
الروائي الإيطالي أنطونيو موريسكو (بيت الشعر – باريس)
تتتبع رواية “الضوء الخافت” لأنطونيو موريسكو رحلة سارد يلاحق ضوءاً غامضاً في قلب الغابة لتتحول المطاردة إلى تأمل وجودي في العزلة والموت في عالم يمزج الواقعي بالفانتازي، وينظر إلى الموت على أنه القانون الذي يحكم الحياة.
تتكئ رواية “الضوء الخافت” للإيطالي أنطونيو موريسكو (دار بعد البحر، بترجمة عن الإيطالية لهبة فاروق) على مثيرٍ سردي واحد يحرك أحداثها بأكملها، يتعلق بضوء خافت يظهر كل ليلة في قلب الأدغال في التوقيت نفسه، فيلفت انتباه السارد الذي اختار العيش منعزلاً عن العالم في بلدة مهجورة، ما يدفعه إلى مغادرة عزلته وتتبع مصدره.
لا تحدد الرواية زمانها أو مكانها تحديداً صريحاً، كما تمتنع عن تفسير الأسباب التي دفعت الراوي إلى اعتزال العالم والإقامة في تلك الغابة، أو الكشف عن سر البلدة الخرِبة التي اختارها مأوى له. وحتى القرى القريبة التي يمر بها تظهر محدودة السكان ما يزيد من الإحساس بالعزلة والفراغ كأننا في نهاية العالم. ولولا السيارة التي يقودها البطل، والإشارات العلمية التي يوردها السارد عن النباتات والطيور، لتعذر الجزم بأن الأحداث تدور في زمن معاصر. ومن خلال هذا التجريد الزمكاني تأخذ الرواية طابعاً فكرياً تأملياً مغلفاً بحبكة ذات طابع بوليسي قوامه البحث والتقصي، سعياً وراء مصدر الضوء البعيد وبحثاً عن معنى الحياة.
حوار مع الطبيعة
تمنح الرواية الطبيعة دور البطولة ويظهر ذلك في إفساح السارد مساحة كبيرة للوصف لرسم صورة العالم الذي تدور فيه الأحداث، يحمل كاميرا يصور بها المكان سردياً حركة الغروب، والتلال والجرف الصخري وطيور السنونو: “توارت الشمس منذ قليل وراء أعالي التلال…”. تخلق الرواية حواراً بين السارد والطبيعة فيدور الحوار مع الطيور، والنباتات، والحشرات، وتجعل من الكون بأكمله موضوعاً لتأمله وحديثه: “أتوقف في بعض الأحيان، لأتحدث مع الحيوانات والحشرات والنباتات…”. ويكشف هذا الإطار عن إندماج السارد تماماً مع الطبيعة.
يعتمد موريسكو على السؤال لتحريك الأحداث. سؤال بين السارد ونفسه تأكيداً على الوحدة التي يحيا فيها في قرية مهجورة؛ “لماذا توجد كل هذه النباتات الطفيلية السيئة؟ أسأل نفسي” (ص16). ثم يوجه حديثه إلى الدبابير: “لماذا أنتِ هائجة هكذا دوماً؟ لماذا ترتمين هكذا منقلبة على رؤوسك في لب الفاكهة التي لم يتم جمعها؟ ماذا يحدث في النهار؟ في الليل؟ داخل أعشاشك الوحشية؟” (ص129). وتتسع دائرة التساؤل لتشمل الكون: “من يدري إن كانت السماء لديها سماء أخرى فوقها؟ أتساءل أثناء جلوسي أمام المنحدر الصخري” (ص130).
وتمتد أسئلة السارد لتشمل ما إذا كان المكان والزمان يمتلكان وجوداً ثابتاً. ويغذي هذا النزوع التأملي شعور طاغ بالعزلة، فالسارد يعيش في وحدة تكاد تكون مطلقة وسط فضاء طبيعي شاسع يخلو من الحضور الإنساني، “كم هي هائلة هذه الرقعة المترامية الأطراف من الخضرة، الجبال، والأدغال، حيث لا يوجد أثر للحياة البشرية على امتداد البصر. يوجد فقط، في الناحية الأخرى تماماً من هذا المضيق، المكان الذي أرى فيه ذلك الضوء الخافت وهو ينير عندما يحل الظلام” (ص19).
