يفتتح الكاتب الجزائري سعيد خطيبي روايته أُغالِبُ مجرى النهر بمشهدٍ قاس، يقذف من خلاله القارئ إلى قلب التجربة، دون أن يُهيّئَه لولوج العالم السّردي، أو يمنحه مسافة تأمّل.

يُوهمنا خطيبي بأنّنا إزاء تحقيق في موت رجلٍ، ثمّ يقودنا بهدوء إلى منطقة أشدّ عمقاً.

تبدأ الرواية من جسد امرأة محاصرة في محبسها، «عقيلة تومي» التي تطوّقها شُبهةٌ تتعلّق بموت زوجها.

حرارة، عفن، وجوع، وذعر، وروائح، عناصر تؤسس منذ اللحظة الأولى لمناخ سردي خانق، وتُشكِّل صورة مركّزة لحياةٍ سبقت الجدران، نكتشف من خلالها أن السجن قائم في حياتها منذ زمن، في أشكال أقل وضوحاً توزّعت بين حياتها مع زوج قاسٍ، وعائلة يُثقلها الصمت، وبين عيادة مُهدّدة بالفضيحة، ومدينة تُراقب النساء بعين لا ترحم.

من سجن «عقيلة تومي» نرى صوراً مُتعدّدة تتراكم في الوعي وتترك أثرها في مسار الشخصية، ضمن حركة سردية تمضي من الظاهر الجنائي نحو تعرية أعمق للعنف الكامن في البنية الاجتماعية والذاكرة. لننفتح على مدينة كاملة محبوسة في ماضي «عقيلة» وخوفها وأكاذيبها.

عقيلة طبيبة العيون، تبدو في البداية ضحية زوج عنيف وتحقيق قاسٍ، لكنها شيئاً فشيئاً تصير مركزاً لدوامة أكبر منها، هي لا تعرف زوجها، ولا تعرف أخاها، ولا تعرف أباها، ولا تعرف حقيقة ريمة، ولا تعرف أن عيادتها التي تمنح البصر للآخرين قائمة فوق عتمة أخلاقية وقانونية.

المفارقة المُؤسِسة في الرواية، أن طبيبة العيون نفسها عمياء عن أقرب الناس إليها. هذا العمى بنية عامة، فالجميع يرى جزئياً، والجميع يُخفي، والجميع يتورط.

الرواية مشدودة إلى ثنائية البصر والعمى، عقيلة تزرع القرنيات، تَنتزِع من الموتى ما يمنح الأحياء القدرة على النظر. لكنها تفعل ذلك دون إذن أهل الموتى، مدفوعة بإيمانها بأنها تُحيي البصر.

يضعنا السرد في مأزق، هل يكفي القصد النبيل لتبرير انتهاك الجسد؟ عقيلة ترى نفسها ملاكاً طبياً، لكن القانون يراها مُنتهِكة لحرمة الموتى، والمجتمع يراها سارقة لأعضاء الجثث. الطب في الرواية فضاء ملتبس؛ إنّه يمس الموت، المال، الرغبة، السمعة، السلطة. أمّا المشرحة فهي قلب الرواية المظلم، فيها تتقاطع الأسرار، وفيها يعمل مخلوف، ومنها تأتي القرنيات، ومنها تبدأ الشبهات.

ينقلنا الكاتب من المحبس إلى فضاء التحقيق، ويفتح مساراً جديداً لا يقلّ توتراً عن سابقه، تُقاد عقيلة تومي إلى غرفة يجلس فيها المحقق جمال درقين، جسدها منهك، وعيها مثقل، تُحاول أن تستعيد توازنها مقابل سلطةٍ تُمارس فعلها عبر السؤال والتدوين، يُقدّم هذا المشهد نظاماً مختلفاً من الضغط؛ فالمحبس اعتمد الاختناق الحسي، أمّا التحقيق في حضرة جمال درقين يقوم على برودة منهجية.

يدوِّن، يقاطع، يُعيد السؤال، يتجاهل تعليق المتهمة حين يلزم، معتمداً على تفكيك الكلام وإعادة ترتيبه، يُشعر محدّثته بأن كل كلمة قابلة للانقلاب عليها.

