
نظرة خوف تعتلي وجه فتاة عراقية من وراء نافذة منزلها (رويترز)
ملخص
المجتمع العراقي أثرت فيه عوامل قاسية كانت نتاج سياسيات غير منطقية أدخلت البلاد في حروب عبثية أثرت فيه اجتماعياً، وبالتالي قيمياً بعد حصار اقتصادي طويل من عام 1990 وحتى الاحتلال عام 2003 ما أثر فيه اقتصادياً وقيمياً.
كل شي في العراق بات مختلفاً، فلم يبقَ شيء على حاله، هذا ما تلمسه حين تعود إليه بعد سفر طويل، لتقارن بين تصوراتك السابقة وما تلمسه من تغيرات في بنية المجتمع. تأخذك الغرابة وأنت تعاين ما حولك في شوارع العاصمة بغداد، أو تتوجه شمالاً نحو أربيل التي تحولت لعاصمة أخرى في بلاد الرافدين، لإقليم كردستان، حيث يستوطن الكرد.
وبين هذا وذاك تلتمس لنفسك العذر بأنك كنت مجبراً على مغادرة الديار لتنأى عن حرب طائفية كادت تعصف بالبلاد، وتمزق نسيجها ووحدتها الوطنية التي بنيت على أسس قيمية موحدة منذ 100 عام مطلع عشرينيات القرن الماضي وقت إعلان المملكة العراقية على يد الهاشميين عام 1921، وتسأل مضطراً: ما الذي حدث في بنية المجتمع العراقي؟ ما دوافع سلوك الناس هناك؟ من يتحمل وزر انهيار القيم؟
خلل في منظومة القيم
يرى الباحث جمال العتابي، وهو مفكر ومثقف وناشط معرفي، أنه “لقراءة ما جرى للمجتمع العراقي بعد عام 2003، فعلينا ألا نكتفي بوصف الظواهر التي نراها على السطح، بل أن نسأل أولاً: ماذا حدث للدولة وللقانون وللمؤسسات التي تنظم حياة المجتمع وتحمي منظومته القيمية؟ لا شك أن العراق قبل عام 2003 لم يكن يعيش حالاً مثالية، فقد خرج من حروب طويلة وحصار قاس واستبداد سياسي أضعف المجتمع ومؤسساته وأرهق الطبقة الوسطى، لكن انهيار النظام في هذا العام وما أعقبه من احتلال وفوضى وعنف طائفي ونظام سياسي قائم بدرجات كبيرة على المحاصصة، قد أحدث تحولات اجتماعية وأخلاقية وسياسية شديدة العمق، تركت آثارها السلبية على مختلف الصعد”.
وقال إن “غالبية المستطلعين في هذا الحوار يتفقون على متغيرين رئيسين هما الحرب والحصار التي مهدت للتحول الاجتماعي سلباً والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وما رافقها من فوضى وحرب أهلية وسلطة غير كفؤة قادت البلاد لذلك الحصاد المر، مع حدوث تحولات كبرى جرت في المجتمع بحيث غيَّرت من طبيعته”.
وأوضح الباحث العتابي أن “أخطر هذه التحولات في تقديري هو تراجع هيبة القانون أمام النفوذ السياسي والحزبي والعشائري، الذي انتظم في كيانات أقوى من المؤسسة الرسمية، وبدلاً من أن يلجأ المواطن العراقي إلى القانون، يظل يبحث عن الحزب أو العشيرة أو صاحب النفوذ، وهكذا لا تعود العشيرة إطاراً اجتماعياً فحسب، بل تتحول إلى سلطة موازية للدولة، ويصبح العرف بديلاً عن القانون في مسائل ينبغي أن تفصل فيها المؤسسات القضائية والمدنية”. وتابع “من هنا اتسعت دائرة الفساد، لا بسرقة المال العام وحده، بل فساد الإدارة، وتعطيل مبدأ الكفاءة، وتقديم الولاء على الخبرة، وتحويل الوظيفة العامة من مسؤولية لخدمة الناس إلى امتياز أو مورد للنفوذ، فلم تعد الكفاءة والتعليم والنزاهة وسائل شرف إلى المكانة الاجتماعية، إنما يتم بلوغها بالوساطة أو الانتماء أو النفوذ الحزبي، لينتقل الخلل من الإدارة إلى منظومة القيم نفسها، وفي ظل هذه الظروف الشاذة يصبح التجاوز على المال العام أمراً ميسوراً لأصحاب النفوذ، والسيطرة على الممتلكات العامة مشروعاً بغطاء فتاوى زائفة وشاذة”.
