-
أحمد عبد الحليم… الجمهورية .نت
-
-
1.«السياسة الحيوية» هي، عند ميشيل فوكو، نمطٌ حديثٌ من أنماط السلطة يجعل الحياة نفسها – أي الأجساد، والصحة، والخصوبة، وتنظيم السكان – موضوعاً مباشراً للتدبير والضبط، لا مجرد إصدار الأوامر أو العقاب القانوني. وفي هذا الإطار، لا يعود الجسد مجرد فردٍ معزول، بل يصبح جزءاً من شبكةٍ من المراقبة والتنظيم والتطبيع يُدار عبرها السكان بوصفهم «كتلةً حيوية» قابلةً للقياس والإدارة.2.يرى خالد فهمي في كتابيه «السعي للعدالة» و«كل رجال الباشا» أن تَشكُّلَ الدولة المصرية الحديثة في القرن التاسع عشر ارتبطَ بإخضاع أجساد المصريين لسلطة مركزية متنامية، عبر التجنيد الإجباري، والضرائب، والعمل القسري، والرقابة الطبية والإدارية. جرى بناء المؤسسات بالتوازي مع تنظيم السكان وانتزاع طاقتهم الجسدية لخدمة مشروع الدولة. وهكذا صار الجسد الفردي مجالاً مباشراً لممارسة السلطة وإنتاج النظام. ويكشف ذلك أن الحداثة المصرية، أي الدولة، تأسست، جزئياً، على السيطرة على الإنسان وتطويعه عبر التهديد بالسجن.3.حالةُ الاستثناء: مفهومٌ قانونيٌّ وسياسيٌّ ارتبط بالفقيه الألماني كارل شميت، ويشير إلى اللحظة التي تُعلَّق فيها القواعدُ القانونيةُ العاديةُ بدعوى مواجهةِ خطرٍ استثنائيٍّ يهدِّد الدولة، حيث رأى شميت أن «السيِّد هو من يقرِّر في حالةِ الاستثناء»، أي إن جوهرَ السيادة يظهر في القدرةِ على تعليقِ القانون باسمِ حماية النظام. وقد طوَّرَ الفيلسوفُ الإيطالي جورجيو أغامبين هذا المفهوم، مُعتبِراً أن الاستثناء لم يعد ظرفًا مؤقَّتاً بل صار تقنيةَ حكمٍ دائمةً في الدول الحديثة، إذ تُدار الأزماتُ والطوارئُ عبر توسيعِ سلطاتِ الدولة وتقليصِ الحقوق، بما يجعل الحدودَ بين القانون والعنف أكثرَ التباساً.4. البانوبتيكون: نموذج معماري للعقاب والمراقبة صاغه الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام في أواخر القرن الثامن عشر، ويقوم على سجن دائري أو شبه دائري يسمح لحارسٍ واحد بمراقبة عدد كبير من السجناء من دون أن يعرفوا متى تجري مراقبتهم فعلياً. وقد استُخدم المفهوم لاحقاً، خاصة عند ميشيل فوكو، بوصفه استعارةً لآليات السلطة الحديثة القائمة على المراقبة الدائمة والانضباط الذاتي.
-
هذا النص مُهدى إلى أحمد دومة، وهو في زنزانته، وهي ليست زنزانة، هي الدولة.
*****
ينتصب السجن بوصفه أداة رئيسية لممارسة السلطة وإنتاج السيادة وضبط الأجساد في مصر، ويمكن ملاحظة هذا بسهولة من خلال تتبّع مقدار حضوره في يوميات المصريين وتعبيراتهم ومُنتجاتهم الثقافية. إن سبر أغوار الحُكْم في الدولة الحديثة يستوجب قراءة السجن باعتباره المُختبَر الأوّل الذي تُصاغ فيه علاقات الإخضاع وتُختبَر فيه تقنيات السيطرة؛ فهو يمثّل منظومةً مجتمعيةً كاملةً وفضاءً موازياً يمتلك قوانينه الحياتية الخاصة التي تهدف في جوهرها إلى إعادة خلق الذات الإنسانية لتتلاءم مع متطلبات بقاء وهيمنة النظام القائم. يمتدّ هذا التأثير من خلف الجدران الخرسانية ليطبع الفضاء العامَّ بطابعه، فيغدو المجتمع مرآةً مُكبَّرةً للزنزانة، وتتحول الزنزانة إلى وحدة قياس مرجعية لمدى نجاعة السلطة في ضبط الحراك الثقافيِّ والسياسيِّ.