تحت هذا الضغط، تتردّد عقيلة في أقوالها بين الإفصاح والمراوغة، تُحاول تثبيت صورة عن نفسها: طبيبة ناجحة، زوجة أدّت ما عليها، امرأة لم تقترف ما يستوجب هذا الوضع، ومع ذلك تتسرّب من كلامها شقوق دقيقة تكشف عمق توترها، خصوصاً عند الحديث عن مخلوف، تصف العلاقة بعبارات مقتضبة، تذكر الخلافات من غير تفصيل، تتجنب الانفعال المباشر، غير أن نبرة الحذر نفسها تُشير إلى ما تُخفيه أكثر مما تُظهره.

يستدعي التحقيق الماضي عبر أسئلة محدّدة تدفع الذاكرة إلى الظهور في مقاطع متقطعة، يتداخل زمن الاستجواب مع زمن الحياة الزوجية والعمل، وتبدأ الرواية في بناء سرديتها بين الحاضر والماضي.

ومع توسّع التحقيق، تنفتح أمام القارئ مساحة المشرحة التي كانت تقصدها عقيلة في محل عمل زوجها مخلوف، تفاصيل يومية باردة، مخلوف طبيب شرعي يفحص الجثث، وعقيلة تستأصل قرنيات الموتى بأدواتها الحادة. مشهد يُقدَّم لبيان طبيعة العمل الذي تُمارسه الشخصية، فهي تُجاور الموت باستمرار، ينعكس هذا الجوار على العلاقة بين الزوجين، حيث يزداد التباعد بينهما.

شخصية مخلوف لا تتضح دفعة واحدة. في البداية نعرفه زوجاً قاسياً، يضرب عقيلة ويُهينها لأنها لم تنجب ذكراً. ثم نعرفه طبيباً شرعياً يعمل مع الجثث، يملك سلطة على الموتى، كما يملك سلطة على زوجته. ثم يتكشف لاحقاً أنه رجل ذو حياة سرّيّة، يستغل ريمة، يتظاهر بأعماله الخيرية النبيلة في جمعية الأيتام، ويُخفي نزواته خلف صورة الطبيب المحترم. هنا تبرز قدرة خطيبي على تفكيك صورة الرجل الصالح اجتماعياً. مخلوف في الخارج متبرع، طبيب، معاون للشرطة، رجل نافع للمؤسسة. لكنه في الداخل زوج مُتسلّط ومستغل. إن موته لا يجعله بريئاً، كما أن سوءه لا يجعل قتله مبرراً. الرواية لا تمنحنا راحة أخلاقية سهلة.

تحت ضغط التحقيق تتّسع مساحة الاسترجاع الزمني، لتستحضر الشخصية مشاهد من عملها؛ عيادة تستقبل مرضى بوجوهٍ قلقة، عمليات زرع قرنية تُنجز تحت رهبة الفشل، حادثة فوزية المريضة التي تتهمها بإفساد عينيها، يتعاظم خوف عقيلة من انزلاقٍ مهني يُبدّد ما بنته. تظهر عقيلة في موقع الدفاع، تُحاول تثبيت كفاءتها، تشرح، تُبرّر، يتضح أن الضغط الذي تعيشه يمتد إلى مجال العمل، إذ ترتبط سمعتها بقدرتها على النجاة، فأيّ خللٍ محتمل يُهدّد موقعها كله.

تتكاثف خيوط الرواية: زواج يفرض حضوره، مجتمع يراقب، عمل محفوف بالمخاطر، وسلطة تحقق في كل ذلك. تقع عقيلة في قلب شبكة من الضغوط التي تتقاطع عندها، وتُشكّل صورتها من خلال أقوالها نفسها.

لا يُقدّم التحقيق مساراً لكشف الحقيقة بقدر ما يفتح فضاءً تُفكَّك فيه الشخصية أمام القارئ، تتحول الأسئلة إلى مفاتيح لاستحضار الماضي.

يشتدّ التوتر داخل عقيلة، ومع رغبتها الشديدة في التماسك يتسلل لوعيها الشعور بالانهيار، تُظهر ومضات غضبٍ مكتوم كلما ضاق عليها السؤال، ومع ذلك تُحافظ على نبرةٍ متحفظة، يُعيد المحقق ترتيب الوقائع ويضع كل تفصيلة في موضعها، يتسلل الشكّ إلى القارئ عبر هذا التفاوت بين الرواية الذاتية، وبين ما يُمكن أن يستنتجه المحقق، وهذا ما يُشعرنا أنّ الماضي نفسه يتطلّب مساءلة، فالموضوع ليس ذاكرةً خاصة وحسب.