تحولات القيم في العراق
غير أن الباحث السياسي ليث كبة، وهو متخصص في الحوكمة وعمل مستشاراً لرئيس الحكومة أوضح أن هناك عمقاً أبعد في التحولات الظاهرية التي حدثت في المجتمع العراقي، قائلاً “لا شك في وقوع تغير في القيم والأعراف، تتفاوت في درجتها في مناطق العراق، لكن الأسئلة المهمة تبقى في عمق هذه التحولات وما آثارها القريبة والبعيدة؟ وكيفية قراءتها، ولا سيما بعد عام 2003، وما تداعيات هذه التحولات اليوم بعد مرور 23 عاماً على مسارات المستقبل في العمل الوطني والسياسي وفي بنية الدولة؟”.
وأكد أن “التغيير الذي بدأ قبل عام 2003 وما بعدها مهم لأن كل التحولات التي حدثت على بنية المجتمع والدولة العراقية سببها تحولات البيئة العالمية والأفكار في بنية الدولة، ووضع النفط والزراعة، والتحولات التي شهدتها بنية بغداد، وهذه كلها تغيرات نشأت من صيرورة ذاتية، ولم تنشأ من عوامل خارجية، مما يمنح هذا الموضوع أهميته هو الحديث عن تحولات أعقبت عام 2003، وينبغي النظر إليها من خلال أربعة محاور هي: المنطقة الكردية في إقليم كردستان، ومناطقة الجنوب التي يغلب عليها الوجود الشيعي والعشائري، والمنطقة الغربية التي يغلب عليها وجود العشائر العربية السنية، وبغداد بما تمثله من رمزية بوصفها عاصمة الدولة وذات ثقل سكاني كبير يكاد يختزن ثقل العراق بكل أبعاده”.
وأرجح أن التحولات الأقوى والأكثر وتميزاً حدثت في بغداد ومناطق الوسط والجنوب، والسبب أن التحولات التي حدثت في إقليم كردستان والمنطقة الغربية، تكاد تكون تشبه التحولات التي شهدتها كل دول المنطقة، ومنها التحولات البيئية وآثار الحروب وتأثيراتها، وما ارتبط بها، لكن التحولات التي شهدتها العاصمة بوصفها مركز الدولة، ومناطق الوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية، هو الموضوع الرئيس الذي يميز هذا النقاش ويعطيه أهميته ويستحق دراسة معمقة، وحتى الآن، لا نزال نفتقر لدراسات علمية وسواها تبحث هذا الموضوع”.
3 حروب وحصار واحتلال
الباحث هيثم هادي نعمان الهيتي من جامعة إكستر البريطانية أوضح أن جوهر التحولات حدثت على مدى زمني طويل، لكن المجتمع العراقي أثرت فيه عوامل قاسية كانت نتاج سياسيات غير منطقية أدخلت البلاد في حروب عبثية أثرت فيه اجتماعياً، وبالتالي قيمياً بعد حصار اقتصادي طويل من عام 1990 وحتى الاحتلال عام 2003 ما أثر فيه اقتصادياً وقيمياً.