تستند السيادة في هذا السياق إلى مفهوم «السياسة الحيوية» (Biopolitics)، وفقاً للفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو»، حيث يتحول الجسد السجين إلى مادة خام لإعادة التشكّل والإنتاج الذاتي/السياسيِّ، فالسجن هو التجسيد الماديُّ للجسد المُقيَّد والمراقَب والمُهندَس. 1 من هنا، تبرز مركزية مقولة «السياسة هي الجسد»، والجسد في السجنِ يظلُّ مُحاصَراً بصورة أبدية؛ إذ تُدار أدقُّ التفاصيل البيولوجية للسجين، من حركته الموقوتة وصولاً إلى وظائفه الحيوية، في رسالة رمزية مَفادُها أنَّ السلطةَ هي المالك الوجوديّ لهذا الكيان. هذا التداخل العميق يُفسِّر بقاء السجنِ كبنية تحتية لا غنى عنها للمجالِ السياسيِّ المصريِّ عبر تاريخه المعاصر، وخصوصاً في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.
يستقصي هذا المقال، بإيجاز، الجذور الفلسفية للسجن منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، مع تكثيف النظر في تحولات ما بعد عام 1952، ثم الانتقال نحو تفكيك موقعِ السجن في إنتاج السلطوية الحالية. كما يتناول دوافعَ تشبُّث النظام بالسجن كآلية أساسية للقمع، واستنزاف أعمار الآلاف من المواطنين عبر استراتيجيات «التدوير» والاعتقال المتكرر، مُستحضِراً حالات رمزية مثل «أحمد دومة» و«سيد مشاغب» كنماذج شاهدة على هذا النزق السلطويِّ. ويختتم المقال بربط هذه المنهجية بالتحولات الإقليمية والدولية منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، وما رافقها من صعود «دونالد ترامب»، بوصفها بيئةً تمنح القمع مبررات الاستمرار وتُرسِّخُ دورَ السجن في إدارة الصراع.
الجذور التاريخية والتمثُّلات الثقافية للعقاب
تتشابك الجذور التاريخية والتمثُّلات الثقافية للعقاب في الوعي المصري لتُشكل فضاءً يتجاوز مفهوم الردع التقليدي، نحو «تنميط الكينونة» وصناعة الهوية القسرية، إذ جاء ميلاد الدولة المصرية الحديثة في القرن التاسع عشر مُقترِناً بمحاولة حثيثة لتدجين القوة البشرية وصياغتها كأدوات وظيفية تخدم طموحات «الميتافيزيقا السيادية» لمحمد علي باشا؛ فقد غدا الجسد المصري مادةً خاماً لبناء المؤسسة العسكرية، الجيش المصري الحديث، بحسب ما طرحه المؤرخ المصري خالد فهمي في كتابَيه كل رجال الباشا والسعي للعدالة. لقد تحوَّلَ السجن إلى أداة عصرية لفكِّ الارتباط بالأنماط القروسطية للعقاب، التي كانت تعتمد على «فُرجَوية الألم» أو التنكيل العلني. 2 تبنّى هذا العمرانُ العقابي الجديد «النموذجَ الانضباطي»، الذي يسعى لعزل الجسد وتوجيهه داخل «هندسة الطاعة»، مُستمِداً شرعيته من احتكار العنف الرمزي والمادي داخل فضاءات مغلقة، وهو ما حوَّلَ السجن من مجرد مكان للاحتجاز إلى ركيزة أساسية في بناء «المواطن الخاضع» الذي يستشعر الرقابة حتى في غياب الرقيب، مُتمثِّلاً بذلك قيم السلطة طوعياً.
