تعكس صحف النظام الإيراني الصادرة صباح 16 مايو/أيار 2026 صورة مركبة لأزمة متصاعدة تضرب بنية الحكم في إيران، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية المرتبطة بالحرب والمفاوضات مع أزمات اقتصادية واجتماعية داخلية وصراعات متزايدة بين أجنحة السلطة. وما يلفت الانتباه أن هذه الصورة لا ترسمها المعارضة وحدها، بل تظهر بوضوح من خلال المقالات والتحليلات المنشورة في الصحف المقربة من دوائر الحكم نفسها.
في الملف الخارجي، ركزت “صحيفة آرمان ملی” على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، معتبرة أنها تعكس حاجة واشنطن إلى إعادة ترتيب أوراقها الدولية، لكنها في الوقت نفسه أظهرت قلقاً إيرانياً من تحوّل بكين إلى طرف يوازن مصالحه مع الولايات المتحدة بدلاً من دعم طهران بصورة مطلقة. كما ناقشت الصحيفة تداعيات استمرار الضغوط الأميركية على الاقتصاد الإيراني وعلى موقع النظام الإقليمي.
هذا القلق تكرر أيضاً في “صحيفة جهان صنعت” و”صحيفة دنیای اقتصاد” اللتين تناولتا العلاقة بين مضيق تايوان ومضيق هرمز، مشيرتين إلى أن التوترات العالمية باتت مترابطة، وأن أي تصعيد طويل في الخليج قد يدفع القوى الكبرى إلى إعادة رسم طرق التجارة والطاقة العالمية بعيداً عن الاعتماد التقليدي على مضيق هرمز. ولفتت “صحيفة دنیای اقتصاد” إلى أن استمرار التوترات قد يدفع إلى تسريع مشاريع بديلة للممرات البحرية، ما قد يضعف تدريجياً الورقة الجيوسياسية التي يستخدمها النظام الإيراني.
وفي السياق نفسه، تناولت “صحيفة اطلاعات” الحديث عن احتمال تعاون إيراني–عماني في إدارة مضيق هرمز، لكنها أشارت إلى استمرار الغموض في الموقف العماني ووجود معارضة أميركية لهذا المسار، بما يعكس حدود قدرة طهران على فرض ترتيبات إقليمية جديدة.
أما على صعيد العلاقات الدولية، فقد أظهرت تغطية اجتماع “بريكس” في “صحيفة دنیای اقتصاد” حالة من خيبة الأمل بعد انتهاء الاجتماع من دون بيان قوي يدعم المواقف الإيرانية، في حين حاولت “صحيفة إيران” تقديم الاجتماع باعتباره مؤشراً على تنامي النفوذ الإيراني. غير أن غياب نتائج عملية عزز الانطباع بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع السياسي.
“صراع الأجنحة… أزمة تتسع“
داخلياً، بدت الخلافات داخل النظام أكثر وضوحاً من السابق. فقد انتقدت “صحيفة آرمان ملی” ما وصفته بـ”التكاليف التي يفرضها المتشددون على البلاد”، معتبرة أن بعض القوى السياسية تعرقل فرص تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية بسبب تمسكها بخيارات المواجهة الدائمة.
في المقابل، دافعت “صحيفة جوان” عن الخط المتشدد، معتبرة أن الأوروبيين “لا يملكون تأثيراً حقيقياً”، وأن تقديم تنازلات في الملفات النووية أو الإقليمية سيُفهم بوصفه ضعفاً استراتيجياً. وتعكس هذه التناقضات انقساماً واضحاً بين جناح يخشى آثار استمرار الأزمة الاقتصادية، وآخر يفضل سياسة التشدد حتى لو زادت العزلة الخارجية.
اقتصادياً، قدمت الصحف صورة قاتمة للوضع الداخلي. فقد وصفت “صحيفة جهان صنعت” الريال الإيراني بأنه “ضحية الهيمنة المالية”، محذرة من استمرار تراجع العملة الوطنية وتأثير ذلك على الأسعار والاستيراد. كما أشارت “صحيفة دنیای اقتصاد” إلى أن التجار يعملون في بيئة غير مستقرة، حيث تواجه عمليات الاستيراد والتحويلات المالية تعقيدات متزايدة.
وفي واحد من أكثر الأرقام دلالة، كشفت “صحيفة إيران” أن الاقتصاد الرقمي تكبد خسائر تُقدّر بنحو “700 ألف مليار تومان” نتيجة القيود والانقطاعات المتكررة في الإنترنت، ما أثر بصورة مباشرة على الشركات الصغيرة، والمنصات الإلكترونية، والخدمات الرقمية.
وفي ملف الإنترنت، دعت “صحيفة دنیای اقتصاد” إلى عودة الخدمة بصورة طبيعية، محذرة من آثار استمرار القيود على بيئة الأعمال. كما أظهرت الصحف استمرار الجدل حول “الإنترنت الخاص” أو “الطبقي”، في وقت تزداد فيه الشكاوى من تضرر الأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة.
اجتماعياً، تناولت “صحيفة دنیای اقتصاد” ما وصفته بـ”الأطلس غير المتكافئ لسكان طهران”، مشيرة إلى اتساع الفجوة بين المناطق الغنية والفقيرة، وانتقال أعداد متزايدة من السكان نحو أطراف العاصمة بسبب ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة صورة نظام يواجه ضغوطاً متزامنة من الخارج والداخل: حرب ومفاوضات غير محسومة، اقتصاد يترنح تحت العقوبات والتضخم، صراعات داخلية بين الأجنحة، واحتقان اجتماعي يتزايد مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل الثقة الشعبية. وبينما تحاول السلطة إظهار تماسكها، تعكس صحف صباح 16 مايو/أيار واقعاً مختلفاً: نظاماً يعيش مرحلة إنهاك مركب، تتسع فيها الأزمات أسرع من قدرته على احتوائها.