وقال الهيتي، “شهدت قيم المجتمع العراقي تحولاً هائلاً بفعل مرحلتين هما ما قبل عام 2003 وما بعده، وتعود المرحلة الأولى إلى الحرب العراقية – الإيرانية، التي غيرت أوضاع الأسرة وأثرت في منظومة القيم المجتمعية. فقد كرست عسكرة المجتمع ونقلته من طابعه المدني الذي تبلور في العهد الملكي وسبعينيات القرن الماضي إلى نمط عسكري متكامل، وأخل غياب الأب أو الأخ الأكبر بتوازن الأسرة، فاضطرت الأم أو المرأة أو الأخ الأصغر أحياناً إلى إدارة شؤونها. وترك غياب رب الأسرة، إلى جانب أعداد الشهداء والأسرى، آثاراً اجتماعية عميقة، وأفضى إلى تغيرات قيمية وظهور أسر تعيش واقعاً مختلفاً عما اعتادت عليه سابقاً”. وتابع “أما العامل الثاني، وهو الأهم والأصعب، فيتمثل في الحصار الاقتصادي، الذي أثر بصورة أساسية في الأسر العراقية وقيمها، ولا سيما بسبب ضعف القدرة الشرائية وأشاع الجوع وعدم الكفاية، وهنا بدأت حال من الإذلال الاجتماعي بعدما كان العراقي يشعر دائماً بنوع من الكبرياء والسمو انحدر المجتمع لحال من الحاجة الاقتصادية الماسة وأسهم ذلك في نشوء الفساد، الذي كان غريباً عن المجتمع، ثم بدأ قبوله بوصفه قيمة جديدة تختلف عن قيم الأصالة والاحترام والنزاهة”.
ومضى في توضيحه، “على سبيل المثال خلال السبعينيات أو الستينيات، وحتى الخمسينيات، كان من المستغرب سماع حالات الرشوة أما خلال فترة الحصار في التسعينيات وبعدها، فقد بدأت الرشوة تتحول إلى ظاهرة مألوفة وحال طبيعية في المجتمع، وكان ذلك نتاجاً للتحول القيمي الذي أحدثته الحرب والحصار وتأثيراتهما في الإنسان العراقي. كذلك فإن التأثير الإيراني في العراق أدى دوراً أساساً في إشاعة الانقسام الطائفي، إذ أصبحت القيم الطائفية هي السائدة والمسؤولة عن أزمات الهوية والوضع السياسي، بدلاً من الهوية الوطنية التي تجمع الناس لحماية وطنهم وبنائه بصورة مشتركة وأدت القيم الطائفية إلى ارتباط بعض الأفراد بولاءات خارجية على حساب ولائهم للوطن، وأسهمت بإدخال تقاليد هجينة على التقاليد العراقية والعربية، وحتى الدينية فيها”.
إيقاع مرحلة ما بعد الحرب
يلقي الباحث الأكاديمي مؤيد الونداوي باللوم على المؤسسة السياسية وصانعي القرار في الدولة العراقية لأنها خاضت حروباً من دون مراجعة شاملة، موضحاً أن “المجتمعات تشهد، مع كل حدث كبير مثل الحروب وما يعقبها، تحولات واسعة وخطرة في الوقت نفسه فالشعوب التي تتمكن من ضبط إيقاع مرحلة ما بعد الحرب لا تتأثر كثيراً بل قد تستفيد من التجربة وتطور مختلف جوانب حياتها نحو الأفضل، أما الشعوب التي تتعرض لتحولات كبيرة وسريعة من دون أن تتمكن من ضبط إيقاعها، فإنها قد تواجه كوارث حقيقية، وهذا هو المشهد الذي يعيشه العراق في الوقت الحاضر”. وقال، “إذا ناقشنا طبيعة هذه التحولات، فسنجد أنها كثيرة ومتنوعة وتشمل مختلف الفئات الاجتماعية، سواء في المدن أم الأرياف. وقد تأثرت البلدات والمدن العراقية بدرجة كبيرة، وربما بصورة أكبر من الأرياف، وبما أن الأحداث توزعت بين الشمال والجنوب، وبين العرب والكرد، فينبغي قراءة هذه التحولات ومقاييسها بعناية فما أصاب الناصرية والعمارة ليس مماثلاً لما أصاب الأنبار أو الموصل أو تكريت”. وأضاف، “اليوم نستطيع القول إن الظاهرة التي أثرت في المدينة العراقية لم تؤثر بطبيعتها وأبعادها نفسها في الأرياف. فقد شهدت المدن تحولات سريعة في مستوى المعيشة والعلاقات الأسرية والعلاقات داخل الأحياء السكنية، لا سيما بعد الحرب الأهلية مطلع عام 2005، وما نتج منها من تغيرات على مستوى البلدات الصغيرة إلى العلاقات المجتمعية داخل الحي الواحد، وتأثر بعض الأفراد بقيم جديدة لا تراعي أسس المجتمع العراقي وقيمه الموروثة. ولا يزال جيل كبير حاضراً يراقب كيف تتغير نظرة أفراد الأسرة إلى الاستهلاك، وإلى مشروعية المال أو عدم مشروعيته، وإلى نظافة مصادر هذا المال، وتستطيع العشيرة، بدرجة أو بأخرى، ضبط قيمها وتجنب بعض الخسائر التي لا يتمكن أفراد الأسر في المدن والبلدات من تفاديها، لأن الحياة الريفية لا تزال قائمة على أسس أكثر قوة وتماسكاً”.