وعلى نسق موازٍ، مثّلَ السجن في مصر تاريخاً مُمتداً من الصراع الوجودي بين السلطة والمعارضة؛ إذ تعود جذور «التسييس العقابي» إلى بدايات القرن العشرين على يد الاحتلال الإنكليزي مُتمثِّلة في تأسيس البوليس السياسي عام 1910، وتعمَّقت فلسفته في حقبة الستينيات وصولاً إلى مواجهات التسعينيات الدامية بين أجهزة الأمن والجماعات الإسلامية المُسلحة. في هذه المراحل، تبنت الدولة ما يمكن تسميته «النظام البصري المسيطر»، الذي يفرض السيادة عبر الإدارة المباشرة للأجساد، وهو ما ولَّدَ حالة من «السادومازوخية السياسية»؛ حيث تجدُ السلطةُ ذاتَها في إيقاع الألم كدليل على الوجود، ويُدفَعُ السجين دفعاً لتقبُّل هذا الحرمان كجزء أصيل من بنية وجوده القسري، فيتحول الأنين إلى لغة التخاطُب الوحيدة بين الجلاد والضحية.
لكن، مثَّلَ قيام دولة الضباط عقب تموز (يوليو) عام 1952 انتقالاً «أنطولوجياً» جذرياً، حيث صعدت المؤسسة العسكرية حاملةً معها منطق «الضبط والربط» كإطار كلي لإدارة الحياة العامة. في هذا الطور، غدا السجن فضاءً لترسيم الحدود الحادة بين «الصديق والعدو» كما يُسمّيها كارل شميث، وتحوّلت المعتقلات إلى مُختبرات لإعادة تعريف الوطنية المصرية عبر الاستبعاد. لقد اعتمد نظام ما بعد عام 1952 «حالة الاستثناء» كقاعدة ناظمة للحكم، وهي الحالة التي يجري فيها تعطيل القانون الوضعي لصالح «الإرادة السيادية» المطلقة، التي تمنح السلطة الحقَّ في التصرف بأجساد المحكومين بمنأىً عن أيِّ رقابة قانونية، مما يجعل الحياة ذاتها هبةً مؤقتةً تمنحها السلطة أو تستردها في زنازينها. 3
ورغم التمايُز الإجرائي بين السجين «الجنائي» و«السياسي»، تظل الفلسفة العقابية واحدة في جوهرها؛ فهي تهدف إلى «تفتيت الذات» وتقويض الآدمية عبر مِعمار يتّسمُ بالأسوار الشاهقة وأبراج المراقبة التي تخلق شعوراً دائماً بالضيق الوجودي والاغتراب عن الزمان والمكان. السجن هنا يفتقر إلى كونه مؤسسة للإصلاح كما تدّعي الخطابات الرسمية، إنما هو أداة لفرض السطوة وتدمير الإرادة وتحويل الكائن البشري إلى رقم في سجلات الإخضاع.
وقد تجلَّت هذه المركزية العقابية عبر «صناعة الصورة»، حيث لعبت السينما والدراما دوراً مزدوجاً في تَمثُّل هذا الواقع؛ فتارة تساهم في «تجميل القبح» وتبرير العنف تحت دعاوى حماية «الأمن القومي» المُتخيَّل في العقلية السلطوية، وتارة أخرى تعمل كمرآة كاشفة للمسكوت عنه في غياهب السجون. ففي فيلم البريء، تبرز أطروحة عميقة تُصوِّرُ المُعتقَلَ كفضاء صحراوي يعزل الفرد عن وعيه الفطري، كاشفاً آليات استغلال البساطة الريفية وتحويلها إلى وقود في منظومة القمع. وفي المسار ذاته، جسَّدَ فيلم إحنا بتوع الأوتوبيس عبثيةَ الوجود أمام الآلة الأمنية التي لا تُفرِّق بين المذنب والمارِّ صدفة، بينما حاولت أفلام مثل مجرم مع مرتبة الشرف أو حب في الزنزانة نقل «بؤس الزنازين» وتكدُّس الأجساد دون تزييف تقني، لإحداث صدمة في وعي المشاهد.