ينقل سعيد خطيبي مركز الضغط من محبس عقيلة وغرفة التحقيق إلى فضاءٍ أنثويّ آخر أشدّ التباساً، حكاية ريمة وبابا ياقوت. هنا تتوسع الرواية خارج أزمة عقيلة الزوجية، وتدخل إلى منطقةٍ تكشف مصائر النساء اللواتي تدفعهن المدينة إلى العيش على حافة الفضيحة والخوف. ريمة تدخل عيادة عقيلة مرتبكة، محمولة على جَمالٍ هشّ وذعرٍ صامت، تحمل في رحمها سرّاً يُهدّد مأواها في دار بابا ياقوت، وتطلب خلاصاً لا تقوى على تسميته بصوت واضح. إنّ حضورها في الحكاية مرآة أخرى لعقيلة، كلتاهما محاصرتان، غير أن حصار عقيلة يأتي من الزواج والسمعة والتحقيق، أمّا ريمة فحصارها من الفقر والرغبة والاستغلال وجسدٍ صار عبئاً عليها. فحملها مأساة اجتماعية، انكشافٌ مفاجئ لامرأة لا تملك سنداً ولا بيتاً آمناً، والأشد وطأة من ذلك، أن العار يُطاردها.

ياقوت امرأة تُدير داراً للدعارة وتعرف قسوة الرجال والمال والفضيحة، لكنها في الوقت نفسه تُمارس سلطتها الخاصة على النساء اللواتي احتمينَ بها. من خلالها تفتح الرواية باباً على عالمٍ سُفليّ في المدينة، يُقدّمُه الكاتب كحصيلة مباشرة للفقر والجوع والرغبة الذكورية والتفاوت الاجتماعي. وعندما نعرف لاحقاً أن خيط ريمة يتصل بمخلوف وبميلود وبياقوت، تتّسع الحكاية اتساعاً خطيراً؛ فموت مخلوف لا يبقى حادثاً معزولاً عن جسد عقيلة وحياتها الزوجية، ها هو يدخل في دائرة أوسع من العلاقات السرية والديون الأخلاقية والانتقام الصامت. مع كل فصل في الرواية ينكشف سرٌّ يصدم القارئ ويُدهشه في آن معاً، لم تَعد عقيلة وحدها تحت الضوء فقد انفتح حولها أرشيفٌ كاملٌ عن النساء المكسورات: الزوجة، العشيقة، المومس، الأم، الحماة، الطبيبة، وكل واحدة منهنَّ تحمِل شكلاً مختلفاً من الخوف.

يَتكثّف السرد حول تلاقي مسارين ظلّا متوازيين، مسار التحقيق الذي يُديره جمال درقين، ومسار الحكايات الجانبية التي انفتحت مع ريمة وبابا ياقوت، إذ تبدأ الإشارات المُتفرّقة في الالتحام داخل صورةٍ أشدُّ تعقيداً، حين يستدعي التحقيق أسماءً وعلاقاتٍ تمتدّ خارج دائرة البيت، وأصبح اسم مخلوف حلقة ضمن شبكةٍ خفية تربطه بعالمٍ سفليّ تجتمع فيه الرغبات والديون والوساطات، وهو ما يدفع عقيلة إلى إعادة النظر في تفاصيل كانت تمرّ بها مروراً عابراً؛ زياراته غير المُفسَّرة، انشغالاته الطويلة، صمته الذي ظنّته طبعاً أصيلاً فيه. تلتقي هذه الشذرات في وعيها على هيئة احتمالٍ مُقلقٍ، فحياتها معه كانت تجري على سطحٍ يُخفي تحته مساراتٍ أخرى لم تبلغها.