القيم الأساسية والتأثيرات الخارجية
يعود الباحث ليث كبه ليؤكد أن التغير الذي حدث في العراق كان في جوهر القيم التي تعرضت لهزات خطرة، قائلاً “في حالات الحروب والتمزق تتعرض القيم إلى الضعف لفترة قصيرة وبعد ذلك تعود المؤسسات المجتمعية إلى بثها وترسيخها، لأنها قيم وجودية لا يمكن لأي مجتمع أن يحيا من دونها، لكن عندما تندلع الحروب أو يحدث تمزق اجتماعي، أو يضعف الاقتصاد بشدة قد تضعف هذه القيم، ومع ذلك، تبقى مؤسسات الدولة الرئيسة كالتربية والتعليم، إلى جانب الرموز المجتمعية والنخب، فهي المسؤولة عن ترسيخها والمحافظة عليها وإعادة إحيائها داخل المجتمع، وما أصاب العراق في هذا الجانب يشبه ما أصاب المنطقة عموماً، وهذا ينطبق على المناطق الأربع كما أسلفنا فهي تشهد تفاوتاً طبيعياً بين الأجيال نتيجة تطور وسائل الإعلام، وانتشار العولمة وقيمها”.
ماذا عن رجال الدين؟
لرجال الدين المتنورين منهم والمساهمين في الحوار اليومي في العراق رؤية عميقة وأخلاقية عما يحدث، إذ يذهب الباحث مضر الحلو، وهو باحث وخطيب شيعي إلى بعد آخر في تأصيل ظاهرة تغير القيم المجتمعية، فيقول “لم تعد المسألة مقتصرة على تغير القيم، فمن الطبيعي أن تتغير بعض القيم كلما تطورت الحياة. إننا لا نواجه مجرد تغير في القيم، بل نواجه تحدياً يتمثل في سرعة هذا التغير، حتى أصبح الإنسان غير قادر على التمييز بين ما يمكن أن يتغير وما لا يجوز تغييره”. وتابع “من جانب آخر نحن أمام ما هو أبعد من تغير القيم. فنحن نشهد تحولاً حقيقياً في مصادرها، ففي السابق كان الإنسان يستقي قيمه من الأسرة والمدرسة والمجتمع والمؤسسة الدينية، أما اليوم فقد دخل شريك جديد وقوي جداً في التأثير في الإنسان وتنشئة الجيل الجديد، وهو الهاتف المحمول والشاشة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت شريكاً أساساً في صناعة وعي الإنسان وقيمه”. وقال، “نحن نتحمل اليوم مسؤولية تنشئة الجيل الجديد، فليس في إمكاننا، وليس من الحكمة، إعادة عقارب الساعة والعودة للماضي، وليس من الحكمة الانتقال إلى المستقبل بلا رؤية أو وعي، لذلك أعتقد أنه ينبغي أن ننشئ الجيل الجديد على قدرته على التمييز بين القيم التي ينبغي أن تتغير، والقيم التي لا يجوز أن تتغير”.