حتى في الفضاءات التي تبدو أكثر خِفّة وابتعاداً عن السياسة، تتسرّب صورة السجن لتسكن الوعي الجمعي؛ ففي الأعمال الدرامية والسينمائية الكوميدية، على غرار فيلم اللي بالي بالك ومسلسل الكبير أوي وغيرهما من عشرات الأعمال، تتجلى قسوة المعتقلات وزنازين الحجز تحت غطاء من السخرية. فالحضورُ الكوميدي للعنف الممنهج يُمثِّل محاولة عميقة لتدجين العقل، حيث يتحول الضحك إلى أداة لتطبيع المجتمع مع وحشية المؤسسات العقابية في مصر، جاعلاً من الانتهاك الجسدي والنفسي أمراً اعتيادياً ومُستساغاً في المخيال الشعبي، ومُحوِّلاً الرعب الوجودي من سطوة الجلاد إلى نكتة عابرة تُرسِّخُ الخضوع وتجعل السجن حقيقةً طبيعيةً لا مفر منها في يوميات الوطن والمواطن.
تأتي كل هذه الأعمال وغيرها لتُعيد «شرعنة» الممارسة العقابية وتصويرها كضرورة وجودية لحماية كيان الدولة من التفكُّك. إنَّ هذه التمثيلات المتناقضة تؤكد أنَّ السجن في المخيال المصري ليس مجرد مبنى عابر في أطراف المدن، إنما هو جزء بنيوي من النسيج الاجتماعي والتاريخي، يمتد أثره من جدران الزنزانة الضيقة ليشمل الفضاء العام بأسره، مُحوِّلاً المجتمع إلى سجن كبير يُمارِس فيه الجميع دور السجين والسجّان في آن معاً. واستمرار هذه المنهجية في ظلِّ التحوّلات الدولية الحالية، وصعود تيارات سياسية يمينية عالمية تُشرعِن القوة، يمنح المنظومة العقابية بيئة مواتية لمزيد من التغوّل، ممّا يجعل من السجن حقيقةً مطلقةً في واقع سياسي يقتات على تغييب الحريات وهندسة الصمت.
ميكانيكا السيطرة في عهد السيسي
في عهدِ الرئيس عبد الفتاح السيسي، انتقلَ السجن من كونه أداةً مُكمِّلةً أو استجابةً لحظيةً للاضطراب، ليصبح المُحرِّكَ الجوهري والعمود الفقري للواقع السياسي المعاصر؛ حيث غدا الفضاءُ العقابيُ وسيلةً لضبط الحراك المجتمعي عبر الزجِّ بالآلاف في غياهب الاحتجاز على إثر قضايا سياسية مُتلاحِقة. لقد شهدت السجون منذ انقلاب تموز (يوليو) عام 2013 عبورَ مئات الآلاف من الأجساد في متوالية لا تنتهي من القمع المُقنَّن، ومع حلول عام 2021، وولادة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي ترعاها السُلطة، انعرجتْ الفلسفة العقابية نحو طورٍ جديد يمكن تسميته «الأنسنة التكنولوجية» للقمع؛ إذ افتُتِحت مُجمَّعات ضخمة مثل «مجمع سجون بدر»، الذي سُوِّقَ له في الخطاب الرسمي بوصفه مركزاً حضارياً للإصلاح والتأهيل على النسق الأميركي الحديث. بيْدَ أنَّ المفارقة تكمن في تبنّي هذا المعمار فلسفةَ عزلٍ قصوى، تستبدل التفاعل البشري بالرقابة الرقمية الشاملة، مثل فلسفة البانوبتيكون، حيث تُحوِّلُ الكاميرات المتطورة والميكروفونات الحساسة الزنزانة إلى فضاء عارٍ تماماً أمام «عين السلطة» التي لا تغمض، مما يجعل السجين محاصراً في حالة من الانكشاف الدائم. 4
تُنتِجُ هذه العمارة الجديدة نوعاً من «العنف الخفي» الذي يتجاوز جسد السجين ليطال بنيته النفسية والعصبية؛ فإلى جوار التنكيل البدني التقليدي، يتشكّل نظام مراقبة حثيث يهدف إلى استنزاف الوعي وتفكيك الإدراك للزمن والمكان. إنَّ استمرار الإضاءة داخل الزنازين على مدار الساعة يُمثّل تكتيكاً مقصوداً لحرمان الجسد من النوم، مما يؤدي إلى انهيارات عصبية حادة تُحقق السيطرة الكاملة دون ترك آثار مادية تُدين السجان أمام المنظمات الحقوقية أو النيابة العامة. هكذا، يغدو «الإصلاح» في المُتخيَّل الرسمي مجرد آلية تقنية لتعميق «حالة الاستثناء» وتجريد السجين من آخر معاقل خصوصيته الإنسانية، وتحويله إلى كائن بيولوجي مُجرَّد من الإرادة.
