-
ميّة الرحبي…. الجمهورية .نت
-
-
-
يسود في سوريا اليوم مفهومٌ غامض، وأحياناً كثيرة خاطئ، للعدالة الانتقالية، ويتضح ذلك من الدعوات العديدة المتناقضة التي نراها تتردد على ألسنة المُتنفّذين أو الضحايا والناجين وعوائلهم في المحافل أو المجالس أو صفحات التواصل الاجتماعي. فنرى طروحاتٍ عديدةً، بعضها يصل إلى حد المغالاة والتطرّف، بين الدعوة إلى نسيان ما حصل والبدء بصفحة جديدة، وبين تعليق مشانق كل من كان موالياً للنظام السابق دون تمييز بين من تلوثت يداه بدماء الضحايا وبين من كان موالياً بمحاباته أو صمته، حتى وصل الأمر بالبعض إلى اعتبار كل من كان يعيش في مناطق سيطرة النظام مجرماً تجبُ محاسبته.
وقد نادينا، كمنظمات أو ناشطين في المجتمع المدني، منذ اليوم الأول لسقوط النظام، بضرورة نشر مفهوم العدالة الانتقالية بين أوساط الجماهير كي لا تتحول إلى عدالة انتقامية أو انتقائية، أو تضيعَ في دهاليز التخبُّط الذي تعيشه البلاد اليوم.
العدالة الانتقالية مسارٌ مُعقّد وطويل عاشته بعض الدول التي مرّت بنزاعاتٍ وحروبٍ، ثم حاولت بعدها النهوض وإعادة بناء الدولة بعد انتهاء النزاعات. وهي لا تهدف إلى تحقيق العدالة المُطلقة، فذلك ما أثبتت تجارب عديدة أنه مستحيل، لكنها تهدف في النهاية إلى الوصول إلى المصالحة والتعايش بين المجموعات المُتنازِعة من ناحية، وإلى التحول من السيطرة العشوائية للقوى المُتنازِعة التي كانت تفرض قواعدها على المجتمع بقوة السلاح، إلى الدولة التي يختار فيها الشعب من يُمثّله ويَحكمه، بقوانين تحمي حقوق وحريات جميع المواطنين دون استثناء.
فالعدالة الانتقالية ليست محاكماتٍ كما يتبادر إلى أذهان الكثيرين، بل هي مسار طويل يبدأ بكشف الحقيقة، مروراً بإجراءات قضائية وقانونية وسياسية واقتصادية واجتماعية، وصولاً إلى الاستقرار وبناء دولة القانون.
لقد أثبتت تجارب الشعوب التي طبّقت مسار العدالة الانتقالية بمفهومها الحديث أن هناك كثيراً من التحديات التي تُواجه هذا المسار، وكثيراً من الشوائب والعيوب التي حرفته أحياناً عن العدالة بمفهومها المجرد. ورغم ذلك، اعتُبِرَ هذا المسار ناجحاً إذا أوصل البلاد إلى الاستقرار والمصالحة والتعايش بين أفرادها، دون أن ينظر بعضهم إلى بعض كمجموعات سكانية متنافرة عرقياً أو دينياً أو طائفياً أو مناطقياً، ارتكبَت فيما مضى جرائم بحق بعضها بعضاً بناءً على انتماءاتِها.
العامل الأساس في مسار العدالة الانتقالية هو وجود الإرادة السياسية الحقيقية، ووجود الإرادة الدولية الصادقة للضغط على الحكومة للتعامل مع الجهات الوطنية والدولية التي عملت لسنوات على هذا الملف، وتفعيل هذا المسار بما يتماشى مع القوانين الدولية، ومَدِّها بالأدوات والوثائق والخبرات اللازمة التي تُسهِّل تطبيقه.
ويعتمد نجاح هذا المسار على وضع حقوق الضحايا في سلم أولوياته، فشعور الضحايا أو ذويهم بتحقيق العدالة، ولو جزئياً، سيُساعد على التئام الجروح وتعافي المجتمع، والتعافي هو أساس المضي قدماً لبناء دولة العدل والقانون.
فاعتقال الجناة وتقديمهم للمحاكمة، أو ما يُسمّى قانونياً بالعدالة الجنائية، ليس سوى جزءٍ من مسار العدالة الانتقالية. فالاعتراف والاعتذار من جانب من لم تتلوث أيديهم بالدماء، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وتخليد الذكرى، وضمان عدم التكرار، أسسٌ مهمة من أسس العدالة الانتقالية لا تقل أهمية عن المحاسبة الجنائية.
إن كشفَ الحقيقة والاعتراف بارتكاب الجرائم والمجازر أمرٌ هام، خاصة في ظلِّ التعتيم الإعلامي الذي مارسه النظام البائد، وعزل المناطق عن بعضها بعضاً، بحيث لم يعلم سكان منطقة بما حدث في منطقة أخرى. فقد ذكر أحد الأصدقاء مؤخراً، وهو من دير الزور، أن ناشطاً ثورياً من إدلب سأله: «ليش إنتو صارت عندكن حرب بالدير؟».
