موقع درج…
بشير أمين ـ كاتب سوري
قانونياً، عادت سيادة الدولة إلى المحافظة، أو هي تعود تدريجياً في أقل تقدير، لكنّ استعادة السلطة المركزية لا تحسم مسألة الشرعية، ولا تجيب عن سؤال تمثيل سكّان المنطقة ومكوّناتها في ترتيباتها السياسية. من هنا، يصبح من الضروري النظر إلى مطالب المتظاهرين وتوجّهاتهم السياسية والفكرية: هل يطالبون بالمشاركة في بناء سلطة تمثّل جميع سكّان المنطقة، أم أن تصوّرهم لسيادة الدولة يرتبط أيضاً بتصوّر محدّد لهويّة هذه المنطقة وسكّانها؟
في عام 1939، طلبت مجموعة من أهالي القامشلي من حكومة الكتلة الوطنية أعلاماً سورية من أجل إبراز الانتماء الوطني لهذه المنطقة وولائها لسوريا، وذلك تحضيراً لزيارة مجدولة للمندوب السامي الفرنسي إلى الجزيرة السورية.
في هذه الأثناء اعترضت مجموعة أخرى مناهضة لهذا التوجّه، شحنة الأعلام المُرسلة إلى محطّة القطار في نصيبين (تركيا اليوم)، واستطاعت مصادرتها بعد شدّ وجذب وحرقها أمام مبنى البلدية.
تشرح وثائق قائمقام القامشلي بأن شخصاً من أعيان المدينة يدعى عزيز داود حنا، قد عرض ليرة سورية من ماله الشخصي لمن يتطوّع بالتبوّل على الأعلام، وتضيف البرقية المرسلة إلى دمشق في حينها، أن شخصاً تطوّع بالفعل ليتبوّل على الأعلام.
هناك عدّة جوانب مثيرة للاهتمام في هذه الحكاية التي يرويها بنجامين توماس وايت في كتابه “ظهور الأقليات في الشرق الأوسط – 2011″، تبيّن علاقة الأطراف بالمركز وانتماء المنطقة المهزوز إلى سوريا في تلك المرحلة.
بعد قرابة قرن تعود التوتّرات إلى الحسكة باسم العلم السوري، وتخرج مظاهرات تحت شعار “جمعة العلم السوري”، تطالب بفرض سيادة الدولة على المحافظة، رغم بديهية المطالب: رفع العلم يعني رفع رمز الدولة، وعودة مؤسّساتها تعني استعادة سيادتها.
لكنّ المشهد الحالي، بتوترّه ومواجهة شارع – لشارع يطرح سؤالاً يتجاوز العلم نفسه. هل يدور الخلاف حول سلطة الدولة على المنطقة، أم حول شكل هذه الدولة، ومن يملك حقّ تعريفها وعلاقتها باتفاق الدمج بين الإدارة الذاتية والسلطة؟
استحضار حادثة 1939 لا يعني أن دوافع المتنازعين اليوم هي نفسها دوافع أطراف ذلك الوقت، لكنّ الحادثتين تكشفان في سياقات متشابهة أن الانتماء إلى الدولة السورية وشكل “الوطنية السورية”، الذي يعنيه هذا العلم، لم يكن دائماً مسألة محسومة، وأن رموز الوحدة الوطنية قد تتحوّل إلى ساحة للصراع على معنى هذه الوحدة.
سؤال السيادة في الحسكة
يمكن تعريف السيادة، قانونياً، بأنها سلطة الدولة العليا على إقليمها واستقلال قرارها، ومع تطوّر الدولة الحديثة، انتقل مصدر شرعية الحكم تدريجياً من الحقّ الإلهي للملوك إلى الشعب، بوصفه مصدر السلطة وصاحب الحقّ في اختيار ممثّليه، لكنّ السيادة الشعبية تطرح بدورها سؤالاً أساسياً: من هو الشعب الذي تستمدّ السلطة شرعيتها منه؟ لذلك، لا تكفي استعادة السلطة المركزية للإجابة عن سؤال الشرعية؛ بل يبقى السؤال: باسم من تحكم الدولة، وكيف تضمن أن يكون سكّانها شركاء متساوين في تحديد شكلها؟
أهمّية هذا السؤال في شمال شرق سوريا تتضاعف حيث تطوّرت سلطة الإدارة الذاتية بوصفها سلطة موازية وطارئة خلال سنوات الحرب، وتراجع خلالها حضور العلم السوري باطراد مع تصاعد الصراع بين القوّات الكردية والأطراف السورية الأخرى.
وكحال العلم الكردستاني مُنع العلم السوري من التداول في المنطقة، ورغم تبنّيها للعلم في فترات ملحوظة متقطّعة إلا أن منع الإدارة الذاتية للعلم خلق حالة من الغبن ضمن الأوساط العربية السنّية والعشائرية، حتى صار رفع العلم بالنسبة إلى بعض السكّان تعبيراً عن الانتماء الوطني، وبالنسبة إلى آخرين تحدّياً للمشروع السياسي القائم في المنطقة.
وصلت ذروة الضيق الشعبي في أعقاب سقوط نظام الأسد، حين مُنع الناس من التجمهر وتعرّض كل من رفع الأعلام السورية لمضايقات وتوقيف.