وفي ذات الميكانيكا السلطوية، تبرز سياسة «تدوير القضايا» كابتكار هو الأبرز في هندسة السيطرة المعاصرة، وهي ممارسة تهدف إلى تخليد الاحتجاز عبر إدراج المعارضين في قضايا جديدة لحظة صدور قرارات إخلاء سبيلهم. يُمثِّل التدوير تَحايُلاً وجودياً يطمس الحق في الحرية، والحياة، حيث تُستخدَم التهم ذاتها كذريعة قانونية واهية لإطالة أمد الحبس الاحتياطي، الذي استحال من إجراء احترازي استثنائي إلى عقوبة أبدية ومنهجية في حد ذاته. تؤكد الأرقام فداحة هذا النهج، إذ رصدت تقارير حقوقية آلافاً من حالات التدوير في سنوات قليلة، شملت آلاف الضحايا ومن بينهم أطفال لم يبلغوا سن الرشد، ما يُعزِّز فكرة أنَّ السلطة ترى في مغادرة السجين لزنزانته تهديداً كيانياً لا يُمكن القبول به، فتعمد إلى إعادة تدوير الجسد السجين ليبقى رهن الرقابة الدائمة طوال عمره.
وفي الأسابيع الماضية، جسَّدت إعادة اعتقال أحمد دومة و«سيد مشاغب» ذروة هذا العنفوان السلطوي وتجلياته المختلفة. أحمد دومة، الشاعر الذي أمضى عقداً من الزمان خلف القضبان، تحوّل إلى رمز للمقاومة بالكتابة من داخل العزلة؛ فكان مقاله المُعنوَن «سجن داخل الدولة ودولة داخل السجن» كاشفاً بذكاء عن تَداخُل البنيتين العقابية والسياسية/ المجتمعية، وهو ما استوجبَ ملاحقته فورَ خروجه، ثم صدور حكم من محكمة جنح القاهرة الجديدة، في 3 حزيران (يونيو) الجاري، بحبسه سنة مع الشغل والنفاذ بتهمة نشر أخبار كاذبة. إنَّ هذا الإصرار على ملاحقته، حتى بعد صدور عفو رئاسي سابق، يُبرهِن على أنَّ السلطة تنشد ما هو أبعد من سجن الجسد، فهي تهدف إلى اغتيال الفاعلية السياسية ومنع استعادة الصوت تماماً.
أمّا «سيد مشاغب»، فيُمثِّل نموذجاً لقمع الحراك الشبابي المُنظَّم القادر على الحشد خارج الأطر الحزبية التقليدية، حيث أمضى 11 عاماً من عمره في دوامات القضايا المُلفَّقة، ليُعاد اعتقاله في نيسان (أبريل) 2026 بعد 6 ساعات فقط من وصوله إلى منزله، بتهمة «التجمهر» للاحتفال بعودته. تُظهِر هذه الواقعة بوضوح كيف أنَّ السلطة باتت تخشى حتى من «الفرح الشعبي»، وترى في تَجمُّع الأصدقاء للاحتفال بصديقهم تهديداً للأمن القومي يستوجب الاستنفار، ما يفرض إعادة الجسد المُفرَج عنه فوراً إلى آلة القمع لضمان بقاء المجتمع في حالة ركود وصمت مُطبِق، حتى لو كان الصوت غير ثوري، إنما صوتٌ يفرح فقط، كما تأكيداً على أنَّ الزنزانة تظل هي المكان الوحيد الذي تسمح فيه السلطة بوجود المعارض، وأيضاً يجب أن يكون فيها بصمت دائم.