وفي مواجهة هذه المعطيات، يتغيّر موقع عقيلة داخل التحقيق؛ حيث تحوّلت من امرأة مُتهمة إلى عقدة تتجمّع عندها خيوط متشعّبة، ما يدفع جمال درقين إلى تشديد أسئلته، والانتقال من الوقائع العامة إلى التفاصيل الدقيقة، فيسأل عن معرفة محتملة بريمة أو ببابا ياقوت، عن زياراتٍ أو لقاءات، عن أيِّ صلة يُمكن أن تُفسّر هذا التشابك، تتراجع عقيلة إلى موقع الدفاع، تنفي ما لا تعرفه، وتتردّد فيما يُمكن أن يجرّها إلى التورّط.

عقيلة في المقابل، ليست ضحية نقية، تكمن قوتها في تعقيدها. هي خائفة ومقهورة، لكنها متعالية أحياناً، قاسية في أحكامها على النساء الأخريات، مشدودة إلى السمعة، ومشاركة في نظام أخلاقي يُدينها هي نفسها. تتعاطف مع ريمة لكنها تُحاكِمها. تخاف من طلاقها لأن المجتمع سيَصِمُها بصفة مطلقة، تريد إنقاذ مرضاها، لكنها تقبض مالاً وتُخفي مصدر القرنيات، تحب ابنتها مينة، لكنها لا تراها دائماً كما ينبغي. لذلك فإن عقيلة شخصية مأزومة، تعيش داخل النظام الذي يظلمها وتُعيد أحياناً إنتاج منطقه ذاته.

تُمثّل كلٌّ من سلوى وريمة – في أفق تجربة عقيلة تومي – بؤرة انجذاب مُلتَبس، تلوح فيها صورة حرية منفلتة تَستثير توقاً مكبوتاً وتُوقظ في الوقت نفسه قلقاً أخلاقياً حاداً.

عقيلة تنجذب إليهما جنسيّاً بما تُمثّلانه من إمكانية عيش آخر، يضيق بها لأنه قد يُقوِّض التوازن الهشّ الذي تُقيمه داخل الجماعة. تقتصر عاطفة عقيلة على إعجاب مكتوم يَشفّ عن رغبة في الاقتراب، وحذرٍ يدفع نحو الإدانة.

لا يغيب خطّ الأمومة عن حبكة الرواية، إذ يزداد ثِقله مع كل احتمالٍ جديدٍ، تتخيّل عقيلة أثرَ ما يحدث على ابنتها، على صورتها أمامها، وعلى مصيرها إن انقلب التحقيق إلى إدانة، تغدو (مينة) معياراً خفيّاً تقيس به كل ما يحدث، حتّى الأمومة أصبحت عبئاً أخلاقيّاً يُضاعف من حدة القلق، لأن الخسارة هنا تعني فقدان الزوج واحتمال فقدان الابنة أيضاً.

تتقدّم الرواية نحو منطقةٍ أشدُّ التباساً، إنّها سلسلة من الجرائم الصغيرة والكبيرة، حيث تتداخل الحكايات، وتتقاطع المصائر، ويكشف التحقيق ببطءٍ عن عالمٍ يظلّ مفتوحاً على احتمالاتٍ مُتعددة، ولا يَستقرُّ على تفسير واحد.

تقف عقيلة في وضعٍ بالغ الحساسية، حيث لا تملك ما تنقض به السرد الذي يُبنى ضدّها سوى ذاكرتها، غير أنّ هذه الذاكرة نفسها فقدت صلابتها، إذ تعرّضت خلال مسار التحقيق لتفكيكٍ مستمرّ جعلها تتردّد بين ما عاشته فعلاً وما صار يُنسب إليها، فنشأ داخلها شرخٌ بين إحساسها بذاتها كما تعرفها، وصورتها كما تُقدَّم أمامها، وهي لحظةٌ لا تقوم على الانفعال الظاهر بقدر ما تقوم على إدراكٍ بطيء بأن السيطرة على الحكاية قد انتقلت من يدها إلى يدٍ أخرى تُعيد كتابتها وفق منطقٍ مختلف، تتراجع قدرتها على تثبيت معنى واحد لما حدث، في قبولٍ ضمني بأن الحقيقة لم تَعد ملكاً خالصاً لها، وهنا نشعر ببداية انهيارها.