احتجاجات الحسكة، ضمن السياق أعلاه، تشي برفض المتظاهرين اتفاق الدمج باعتباره استعادة لسيادة الدولة، إذ لا يعتبرون مؤسّسات الحسكة منضوية تحت سلطة دمشق، رغم رضا الطرفين المتبادل عن هذا الاندماج.
وبالتالي، لا يرى هؤلاء المحتجّون في بقايا الإدارة الذاتية شريكاً شرعياً للسلطة أو ممثّلاً لها، وقد يكون ذلك مفهوماً بدرجة ما، إذ إن الإدارة الذاتية لم تكن حالة منتخبة، بل حالة طارئة خلال سنوات الحرب، لكنّ ذلك ينطلي أيضاً على سلطة دمشق المحتمية بالأساس بشرعية إسقاط النظام وشرعية دولية وإقليمية مكّنتها من القيادة حتى الآن.
قانونياً، عادت سيادة الدولة إلى المحافظة، أو هي تعود تدريجياً في أقل تقدير، لكنّ استعادة السلطة المركزية لا تحسم مسألة الشرعية، ولا تجيب عن سؤال تمثيل سكّان المنطقة ومكوّناتها في ترتيباتها السياسية. من هنا، يصبح من الضروري النظر إلى مطالب المتظاهرين وتوجّهاتهم السياسية والفكرية: هل يطالبون بالمشاركة في بناء سلطة تمثّل جميع سكّان المنطقة، أم أن تصوّرهم لسيادة الدولة يرتبط أيضاً بتصوّر محدّد لهويّة هذه المنطقة وسكّانها؟
السؤال السياسي والأمني
لا يمكن إغفال ما حمله المتظاهرون من شعارات أو رموز دينية وموقعها الجغرافي. حيّ غويران يحمل طابعاً عربياً سنّياً وعشائرياً، وخلال السنوات الأولى للانتفاضة كان نقطة ساخنة لمعارضة الأسد، وتشكّلت منه كتائب للجيش الحرّ.
هذا التيّار الثوري لم يكن قريباً من “هيئة تحرير الشام” بالضرورة، ولم يحصل على امتيازات ملموسة بعد سيطرة الأخيرة على الحكم. لاحقاً ارتبط الحيّ بتحرّكات ملحوظة لتنظيم “داعش”، وأصبح مرتعاً لتوتّرات أمنية، وشهد قبضة أمنية شديدة من قِبل “الأساييش”. الشعارات الإسلامية ترافقت مع إحراق رموز ولافتات تهاجم اللغتين الكردية والسريانية وشعارات مهينة بحقّ الأقليات.
خطورة هذه الشعارات أنها تربط سيادة الدولة بأحادية لنوعية الشعب في المنطقة ورموزها ولغاتها، وإلغاء كل ما يخالفها. أمّا تنوّع حاضنة هذه التظاهرات فيفتح الباب أمام احتمال استثمار الاحتجاجات للضغط على مسار التقارب أو تغيير شروطه من أطراف سياسية أخرى.
وهناك أطراف عدّة لم يؤخذ رأيها بهذا الاندماج. الفصائل العسكرية المدعومة من تركيا غير راضية عن علاقة الشرع بـ”قسد”. بالمثل، لا يروق لجماعة “الإخوان المسلمين” السورية هذا الانجذاب، وتزامنت الأحداث مع إعلان عن نيّتها البقاء فاعلة ورفضت حلّ نفسها. واللافت أن السلطة لم تبدِ استمالة واضحة حتى الآن، على العكس فأنها أعلنت عن تعيينات أمنية حساسة لأفراد سابقين في “قسد”، في استمرار لعمليّة الدمج وتجاهل للاحتجاجات.
ما سبق لا يرتقي ليكون دليلاً على وجود محرّك لهذه الاحتجاجات، لكنّ عدّة إشارات تثير تساؤلات؛ والفجوة بين بعض المطالب المعلنة والشعارات المرفوعة في الشارع، وطرح السيادة في صدارة الاحتجاجات في منطقة تواجه مشكلات معيشية وخدمية، يستحقّ التوقّف عنده. ليس لأن السيادة أقلّ أهمّية من الخدمات، بل لأن السؤال هو: من المستفيد من صياغة الغضب ضد السلطة والإدارة الذاتية معاً، وما المعاني المختلفة التي يضعها المشاركون خلف الشعار نفسه؟
في النهاية، لا يكمن التحدّي السوري في الاختيار بين دولة موحّدة ومجتمع متعدّد، وكأن الجمع بينهما مستحيل، بل في بناء دولة تستطيع ممارسة سلطتها على كامل أراضيها، من دون أن تجعل الانتماء إليها مشروطاً بالتخلّي عن الاختلاف القومي أو اللغوي أو الثقافي.
كان العلم السوري موضع نزاع في القامشلي منذ تأسيس سوريا، ويعود اليوم إلى قلب الصراع في الحسكة، لكنّ السؤال الأهمّ ليس أين سيرتفع العلم، بل ما الذي سيمثّله: سلطة مركزية تستعيد السيطرة، أم دولة يستطيع جميع سكّانها الاعتراف بأنهم شركاء متساوون فيها؟