دائماً ما يطرح على نفسه أسئلة تصعب الإجابة عليها. ووسط هذه التأملات، يبقى سؤال واحد هو الوحيد الذي يمتلك إمكانية العثور على إجابة عليه: “ترى ما هذا الضوء الخافت، من الذي يشعله؟” (ص9). ومن هذه اللحظة تتحول الرواية إلى رحلة استقصاء، فتتناسل في ذهن السارد عشرات الفرضيات. فربما كان الضوء صادراً عن منزل منعزل وسط الأدغال، أو عن مصباح بقي مضاءً في بلدة مهجورة أخرى تشبه البلدة التي يقيم فيها. غير أن هذه التخمينات تقوده للجوء لسكان القرية التي يتردد عليها لشراء حاجياته فيرشدونه إلى مزارعٍ ألباني يقدم له خريطة عن أماكن ظهور الضوء، القادم من مركبات فضائية تهبط إلى الأرض، وأنها سبق أن اختطفت أغنامه، ثم أعادتها إليه في اليوم التالي. فلا يجد السارد مفراً من الذهاب إلى مصدر الضوء بنفسه.
مصدر الضوء
تبلغ الرواية قمة مفارقتها للواقعية عندما ينجح السارد أخيراً في الوصول إلى مصدر الضوء، ليكتشف أنه ينبعث من منزل صغير يسكنه طفل بمفرده. يظهر الأمر في البداية طبيعياً، فالطفل يخبره أن خوفه من الظلام هو ما يدفعه إلى إشعال المصباح كل مساء. غير أن الحوار بينهما يفتح الباب أمام البعد الفانتازي عندما يكشف الطفل، في هدوء مقلق، أنه ليس من عالم الأحياء: “قالوا لي في البلدة إنه توجد فقط المدرسة الصباحية. رفع الطفل وجهه نحوي: تلك المدرسة خاصة بالأطفال الآخرين. – الأطفال الآخرين؟ أي أطفال تعني؟ تردد قليلاً قبل أن يجيبني: -الأطفال الأحياء”.
وهنا تنهار الحدود الفاصلة بين عالمي الأحياء والأموات. هذه اللحظة التي تجعل القارئ يميل إلى تأويل الرواية بأكملها على أنها كانت حواراً ممتداً مع مظاهر الموت. فالمشهد الافتتاحي مشبع بإيحاءات الفناء. والبلدة التي يقيم فيها السارد ليست سوى تجمع من البيوت المهجورة التي تظهر كأنها أجساد فقدت الحياة، وهو ما تنقله المترجمة بلغة شعرية شفافة في قوله: “يتحرك بجسده بين هذه الجثث الحجرية التي تسومها النباتات المتسلقة عذاباً لا يتوقف للحظة واحدة ويستمر ليلاً ونهاراً” (ص10). ويتكرر حضور الموت عندما تستوقف السارد مقابر عدة، من المقبرة الصغيرة القريبة من المنحدر، إلى المقبرة التي يعود إليها لاحقاً باحثاً بين شواهدها عن قبر الطفل؛ “أفك السلك الحديدي، أدلف للمقبرة الصغيرة. أتراه مدفوناً هو أيضاً هنا، ذلك الطفل؟ أيكون كل هؤلاء المدفونين هنا هم ممن انتحروا؟” (ص109).