على المستوى الاجتماعي، تتكرّس صورة عقيلة داخل محيطها في هيئةٍ مُلتبسةٍ لا تَقلّ قسوة عن التحقيق نفسه؛ الأرملة التي فقدت زوجها في ظروفٍ غامضة، والمرأة التي تُحيط بها الشُبهات، والطبيبة التي تهتزّ سمعتها تحت وطأة الأخبار المتداولة، فتتداخل هذه الصور في وعي الآخرين لتُشكّل حكماً غير معلن، يُوازي الحكم القانوني في أثره، ويجعل موقعها داخل الجماعة هشّاً معرّضاً للانزلاق في أي لحظة.

الرواية لا تَفصِل مأساة المرأة عن مأساة التاريخ، فالعنفُ الزوجي الذي تعيشه عقيلة يأتي من تراث ذكوري طويل، الأب عزوز قاسٍ مع زوجته، والزوج مخلوف ضربَ عقيلة، والأم قمرة تنصح ابنتها بالصبر والمراقبة لا بالتمرد. فالبيت مؤسسة ضبط بدل أن يكون ملاذاً آمناً. تنتقل عقيلة من سلطة الأب إلى سلطة الزوج، وكلّما فكّرت في الهرب يلاحقها خوفها على سمعتها، حتّى الأمومة لا تُنقذها، بل تزيد من قيدها. عقيلة لا تخاف على نفسها من السجن بقدر ما تخاف على ابنتها (مينة) التي ترسم أمها بلا عينين «باش ما تشوفنيش». هذه الجملة تختصر مأساة البصر كلها، الطفلة لا تريد أمّاً مُنشغِلة عنها طوال الوقت.

ريمة أكثر الشخصيات مأساوية، في البداية تبدو فتاة هامشية تعمل في دار بابا ياقوت، حاملاً تُريد التخلّص من جنينها. ثم تنكشف حقيقتها، هي ابنة ميلود المخفية، وحبيبة مخلوف المخدوعة، وضحية زوج أم اعتدى عليها، ونِتاج سلسلة طويلة من الإنكار. ريمة ضحية أنسابٍ مطموسة ورجال تخلوا عن مسؤولياتهم، ليست ساقطة كما يراها المجتمع. الرواية تجعل من جسدها موضعاً لتقاطع كل السلطات، الفقر والجنس والأبوة والاستغلال، والفضيحة. فحملها انفجار لأنساب وأكاذيب مؤجلة.

ميلود شخصية صامتة تحمل إحدى أكثر العقد سواداً، هو أخ عقيلة، المُمرض، الرجل الهادئ، إنه أبٌ لريمة دون أن تعلَم، يقع في هوى ابنته.

هنا تبلغ الرواية ذروتها التراجيدية، السرُّ العائلي لا يبقى سراً، إنه يتحول إلى قدرٍ مشوَّه، ميلود يُكرر خطيئة عزوز الذي أنجب بدوره ابناً من ياقوت وتخلّى عنه. هكذا تنتقل الخطيئة بين الأجيال، أب يُخفي ابناً، وابن يُخفي ابنة، ثم يعود الإنكار في صورة سِفَاح المحارم، ما لا تعترف به العائلة يعود ليُحطمها.
ندخل من خلال شخصية عزوز التى تتطوّر من أب هامشي لتُصبح مركز ثقل الرواية التاريخي والأخلاقي إلى الذاكرة الوطنية في النص. عزوز مناضل سابق، شارك في الحرب العالميّة الثانية، وفي تحرير الجزائر، لكنه اتُّهم بالعمالة لأنه رفض قتلَ أخيه. هكذا تكشف الرواية قسوة الذاكرة الرسمية التي لا تحتمل الالتباس، إمّا بطلٌ وإمّا خائنٌ. الوشم (الكيّة) على ظهره ختم العار الذي وضعه الوطن على جسد أحد أبنائه. إنه يخاف الموت خشية افتضاح أمره، وأن ترثَ عائلته وصمته.

من خلال سيرة حياة عزوز نتعرّف على عنف ما بعد الاستقلال، الثورة الجزائرية التي قاومت الاستعمار تتحوّل في بعض وجوهها إلى سلطة انتقام. شهلة البرق مثالٌ بالغ التعقيد، فهي مناضلة فدائية وبطلة في الذاكرة العامة، لكنها أيضاً شاركت في تعذيب عزوز. الرواية لا تنزع عنها بطولة المقاومة، لكنها ترفض تحويل البطولة إلى حصانةٍ أخلاقيةٍ. المظلوم قد يصير جلاداً حين يملك سلطة العقاب. وبذلك تتجاوز الرواية السرد الوطني التمجيدي إلى سرد ذاكرة مضادة، ذاكرة المنبوذين والمستبعدين والذين لم يجدوا مكاناً في كتب البطولة.