السياق الجيوسياسي والدولي الراهن
أحدثت هجماتُ المقاومة في غزة يوم السابعِ من أكتوبر 2023 زلزالاً عاتياً في بنيان النظرية الأمنية الإقليمية، وفي قلبها النظرية الأمنية لإسرائيل، والتي من بعدها ارتكبت إبادة جماعية بحق سكان قطاع غزة، ما أدى إلى تَراجُع القضايا الحقوقية في سلّم الأولويات الدولية لصالح سردياتِ الأمنِ والاستقرار القائم على القوة. وفي مصر، استثمرت السلطة حالة الذعر الجيوسياسيِّ لتعزيز قبضتها الداخلية، مقدمةً نفسها كشريكٍ استراتيجيٍّ أوحد يمتلك مفاتيح منع الانفجار الإقليميِّ، وهو ما منحها تفويضاً غير مكتوبٍ لممارسة السيادة المطلقة. أفضتْ هذه التحولات إلى وأد أيِّ حديثٍ عن الحريات المدنية أمام هواجسِ الأمن القوميِّ، ما مكّنَ النظام من تكريس سيطرته المطلقة، والتعامل بحسمٍ رادعٍ مع أيِّ حراكٍ داخليٍّ؛ حيثُ أصبحَ العالم يغضّ الطرف عن انتهاكات الداخل، سواء مُنِعَ مرشح رئاسي من خوض الانتخابات، كما في حالة أحمد الطنطاوي، في 2023، أو حتى استمرار آلة القمع المتمثلة في الاعتقال والإخفاء والتعذيب والقتل خارج إطار القانون، مقابل دور الدولة الوظيفيِّ في ضبط حدود الإقليم المتفجر.
وبموازاة هذا الانكسار الإقليميِّ، مهّدَ صعودُ إدارة ترامب الثانية لرفعِ الغطاء الدوليِّ بالكامل عن ملف السجناء السياسيين، فاتحاً الأبواب على مصراعيها لاتساع نطاق المُجمَّعات العقابية التي لم تَعُدْ تخشى المحاسبة. لقد مثَّلت الإبادة في غزة، ومن ثم الحرب الإسرائيلية في المنطقة، إيران ولبنان، شقاً عميقاً في جدار التعاطي المصري مع ملفات حقوق الإنسان؛ ففي حين حاولت السلطة، قبل هذا المنعطف، ترميم صورتها عبر استراتيجيات حقوقية شكلية تتواءم مع الضغوط الغربية، مثل استراتيجية حقوق الإنسان لعام 2021، وإفطار الأسرة المصرية في رمضان من عام 2023، إلى جانب إخلاء سبيلٍ دوريٍّ لعشرات الناشطين والصحافيين المعروفين، تخلّت اليوم عن أيِّ اكتراث بتلك السرديات تماماً. لقد ابتلعت هواجس الأمن الإقليمي كل مساحة ممكنة للحريات، متوازيةً مع الصعود المتجدد لدونالد ترامب، الذي فرضَ واقعاً عالمياً يزدري القيم الإنسانية ويمنح الغطاء لسيطرة القوة المُجرَّدة، مما أهدى النظام مساراً وحيداً وضوءاً أخضر للتنصُّل من أي التزامات أخلاقية، وترسيخ القمع كضرورة حتمية لا تقبل المُساءلة.
تبنّى هذا التحول العالميّ فلسفةً تضع «القوةَ فوق العدالة»، وتُفضِّلُ الصفقات البراغماتية على المبادئِ الأخلاقية، مما يمنحُ الأنظمة ضوءاً أخضر لمواصلة ممارساتها تحت لافتة «السيادة الوطنية المطلقة». وإذا كان المجتمع الدولي لم يستطع إيقاف إبادة جماعية على مرأى الجميع بكل تفاصيلها، فهل سيهتمُّ أو يستطيعُ الضغطَ من أجل خروج عشرات الآلاف من السجناء السياسيين في مصر! في هذا المشهدِ، تلاشت الضغوط الدولية التي كانت تُشكّل يوماً ما عائقاً أمام التغوّل السلطويِّ، واستحالت قيم الإصلاحِ السياسيِّ إلى أوراقٍ مُهمَلةٍ في ظلِّ صفقات السلاحِ واتفاقيات التطبيع، ما جعل من «السجن الأبديِّ» قَدرَاً محتوماً لا يجد صدىً أو اعتراضاً في أروقة السياسة الدولية المعاصرة.