يمتد حضور الموت إلى الطبيعة نفسها، المحكومة بصراع دائم من أجل البقاء. فالنباتات الطفيلية تمتص حياة الأشجار في مشهد يشبه الافتراس؛ “بممصاتها الصغيرة الهائجة تستولي منها على القوة الكيماوية لخلق جبهات نباتية جديدة قادرة على أن تقضي على كل شيء وتهلك كل شيء؟ أين يمكنني أن أذهب كي لا أرى هذه المذبحة؟” (ص17).ويتسع هذا التأمل ليشمل أصغر الكائنات: حشرة تصدمها سيارته، وفراشة يجدها ميتة فيحاول عبثاً أن يجرفها بالماء إلى مصرف الحمام، قبل أن يضطر إلى التخلص منها بلفها بثقل، ويرقات مضيئة يتابع دورة حياتها القصيرة، وحيوانات وحشرات يتساءل كيف تنجو من الزلازل المتكررة التي تضرب المنطقة. وهكذا تتعامل الرواية مع الموت باعتباره القانون الخفي الذي يحكم الكون كله.
يواصل موريسكو تشريح حضوره الطاغي للموت عبر تأملاته الدقيقة للطبيعة، فيقف طويلاً أمام أشجار تجمع بين الحياة والموت. أفرع ميتة وأخرى حية، بينما تتجرد أشجار أخرى من أوراقها “أكثر فأكثر، فلم يعد يمكن التمييز بين الأشجار الحية والميتة”. ولعل هذه العبارة تمثل المفتاح التأويلي الأهم للرواية، فعدم القدرة على التمييز بين الأشجار الحية والميتة يتواصل ليصبح عجزاً عن التمييز بين الأحياء والأموات أنفسهم. فلا يعود القارئ قادراً على رسم حدود فاصلة بين السارد الذي يبدو حياً، والطفل الميت.
ويتأكد هذا الانزياح بين العالميْن عندما يخبر الطفل السارد بأنه يذهب إلى المدرسة الليلية، في مقابل المدرسة الصباحية المخصصة لـ”الأطفال الأحياء”. ويراقبه السارد وهو يتجه إلى تلك المدرسة الغامضة، ويرى حارسها الذي كان يعمل نهاراً ثم انتقل إلى الدوام الليلي، في إشارة إلى انتقاله هو الآخر إلى عالم الموتى بالوظيفة ذاتها. ومن خلال هذه اللقاءات تتكشف تفاصيل مأساوية من حياة الطفل. فهو كان ضحية للتنمر بين أقرانه، وللقسوة والإهانة من معلميه بسبب تدني مستواه الدراسي، ما يدفعه إلى الانتحار.
ومع تطور الأحداث، تتجاوز العلاقة بين السارد والطفل حدود التعاطف لتصبح علاقة معايشة كاملة. يحمل السارد إليه المؤن، ويتشاركان الطعام والحديث، كأنهما يعيشان في عالم واحد لا يفصل بينه وبين العالم الآخر سوى وهم الحياة. وتبلغ هذه العلاقة قمتها حين يعثر السارد على الطفل وهو يبني بيتاً صغيراً، فيسأله: لمن هذا المنزل؟ فيجيبه بأنه يبنيه له. في رمزية لاستعداد السارد لعبور العتبة الفاصلة بين العالمين، أو قبول الإقامة في المكان الذي ينتمي إليه الطفل.
وتأتي الخاتمة لتكثف هذه الدلالة الرمزية من دون أن تمنح القارئ يقيناً. فالسارد يمسك بيد الطفل، ويسيران معاً في قلب الليل، وسط عاصفة ثلجية ودروب معتمة. وحين يسأله الطفل: “إلى أين نذهب؟” يجيبه ببساطة: “لا أعرف”. لكنهما يواصلان السير في العدم.
يعد أنطونيو موريسكو (1947) أحد أبرز ممثلي التيار التجريبي في الأدب الإيطالي المعاصر. من أبرز أعماله “السرية” (1993)، و”البصلة” (1995)، و”رسائل إلى لا أحد” (1997)، و”البدايات” (1998)، و”أناشيد الفوضى” (صدرت بين 2001 و2009)، و”المحترقون” (2010)، و”الضوء الخافت” (2013)، و”حكاية حب” (2014)، و”غير المخلوقين” (2015)، و”الوداع” (2016)، و”دون كيشوت” (2020)، و”نجوم في الحلق” (2021)، و”نشيد الظلام والنور” (2024).