بين الانفلات والحرية
الباحث مضر الحلو اعتبر أيضاً “أن التغيرات التي تنشأ نتيجة تطور الحياة وتبدلاتها تعد أمراً طبيعياً، أما التغير الذي يمس إنسانية الإنسان، فلا ينبغي القبول به لأن هناك قيماً ترتبط بجوهر إنسانية الإنسان، ومن دونها يفقد الإنسان إنسانيته، لذلك لا بد من إيجاد معيار واضح، حيث تفرض علينا اليوم قيم جديدة لم تكن مألوفة أو معروفة سابقاً، وقد فرضت نتيجة عصر التكنولوجيا وتطوراتها المتسارعة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي”.
وأضاف، “على سبيل المثال، أصبح الانفلات يقدم بوصفه حرية، أو أصبحت الحرية تفسر بالانفلات، وأصبح التطور يعني التنصل من الثوابت، واحترام الاختلاف يعني التنازل عن المبادئ، وأصبحت الشهرة تعني النجاح، وأصبحت السعادة مرتبطة بالاستهلاك. وهكذا، بعدما كان هناك معيار يميز بين الصواب والخطأ، أصبح الشائع والمشهور، أو ما يعرف بـ’الترند‘ هو المقبول، وهو الصواب، بينما ينظر إلى غيره على أنه خطأ كما أصبحت اللذة، حتى لو كانت موقتة، دليلاً على السعادة، وبهذه الطريقة تغيرت قيم كثيرة فرضتها علينا وسائل التواصل الاجتماعي”.
مسؤولية الأحزاب الإسلامية
أما الباحث السيد رحيم أبو رغيف، وهو مفكر وباحث إسلامي فأكد أهمية ملاحظة تصدع البنية المجتمعية جراء مدخلات وافدة على المجتمع، قائلاً “أعتقد أن الذي حصل بعد عام 2003 كان نتيجة لتراكمات كثيرة أفرزتها الحروب ونتيجة للطريقة والأسلوب الذي دخل به المحتل إلى العراق، حيث فرض نظاماً سياسياً وطبقة سياسية معينة، ظناً منه أن هذه الطبقة قادرة على إعادة بناء البلد وضمان استمرار مؤسسات الدولة على الوجه الذي يمكن من خلاله تطور الجانب الاقتصادي”. وأشار إلى أن “هذا الواقع العراقي ناجم عن حال الاضطراب الذي أصابه الفساد وبدأ يتجذر منذ أن تشكلت دولة ما بعد 2003، حيث تمكنت الأحزاب الإسلامية من الإمساك بالسلطة. وهذه الأحزاب جاءت بمدوناتها الثقافية وأديباتها التي تنطوي على قدر كبير من التجهيل ظناً منها أنه يمثل المنظومة الدينية، وهذا أسهم إلى حد كبير في تداعي وتصدع الجانب الأخلاقي، حيث بدأت الناس تستخدم الدين والطقوس والشعائر، وبدأ الفاسدون يتمترسون بالشعارات والطقوس الدينية”. وأوضح أن “هذا الفساد عندما يستشري في أي دولة يحدث تصدع قيمي وتشظٍّ في المنظومة القيمية. وعندما يحصل الفساد في مفاصل الدولة بهذا المستوى المروع والعميق تنتج منه الدولة الموازية أو الدولة العميقة. وكل هذه الظروف السياسية والاقتصادية مارست تأثيراً كبيراً في خلق حال من الطبقية”. وتابع “هذه الحال جعلت طبقة تبحث عن سبل العيش بشق الأنفس، وطبقة مترفة إلى حد كبير، هذا الفارق الشاسع بين الطبقتين أيضاً أسهم بصورة كبيرة في تراجع منظومة القيم. وقد أسهم الاحتلال بقدر معين بفرض نظام سياسي لم يعرف إلى أي مدى يمكنه الانسجام مع مزاج وطبيعة الشعب العراقي، وكيف يمكن لهذا النظام أن يمضي وينهض بهذا الشعب اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وقيمي، لأن المصدر الأساس في منظومة القيم لا بد أن يتحقق من خلال المؤسسة التعليمية”.
