ثمّة ميل شائع في المخيلة السياسية إلى التعامل مع التحوّلات الكبرى بوصفها لحظات قاطعة، كأنّ التاريخ يمتلك إدراكاً خفياً بالحدود الواضحة. فعند سقوط الأنظمة، مثلاً، وتبدّل الشعارات، تندفع المخيلة إلى افتراض أنّ الجماعات أعادت تنظيم وعيها تلقائياً، غير أنّ البنية الاجتماعية نادراً ما تتحرّك وفق هذا الإيقاع المسرحي للأحداث.
تملك الوقائع العامّة سرعةً مختلفةً عن سرعة النفس البشرية؛ الأولى تتبدّل في مشهد، والثانية تحتاج زمناً طويلاً كي تعيد التفاوض مع مخاوفها القديمة. الخوف بدوره يمتلك قابليةً مدهشةً للتحوّل إلى سرديةٍ تحاول تفسير هذه التحوّلات، فبعد سنوات طويلة من القمع، يكتشف الناس أنّ الخوف لا يحتاج حضوراً دائماً لمصدره كي يستمرّ في أداء وظيفته، وأنّه اكتسب قدرةً على العمل بصورة مستقلّة، وصار قادراً على إنتاج ذاته من ذاكرته الخاصّة.
هنا تستعيد مسرحية “وحيد القرن”، ليوجين يونسكو، معناها الاجتماعي؛ ففيها يتحوّل سكّان مدينة صغيرة تدريجياً إلى وحيدي قرن، تعبيراً عن ذلك الميل الذي يدفع الأفراد إلى الاحتماء بالإيقاع الجماعي حين يصبح البقاء خارجاً أكثر خطراً وكلفة نفسية من الانضمام إليه. يكتسب هذا المعنى كثافةً خاصّةً في التجربة السورية؛ فسنوات طويلة من العنف لم تترك آثارها داخل المجال السياسي وحده، وإنّما أعادت تنظيم العلاقات الاجتماعية نفسها فاصبح الحذر جزءاً من اللغة غير المُعلَنة للبشر، ونشأ نوع من الحساب الداخلي للمخاطر يسبق التعبير عن الرأي، ويسبق الثقة قبل منحها، ثمّ تحوّلت هذه الآليات مع الزمن إلى طبقة مستقرّة داخل الإدراك الجماعي تتصرّف كما لو أنّها جزء طبيعي من الشخصية السورية، وأصبحت الحياة كلّها متمركزةً حول كيفية العبور الآمن نحو اليوم التالي.
في هذه اللحظة (كما تقول المسرحية) يصبح الإصغاء إلى الناس فعلاً سوسيولوجياً بامتياز؛ لأنّ الجماعات تكشف تاريخها أحياناً بطريقة أكثر صدقاً في عباراتها اليومية الصغيرة منها في خطاباتها الكُبرى. هناك تاريخ كامل يمكن العثور عليه في خوف غير مرئي يسكن الكلمات. هنا يظهر ميل نحو البحث عن مساحات أكثر كثافةً من اليقين، نحو الأصوات التي تبدو أكثر حسماً والسرديات التي تمنح الواقع شكلاً واضحاً وتسهّل الإمساك به، ليس فقط لأنّ الإنسان يتخلّى عن استقلاله الفكري بسهولة، وإنّما لأنّ الغموض المستمرّ يستهلك قدراً كبيراً من الطاقة النفسية. هنا تكتسب فكرة القرب من الجماعة معنى أعمق يتّصل بالاستقرار الوجودي، وينشأ ميل غير مرئي إلى تجنّب المواضع التي تتطلّب وقوفاً طويلاً في المساحات الرمادية، أي إلى الابتعاد عن المناطق التي تفرض على الفرد حمل أسئلته وحده. فالأسئلة الثقيلة تحتاج أحياناً إلى شجاعة نفسية أكبر من تلك التي تحتاجها الإجابات الجماعية الجاهزة. في هذه النقطة تحديداً، تتبدّى إحدى أكثر المفارقات الاجتماعية هدوءاً وتأثيراً، إذ يكتشف الإنسان أنّ البحث عن الطمأنينة قد يتحوّل تدريجياً إلى نزوع نحو التماثل الجماعي، وأنّ الحاجة إلى الشعور بالمشاركة قد تنزلق نحو رغبة خفية في الاحتماء بالإجماع، وينشأ نوع من الانضباط الداخلي غير المُعلَن.
لا تتعلّق المسألة هنا بعجز الجماعات عن التعافي، فالتاريخ البشري قائم في جزء كبير منه على قدرة الإنسان الاستثنائية على ترميم نفسه، الأمر يتعلّق بطبقة أكثر خفاءً من الآثار، فربّما يتمثّل أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في هذا السياق في تلك المسافة الدقيقة بين أن يحيا الإنسان بوصفه ناجياً وأن يحيا بوصفه كائناً يمتلك القدرة على تخيّل معنى لحياته يتجاوز مجرّد العبور الآمن. فالحياة لا تكتمل بمجرّد الابتعاد عن الهاوية، إذ تحتاج أيضاً إلى قدرة على التقدّم نحو معنىً آخر، نحو أفق يمنح الزمن اتساعاً أكبر من مجرّد اجتياز الأيّام. تبدو هذه المسألة أكثر حساسيةً في سورية اليوم، لأنّ التحوّلات الكُبرى مرّت عبر بنية اجتماعية استهلكتها سنوات طويلة من التصدّعات المتراكمة، فلم يخرج الناس من الحرب حاملين ذاكرتها وآلامها فقط، وإنّما خرجوا أيضاً بإيقاع جديد للعلاقات الإنسانية، وبمعايير مختلفة للأمان والثقة وبخيال اجتماعي أكثر توحّشاً في علاقته بالمستقبل وبمعنى العيش المشترك، ربّما لهذا السبب لا يبدو السؤال السوري اليوم متعلّقاً بتبدّل الوقائع العامّة، بقدر ما يتعلّق بالإيقاع الداخلي للمكوّنات السورية وهي تعيد تشكيل علاقتها بعضها ببعض.
سمر يزبك.. كاتبة سورية… العربي الجديد