دار بابا ياقوت من أهم فضاءات الرواية. ظاهرياً هي دار دعارة، أي مكانٌ مدانٌ أخلاقياً. لكنها في العمق أرشيفُ المدينة السريُّ. فيها يلتقي المنبوذون، وتُحفظ الأسرار، وتنكشف الأنساب، وتظهر حقيقة الرجال. ياقوت حارسة الذاكرة غير الرسمية. تعرفُ رجالَ الشرطة، الزبائن، المناضلين، الفتيات، العائلات، والأسرارَ التي لا تجرؤ المدينة على إعلانها. المفارقة أن المكان المدان اجتماعياً أكثر صدقاً من المؤسسات المحترمة. في دار ياقوت نعرف ما تُخفيه البيوت والعيادات والجمعيات والمخافر.

لكن هذا الهامش لا ينجو من العنف، الاعتداء على دار ياقوت يكشف صعود أخلاق عقابية جديدة، تتذرع بالطُهر وهي تُمارس أبشع أشكال الانتهاك. الملثمون الذين يضربون النساء ويُمثلون بأجسادهن لا يختلفون جوهرياً عن الرجال الذين يستغلونهنَ ثم يحتقرونهنَ. الرواية هنا ترصد مجتمعاً يتلذذُ بمعاقبة الجسد الأنثوي، سواء باسم الرجولة أو الدين أو الشرف أو القانون. النساء في الرواية لا يملكنَ أجسادهنَّ، الزوج يضرب، الزبون يستغل، الطبيب يجهض، المجتمع يفضح، والشرطة لا تحمي إلا حين تريد.

الجريمة المركزية تسميم مخلوف، تتوزّع بين احتمالات عدة، نوسة صانعة الأعشاب التي قد تكون سمّمته انتقاماً لقريبها (عكّوري)، والذي يُمثّل نموذج المناضل المُلتبس أو الضحية التي أعادت السلطة كتابة قصتها. هو شاهد على توزيع صكوك البطولة والخيانة بعد انتهاء المعركة. ومن خلال حكاية عكّوري، يُشير خطيبي إلى آلية أوسع في المحاكمات الأخلاقية بعد تحرير الجزائر. مخلوف الطبيب الشرعي رأى وشم (الكيّة) الخيانة على ظهره بعد وفاته، وفضحه.

ولربّما قتله ميلود انتقاماً لما فعله مخلوف بريمة ابنته وعشيقته، أو تامر الذي ابتزه وكرهه، ربّما قتلته ياقوت التي تعرف تفاصيل اللقاء، أو ريمة التي كانت ضحيةَ وعدِهِ الكاذب. لكن الرواية لا تهتم بالقاتل بقدر اهتمامها بالبيئة التي جعلت القتل ممكناً. مخلوف كان رجلاً يملك أعداء كثيرين لأن حياته نفسها كانت شبكة اعتداءات. لذلك فإن موته يبدو نتيجة طبيعية لعالم مسموم.

مدينة بوسعادة شخصية كاملة في الرواية، مدينة عطشى، فقيرة، مضطربة، تتزين مؤقتاً للانتخابات والتلفزيون، بينما داخلها متآكل. إنها مدينة تنتقل من استعمار قديم إلى خراب جديد، من عنف سياسي إلى عنف اجتماعي، من جوع مادي إلى جوع رمزي.

يُمثّل بودو الخلاص المستحيل، هو صديق عزوز القديم ورفيقه في نضاله، صحافيّ مشهور يعمل في التلفزيون الجزائري العام، ومنتفع من عفو الحكومة عن شخصية مثله، عزوز يريده شاهداً على براءته، وعقيلة تريده بوابة لمشروع كلية الطب. موته في حادث سير مثل مخلوف، يضاعف عبثية القدر. كأن الرواية تقول إن من ينتظر خلاصه من مؤسسة أو رجل نافذ أو شاشة، سينتظر طويلاً، الاعتراف ببراءة عزوز وإنصافه لا يأتي، وإن جاء يأتي في صيغة رسالة باردة «سنحيل الأمر إلى الجهات المعنية». هذه البيروقراطية هي شكل آخر من أشكال الموت.