ومضى في حديثه، “للأسف هذه المؤسسة التعليمية نخرها الفساد مثل سائر مؤسسات الدولة الأخرى، فلم تعد مهتمة بقضية التربية إلى الحد الذي تترسخ معه القيم ومبادئ التربية في المجتمع العراقي، أما المؤسسة الصحية فهي الأخرى لم تكن قادرة على تهيئة الحد الأدنى من الخدمة الطبية للمواطن، فضلاً عن الجانب الاقتصادي المضطرب جداً، وكذلك الأنظمة والقوانين التي لم تشرع حتى الآن، فبعض النصوص الدستورية لم تشرع كقوانين، وباعتقادي مجلس النواب أيضاً أخفق في ملاحظة هذه القضية، ولن تطرح مشاريع لها علاقة بالجانب القيمي”.
معارضة لا تملك رؤية مسبقة
وما بين هذا وذاك، يرى الباحث والدبلوماسي كاظم نزار الركابي أن تخريب قيم المجتمع بدأ من انعدام رؤية المعارضة التي جاءت للحكم بعد 2003، مضيفاً أن “النخب التي عادت من المنفى جاءت محملة بقيم المجتمعات الخارجية التي أقامت فيها”.
وقال، “نخب القطيعة التاريخية هذه جاءت بولاءات تشكلت في إيران وبريطانيا وسوريا. لا تملك رؤية أو تجربة بناء دولة، حملت منطق المظلومية والاستحقاق والزبائنية، وأدمجته في بنية المجتمع الجديد. القيم الوافدة كانت مشروع سلطة يستعيد به المنفي حصته، لا استعادة للعراق الذي غادروه. ففي وقت نص فيه الدستور على الفصل بين السلطات رسخت الممارسة اندماج القضاء والتشريع والتنفيذ، وتشابكت جميعها تحت سقف الكتل، حتى تعذرت المساءلة”.
واعتبر أن “الفوضى هنا وظيفة، لا خلل مصمماً لتذويب الحدود بين السلطات ولضياع المسؤولية، وهو نظام لا يحاسب فيه أحد، لأن الجميع متورط في الغنيمة نفسها. وسيولة الدولة صارت أداة حكم وتحولت الميليشيات من فصيل مسلح إلى سلطة موازية. الميليشيات تحولت فاعلاً اقتصادياً يمسك المعابر والجباية، وحكماً اجتماعياً يفرض العرف والحماية، وحارساً للهوية وأضحت خصخصة العنف والسيادة معاً، وسحبت الجاذبية السيادية من الدولة إلى أقطاب خارجها، حتى باتت الميليشيات منظومة قيم قائمة على الولاء للسلاح والراعي، لا مجرد قوة عسكرية”.
إحصائية لافتة عن قيم المجتمع
هنا يأتي الدور على لغة الأرقام التي تكشفها إحصائية لافتة قدمها الباحث منقذ داغر، رئيس المجموعة المستقلة، وتوضح حزمة من المتغيرات التي جرى التوصل من خلالها إلى نظرة العراقيين إلى أمور وظواهر شاعت في المجتمع.
تأتي ظاهرة الانتحار على رأس تلك المتغيرات، إذ ارتفع تبريره من 7 في المئة عام 2014 إلى 17 في المئة خلال عام 2019، مقابل تراجع الرفض له من 93 في المئة إلى 83 في المئة. وتؤشر هذه الأرقام إلى تحول لافت في سلوك يرفضه الدين والمجتمع.
أما الرشوة فقد قفز تبريرها من واحدة في المئة فقط عام 2004 إلى 21 في المئة خلال عام 2019، مما يعني أن ثقافة “العيب” كرادع ضد الفساد بدأت تتلاشى.