الاعتراف والاعتذار شرطٌ مهم للتعايش مع من لم تتلوث أيديهم بالدماء، وقد دُعيت بعد سقوط النظام للانضمام إلى مجموعة تشكّلت في اللاذقية باسم «مجموعة السلم الأهلي»، واضطررتُ للانسحاب منها بعد فترة قصيرة، لوجود شخص بينهم من إدلب كان يتحدث بلغة القوي المُنتصر. بالمقابل، كان آخرون يدعون إلى نسيان الماضي ومحوه من ذاكرتنا. حاولتُ كثيراً أن أشرح وجهة نظري، وأن كل ذلك لن يساعد في تحقيق السلم الأهلي، دون فائدة.
العدالة الجنائية مهمة لمحاسبةِ من ارتكب جرماً، فلا يجوز أن تمرّ الجرائم والمجازر دون عقاب لمرتكبيها، الذين لا يستحقون أن يعيشوا بين المواطنين وهم يحملون بين أضلعهم كلّ ذلك الشر، ولا تشفع لهم حججهم التافهة بأنهم كانوا ينفِّذون الأوامر فحسب، وإلا لَعُدنا إلى شريعة الغاب. ولا تكفي هنا محاكمات شكلية تأخذ طابعاً انتقامياً، بل لا بد أن تكون علنية، شفافة، وعادلة، لا تُغذّي حِسَّ الانتقام بقدر ما تُسهِمُ في كشف الحقائق، وتعرية الأكاذيب التي حاول النظام البائد التستر على جرائمه بها وطمس حقائقها وتفاصيلها.
وجبرُ الضرر من أهم مسارات العدالة الانتقالية، فهو استعادة لإحساسِ الضحية بمواطنيته وانتمائه إلى وطن يحمي حقوقه ويُعوِّضه عن الظلم الذي حاقَ به. وصحيح أن لا شيء في العالم يُمكن أن يجبر خاطر أمٍّ فقدت ابنها، لكن تأمين المسكن والصحة والتعليم لأبنائها الباقين قد يبعث بعض الراحة والسكينة في قلبها. كما أن إعادة المفصولين إلى عملهم، واحتساب السنوات التي ضاعت من ترقياتهم، هي شكل من أشكال العدالة التي تُشعِرهم بأنه ما تزال هنالك عدالةٌ في العالم. أنا شخصياً بكيتُ بحرقة عندما استعدتُ تسجيلي في نقابة الأطباء بعد شطب اسمي منها لأسباب أمنية، فقد أحسستُ بأن شيئاً من العدالة قد تحقّق، بعد كلِّ الظلم والإجحاف والتهجير الذي لحقَ بي.
وكذلك فإن تخليد الذكرى يُعطي الضحايا وأحباءهم إحساساً بأن ذكراهم وتضحياتهم لن تُنسى، وستبقى شواهد تاريخية للأجيال اللاحقة.
ثم هنالك العنصر الذي لا يقلُّ أهمية عن العناصر السابقة في مسار العدالة الانتقالية، وهو إصلاح المؤسسات لتقوم على أساس ضمان حقوق المواطنين رجالاً ونساءً، ومكافحة الفساد، وتعيين الكفاءات، وإدارة البلاد بالأساليب التي تبني الدولة الحديثة، بكل ما تعنيه الحداثة من معنى: حوكمة، وإدارة، وتقنية، ومسؤولية، ووضع كرامة الإنسان وحريته وحقوق المواطنة الكاملة المتساوية فوق كل اعتبار.
كلُّ تلك المسارات السابقة يجب أن تكون متزامنة، حقيقية وجادة، وتهدف إلى تحقيق المصالحة وإعادة اللحمة للمجتمعات التي مزّقتها خطابات الكراهية والمقت والانقسامات المجتمعية العمودية، بأكثر ممّا مزقتها الأسلحة والقذائف.
وهنا لا بد من لفت النظر إلى العدالة الانتقالية الحسّاسة للجندر، التي تأخذ خصوصية أوضاع النساء واحتياجاتهنَّ بعين الاعتبار، كاستخدام الاعتداء الجنسي سلاحاً في الحرب، وهو ما مارسه النظام البائد وبعض الأطراف الأخرى، ووصلَ إلى حدِّ السبي وبيع النساء في أسواق النخاسة على يد داعش، والاختطاف الذي مارسته جميع الأطراف المتنازعة. كما لا بد من مراعاة حقوق النساء في محور جبر الضرر، كحقوقهنَّ في السكن والتمكين الاقتصادي ضمن ملف إعادة الإعمار، أو مشاركتهنَّ الفاعلة في جميع أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن محور إصلاح المؤسسات. ولن يتحقق ذلك إذا لم يكُن للنساء تواجد فاعل غير شكلي، مع كوتا لا تقل عن 30 بالمئة في جميع لجان العدالة الانتقالية.
مهما بدت التحديات والصعوبات كبيرة اليوم، فلن نفقد الأمل في أن يأتي يوم تطالُ فيه يدُ العدالة كلَّ من أجرم بحق الشعب السوري، وكلَّ من ساهم في تفتيت نسيجه الاجتماعي. وليس غريباً أن نرى ذلك الأمل بعيدَ التحقق الآن، فالمحنة التي مرّ بها شعبنا قاسيةٌ مُرّة. ولكن بالمقابل، ليس حلماً مستحيلاً أن نرى اليوم الذي يتجاوز فيه أهلنا وناسنا كل تلك المصاعب، ويبدؤون العمل معاً لبناء الدولة التي ناضلنا وحلمنا جميعاً بها، دولةً تُحقِّق الأمن والسلام والعدالة لجميع مواطنيها.
-