بالذات هو ما منحها عقوداً من المناورة. لكن المفارقة أنها راهنت على أن هذا الدور غير قابل للتعويض، بينما العالم يعيد هندسة خرائطه بهدوء: خطوط أنابيب برية، وممرات حرير بديلة، وثورة في الطاقة الشمسية قد تجعل مضيق هرمز، يوماً ما، مجرد ممر اختياري.
إيران لم تفشل في قراءة قوتها، بل فشلت في قراءة أن القوة اليوم لا تعني التمسك بالدور كغنيمة، بل تعني تحديث هذا الدور باستمرار قبل أن يجد العالم سبيلاً إلى تجاوزه. ومن يعجز عن هذه القراءة، سواء كان دولة كبرى أو نظاماً عريقاً، سيجد نفسه مثل تلك الأقليات الأوروبية التي طردت في حروب التوحيد: خارج الخريطة، لا لأنه مختلف، بل لأنه لم يعد ضرورياً.