ثم ظاهرة سرقة أملاك الآخرين، والتي تضاعف تبريرها نحو 10 مرات من اثنين في المئة خلال عام 2010 إلى قرابة 20 في المئة بحلول عام 2020، وتراجع الرفض لها من 92 في المئة إلى 78 في المئة أي إن واحد من كل خمسة لم يعد يجد غضاضة في سرقة أملاك الآخرين.
وعن العنف ضد الآخرين فقد ارتفع تبريره من 8 في المئة خلال عام 2004 إلى 20 في المئة 2019، وبات الشعب العراقي في المرتبة الثامنة كأعلى شعوب العالم في تبرير العنف ضد الآخرين، بينما بلغ تبرير العنف السياسي 22 في المئة خلال عام 2019، وهو سابع أعلى نسبة عالمياً من بين 86 دولة، وهذا مؤشر إلى قبول متنام للعنف كأداة سياسية.
وارتفع تبرير ظاهرة الإجهاض عبر ثلاث جولات من خمسة في المئة عام 2004، ثم 15 في المئة عام 2010، ثم 24 في المئة عام 2020، وتراجع الرفض من 95 في المئة إلى 81 في المئة إلى 75 في المئة، أي إن واحداً من كل أربعة يبرره اليوم.
وبخصوص الطلاق، تضاعف تبريره أربع مرات من 11 في المئة 2014 إلى 42 في المئة بحلول عام 2019، وتراجع الرفض من 88 في المئة عام 2014 إلى 58 في المئة عام 2019. وبهذا لم يعد من التابوهات الاجتماعية.
وفيما يتعلق بظاهرة ضرب الأطفال، فقد ارتفع تبريره من 30 في المئة عام 2014 إلى 33 في المئة عام 2019، أي إن ثلث العراقيين يبررونه علناً.
وتشير أرقام ظاهرة ضرب الزوجة إلى ارتفاع تبريرها من 16 في المئة خلال عام 2014 إلى 21 في المئة عام 2020. وبذلك يعد العراق، الأعلى عربياً مع مصر وتقفز النسبة بين الشباب الذكور إلى نحو 35 في المئة.
نهاية المطاف
ويمكن من خلال ما سبق قراءة أن الحكم في العراق الحالي بلع طعم ما سمى بـ”الديمقراطية” في مجتمع غالبيته فلاحية، ونسبة الجهل ترتفع فيه بصورة غير مسبوقة، ولا توجد وسائل إنتاج حقيقية تشجع اقتصاد السوق الذي تبنته الدولة الجديدة بعد عام 2003 ولا طبقة عاملة حقيقية وأخرى رصينة تتمكن من أن تدير الدولة، ولا يوجد ديمقراطيون بنسبة تتلاءم مع دستور البلاد “الديمقراطي” أو يمدون تلك الديمقراطية بالبقاء والحوار لمصلحة التطور فقد أخذوها وصفة.
وخير مثال على ذلك ابتعاد العراق من المجتمع الديمقراطي، بل وتبني مبدأ المحاصصة السياسية وشيوع الطائفية والفهم الخاطئ لوظيفة الإقليم الذي يعمل خارج تنسيق ومصالح المركز، والانتخابات التي أنتجت برلمانات غير مدركة لواجبها الوطني.
ويُجمع مثقفو البلاد ونخبه الفكرية على أن الحكومات بات جل همها الإثراء والاستحواذ على عقود الدولة والمال العام والتبعية الفاقعة للخارج بمسوغات غير وطنية.
ولم تستدعِ الانتخابات زعامات ديمقراطية همها بناء الوطن والارتقاء به لمصافي البلدان النفطية، وتغولت السلطة التنفيذية وظل البرلمان تمثيلياً يسعى لمكاسب لإثراء أعضاءه، ما داموا لا يعملون ضمن السياقات الدستورية والقانونية، ويتنافسون من أجل المقاعد على حساب المشروع الوطني، وكل هذا يفسر سر انهيار القيم في المجتمع العراقي.