العام 1996 تعرّفتُ إلى المؤرخ محمد م. الأرناؤوط في جامعة آل البيت، كان يومها عميدًا لمعهد بيت الحكمة. وقد كشفت تجربته مع طلبة الدراسات العليا عن خبرة علميّة واسعة الثقافة، وأريحية عالية في التعامل، واحترام لجهودهم التي يقدّمونها.
حدث ذلك في تدريسه لمساقي “تاريخ المجتمعات الإسلامية” و”حركات الإصلاح والتجديد”، وكشفت تلك المساقات عن أستاذٍ موسوعي المعرفة، طيب الحضور، ذي صدر واسع على الطلبة، ومدرك للتحولات المعرفية. وكانت الجامعة آنذاك مرجلًا من الأفكار، وجلّ طلابها غير أردنيين وكذلك أساتذتها المؤسسون. وكان الأستاذ الأرناؤوط قد انتقل إلى آل البيت قادمًا من جامعة اليرموك، لكن الجامعة التي بدأت عالمية في سنواتها الأولى لم تستمر بذات الفكرة، وانتهت بعد عام 2001 إلى جامعة محلية تشبه مثيلاتها من الجامعات التي ما زالت تعاني شحّ الموارد والخضوع لإكراهات التمثيل المجتمعي.
وحين بدأتُ بالإعداد لمرحلة البحث في تاريخ مدينة دمشق الثقافي في القرن الثامن عشر، وجدتُ الأستاذ الأرناؤوط خير معين ومختصًّا. لا يبخل بكتاب ولا إرشاد لفكرة تطور أعمالنا البحثية جميعًا، واستمر بذلك لسنوات مديدة وحتى اليوم. ومع انتهاء أعماله في التعليم الجامعي، بقي حريصًا على تعزيز التعاون البحثي والعلمي بين دمشق وعمان وعبر المؤسسات، وهو اليوم يقود جهدًا لاستعادة التعاون بين جامعة دمشق وجامعتي اليرموك والأردنية لاستعادة مؤتمر بلاد الشام والعمل المشترك به، بعد أن كان الأكاديميون الدمشقيون في ظل نظام الأسد يرون أن مؤسسية المؤتمر انتهت، وهو رأي غير صحيح، والتأخر كان من صناعة ذلك العهد برمّته.
عُرف محمد أو (موفاكو) الأرناؤوط، كما يقال باللغة الألبانية، بجهده الواضح في تقديم العديد من الأبحاث المتخصصة والترجمات المتعددة، وظل ملتزمًا بالعطاء بعد التقاعد من الجامعات، إذ شكّلت هذه المرحلة الجديدة بداية لتقديم المزيد من الأبحاث والمقالات والترجمات.
من بريشتينا الكوسوفية إلى دمشق وإسطنبول إلى عمان، مرورًا بإربد والمفرق، ثم إلى الولايات المتحدة، أعاد البروفيسور الأرناؤوط للتاريخ الثقافي رؤية جديدة، بعيدة عن التداول المعهود لمؤرخينا بالتركيز على الزمن السياسي وسير الأبطال، بل ذهب إلى الظواهر والتقاليد والثقافة، وأكمل رحلة المعرفة بعطاء وافر من المقالات والمراجعات العلمية والترجمات. وكان للرحلات أثرها الواضح على اختياراته العلمية وإعادة مناقشة المفاصل التاريخية التي مرّ بها الشرق الأوسط في العصور الحديثة.
في بحوثه حول وقف النقود وتاريخ المقاهي، إلى مراجعة خبر وواقعة ميسلون، ثم دراسة العلاقات العربية الألبانية وعديد الترجمات في الأدب والتاريخ، فكّك الأرناؤوط الكثير من الأحداث والوقائع، وساهم في إعادة بناء التصوّر عن الذاكرة العربية بعامة في الحقبة العثمانية، ولبلاد الشام بشكل خاص.
وبعيدًا عن الرومانسية العربية التي نظرت إلى ذلك التاريخ الطويل، كانت النتيجة للأعمال التي قدمها الأرناؤوط بالإضافة إلى مؤرخين عرب آخرين بعيدة عن الإدانة أو التمجيد للحقبة العثمانية، تفكيك السردية الذهبية التي رسخت لعقود عن العثمانيين قبيل الانقلاب الاتحادي في يوليو/تموز 1908، وهي سردية بدأت تتبدل تدريجيًا وأبرزت مقاربات جديدة وأكثر نقدًا للعلاقة بين العرب والأتراك، وهي علاقة لم تكن ثابتة بل متحركة ومتغيرة.
التزم م. الأرناؤوط بخط بحثي واضح، مغلف بثقافة ورؤى موسوعية، جعلت درسه الجامعي غنيًّا بالأفكار، متعددًا بالرؤى، قلبت المشاهدة التقليدية عند الطلبة للتاريخ، ورؤيتنا للقضايا العلمية بدراسة ما هو خارج الدائرة العربية أو بتمثلات مختلفة لتطور الأفكار في سياقها العالمي.
في مساق “الحركات الإصلاحية”، اعتاد الأساتذة تدريس طلابهم التوجهات التي رسمت التحقيب التاريخي التقليدي للإصلاح الإسلامي، من بدايات الدعوة الوهابية ثم الحركة السنوسية وصولًا إلى السنوسية، والحملة الفرنسية على الشرق وما بعدها.