من جهة البناء، الرواية تقوم على التشظي والتناوب بين الأصوات، البنت، الأب، التحقيق، الذاكرة، الحاضر، الماضي. هذا التفكُّك تعبير عن عالم لا يُمكن فهمه بخط مستقيم. الحقيقة لا تأتي كاملة، إنّما على شكل شظايا، كل شخصية تملك جزءاً، وكل جزء يُغيّر معنى ما سبقه. السيارة الصفراء، صورة مخلوف، قبعة شابلن، مبيد الفئران، القرنية، الكيّة، كل تفصيل صغير يتحول لاحقاً إلى مفتاح. الرواية تبني حبكتها كما يبني التحقيق ملفه، عبر تراكم القرائن لا عبر إعلان الحقيقة.

لغة الرواية قاسية، حسيّة، مشحونة بالروائح والحرارة والقذارة والعرق والدم والموت. إنها لغة لا تُجمّل الواقع. نشتم منها رائحة المدينة، رائحة المشرحة، الزنزانة، العرق، المستشفى، القهوة، الحشيش، الغبار، الصرف، الجثث. هذا الحضور الحسيُّ يمنح النص كثافة مادية، كأن القارئ يلمس هذا الخراب بيديه، كما أن تداخل الفصحى مع لغة الجزائر العاميّة يمنح الشخصيات صدقها الاجتماعي. إن استخدام الروائي للحكم الشعبية والأمثال يوضح لنا طريقة تفكير الشخصيات التي تفهم العالم عبر أمثال موروثة، بعضها يُبرّر العنف وبعضها يكشف العجز.

يقوم السرد على تقشّف محسوب في الوصف، فتتقدّم آثار الأشياء على ملامحها. الأمكنة تُدرك عبر ما تُحدثه في الشخصيات من ضيق أو انفراج، من رهبة أو أمان، إذ نجد أنّ التجربة هي وسيطنا للرؤية. نحن نرى الشخصيات عبر احتكاكها ببعضها؛ كل واحدة تُعرّف الأخرى بما تخلّفه فيها من أثر، فيتشكّل الملمَح من داخل العلاقة..

يندفع السرد بكثافة في الأفكار وغزارة في الوقائع، تتوالى اللقطات وتتعاقب التحوّلات في إيقاع مشدود، فتتجاور الشذرات، وبين تقشّف الوصف وامتلاء الحدث تنفتح فسحة للمتلقي؛ هذا الاقتصاد السردي مُحرّك للتخييل، يترك مسافةً تُتيح للقارئ ملء الفراغات، واستكمال الصور، وإعادة ترتيب الخيوط.

هكذا تبلغ الرواية غايتها وتتركنا أمام خراب شامل، لا أحد بريء تماماً، ولا أحد مذنب وحده. الجريمة موزّعة مثل السمِّ في شرايين الجميع. ولذلك فإن اعتبار الرواية، روايةً بوليسية فقط ظلم لها. إنها رواية عن العمى الجماعي، عائلات لا ترى أبناءها، وطن لا يرى مناضليه المنبوذين، رجال لا يرون النساء إلا أجساداً أو عاراً، قانون لا يرى إلا التهمة، ومدينة لا ترى خرابها إلا حين يفوت الأوان.

إنها رواية عن الرؤية كعقاب، من يرى الحقيقة لا ينجو منها، ومن لا يراها يدفع ثمن عماه. وبهذا ننتقل من السؤال عمّن سمّم مخلوف؟ إلى سؤال من الذي سمّم الحياة كلها؟

قدّم سعيد خطيبي رواية كثيفة استحقت الجائزة العالمية للرواية العربية، مزجت الجريمة بالتاريخ، والطب بالأسطورة، والجسد بالسياسة، والعائلة بالوطن. رواية عن جزائر ما بعد الاستقلال، وهي تُواجه أشباحَها: أشباح الثورة، الحركى، النساء المُعنَّفات، الأيتام، الأجساد المُنتهَكة، والرجال الذين يدفنون أسرارهم في أبنائهم.