وفي ظلِّ هذا الصمت العالميِّ المُطبق، يبرز «الخطاب الحقوقي الرسميّ» في مصر كآليةٍ لتفريغِ المفهوم من جوهره، حيث تُستخدَم لغة الحقوق لتغطية واقع «الضبط الرقميِّ» الشاملِ. إنَّ التحوُّلَ نحو مُجمَّعات السجون التكنولوجية يُكرّس حالةً من العزلة المطلقة التي تحولُ السجنَ إلى منظومة مراقبةٍ بيومتريةٍ لا تنتهي، وتضمنُ استمرار سياسة «التدوير» كأداةٍ لتحويل الحبس الاحتياطيِّ إلى عقوبةٍ سرمديةٍ. لقد بات السجن في مصر «أبدياً» ليس بقرارٍ داخليٍّ فقط، وإنما بفضل بيئة دولية وإقليمية لم تَعُد تعتني بأيِّ سرديةٍ تخصُّ حقوق الإنسان، لكنها ترى في قمع المعارضة وتغييبِها خلف الأسوار ضمانةً لاستقرار المصالحِ الكبرى، ما يجعلُ أجساد السجناء قرباناً يُقدَّم على مذبح النظام العالميِّ الجديد الذي يُقدِّس الاستقرار الأمنيَّ فوق كرامة الفرد.
نهايةً، تُفضي القراءة المتأنية لطبيعة السلطة في مصر إلى استنتاجٍ مفادُه أنَّ السجن يُمثِّل البنية التحتية الصلبة التي يقوم عليها كيان الدولة، حيث يُوظَّف كأداةٍ مركزيةٍ لهندسة المجال العامِّ وضبط إيقاع الحركة الاجتماعية، بعيداً عن كونه مجرد آليةٍ لعقابِ الخارجينَ عن القانونِ. فمن الجذور التاريخية التي أرستْ دعائمَ «حالةِ الاستثناء»، وصولاً إلى المعمارِ العقابيِّ المعاصرِ الذي يُسخِّر التكنولوجيا لتعميق الاغتراب، يظلّ الجسد المصريّ هو الرهينة الدائمة في صراع السيادة وبقاء النظام.
إنَّ استشرافَ المستقبل في ضوء المعطياتِ الراهنةِ يُشير إلى أنَّ العلاقةَ بين السياسة والسجن تتجه نحو «التماهي الكليِّ»؛ فسياسة «التدويرِ» ونماذج مثل «أحمد دومة» و«سيد مشاغب»، وغيرهم من عشرات الآلاف، وخاصة من الإسلاميين الذين يقع عليهم أقسى أنواع العذاب من السلطة، لخصومتهم المباشرة معها، ومع رأسها عبد الفتاح السيسي، تؤكد أنَّ السلطةَ قد استبدلت الحلول السياسية والمجتمعية بالاستثمار في «الزمن العقابيِّ» المفقود من الحياة كبديلٍ نهائي. ومع التحولات الجيوسياسية التي جعلت من الأمن «صنماً» دولياً يُعبَد على حساب الحقوق، يبدو أنَّ النظام قد نال تفويضاً دولياً ضمنياً لمواصلة نهجه، مما ينبئُ بأنَّ السجن سيظلّ هو «المعمار الحاكم» للسياسة المصرية في المدى المنظور.
في هذا الأفق المستقبليّ، ستواصل المسافةُ بين الزنزانة والشارع تلاشيَها، إلى أن يغدو المجتمعُ بأسره خاضعاً لفيزياء القمع وميتافيزيقا المراقبة التي لا تنام؛ إذ لا تنصرفُ السلطةُ هنا إلى حبس الأفراد وحدهم، وإنما تسعى كذلك إلى غرس «السجن الذهنيّ» في وعي من هم خارج الأسوار. ومن ثمّ، فإن كسر هذه الحلقة المفرغة لن يتحقق عبر مطالباتٍ إجرائيةٍ فقط، وإنما يستلزم إعادةَ النظر في مفهوم «السيادة» ذاته، إلى جانب البحث عن مساحاتٍ للمقاومة الوجودية تُعيد للجسد المصريّ حقَّه في الحضور والفاعلية خارج إطار الرؤى الأمنية الشاملة، مع رفض اختزال السجن بوصفه «الأفق النهائي» للمصير الوطني.
-