وهنا، كانت للأرناؤوط معالجة أخرى، إذ قدّم لنا أفكارًا ومراجعة عن صدى الحداثة في عالم الإسلام، وعن آثار التجديد والإصلاح في نماذج خارج المجال العربي، كالحديث عن حركة الشيخ عثمان دان فودي في نيجيريا في القرن الثامن عشر، وعن دولته التي أقامها، وخاصة كتبه: “بيان وجوب الهجرة”، و”أصول العدل لولاة الأمور وأهل الفضل”، و”أصول الولاية وشروطها”.
وكذلك الحال مع تجربة الإصلاح عند الأمير/الشيخ رابح ولد فضل الله (نابليون أفريقيا) في السودان الغربي، وصولًا إلى جهود علماء دمشق وحركتهم الإصلاحية، ومعنى التجديد عند جمال الدين القاسمي وموقف السلطات العثمانية منه ومن دعوته في التجديد والعودة للسلف، والتي انتهت إلى سلفية إسلامية شامية سرعان ما عبّرت عن ذاتها في الحياة السياسية عبر الجمعية الغرّاء (1924) التي أسسها الشيخ عبد الغني الدقر، ثم مع جمعية التمدن الإسلامي 1930 التي أسسها أحمد مظهر العظمة وبهجت البيطار أحد تلاميذ القاسمي.
وفي كتبه المتخصصة، بالإضافة إلى بداياته في رئاسة تحرير مجلة “دراسات شرقية” في كوسوفو، ومع تخصصه في الأدب المقارن، استطاع م. الأرناؤوط العودة للتاريخ والأدب من عدّة زوايا، فاهتم بالتاريخ الحضاري لبلاد الشام. في كتبه ومنها على سبيل المثال: “معطيات عن دمشق وبلاد الشام في نهاية القرن السادس عشر”، و”دراسات في التاريخ الحضاري لبلاد الشام في القرن السادس عشر”، و”دراسات حول الحكومة العربية السورية في دمشق 1918-1920″، و”الصلات العربية البلقانية خلال التاريخ الوسيط”، نقل التاريخ من وصفه خبرًا للمعارك والفتوحات إلى الحديث عن البنى الثقافية والاجتماعية والعمرانية، ومجالًا لرحلة الأفكار وتبادل الخبرات، مع إطلالة من الماضي على أزمات الحاضر، وبخاصة في دراسته عن الأزمة الصربية الكوسوفية: الأسباب والتداعيات. وكذلك الحال مع دراسته “من دار الإسلام إلى الوطن ومن الوطنية إلى القومية”، وقد سبق أن وضع لنفسه مكانة مرموقة في دراسات الوقف الإسلامي في الزمن المعاصر وارتباطاته بالماضي.
أنتج م. الأرناؤوط العديد من الأعمال التي رسخت مكانته العلمية ونظرته الثقافية الواسعة المدى للتاريخ. وفي سعيه لتفكيك الصورة الذهنية عن الدولة العثمانية ومؤسسة الدفشرمة وغيرها من القضايا التاريخية الملتبسة المعالجة عربيًا، أو التي طغت عليها الأيديولوجيا أكثر من المعرفة، وفي سيرته الثقافية نجد نضوجًا كبيرًا في السيرة العلمية واختياراته للترجمة، مع نظرة نقدية للأعمال السابقة التي اعتاد المؤرخون تمريرها عن الزمن العثماني في لحظة النشأة والصعود والانهيار.
نعود للأستاذ المؤرخ والأديب محمد الأرناؤوط، عودة التلاميذ لأستاذهم الذي كان يحترم أعمالهم ويقبل بالنقد، ولا يسعى إلى مفاتن الدنيا. كان نبيلًا وما زال، يقبل بالاختلاف معرفيًا داخل قاعة الدرس، الذي قليلًا ما يحدث؛ لأن الطلبة أصلًا ما كانوا يثيرون الأسئلة النقدية، ومساحة النقد إن وُجدت عند الأرناؤوط برحابة، فهي عند غيره كانت شبه معدومة. وظل يستمع بتركيز وذهنية غير مشتتة؛ بل كان في غاية التركيز والهدوء والاصطبار، حتى على تخاذل الطلبة ومشاركاتهم الضعيفة.
وقد شارك وسعى خلال عمله في جامعة آل البيت بالترتيب والإعداد لأهم الندوات التاريخية، ومنها تجربة فيصل بن الحسين وبناء الدولة العربية، وأدب السيرة والمذكرات والدراما التلفزيونية والتاريخ، خاصة مع شيوع أعمال درامية عن الحقبة العثمانية آنذاك مثل “أخوة التراب” و”غضب الصحراء” وغيرهما، وسعى للتعاون مع المركز الفرنسي بعمان وغيره من المؤسسات بكل دأب وفاعلية.
في شهر نيسان/ أبريل الماضي عقد منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان في عمان ندوة علمية عن سيرة وتجربة المؤرخ الأرناؤوط، وهو تقدير محترم من المنتدى لتجربة أستاذ كبير ومؤرخ أديب، أنجز الكثير وأفاد المعرفة العلمية بشكل ظاهر وجليّ.