علي حسين.. جريدة المدى
بالتأكيد شاهدت مثلي قبل أعوام قليلة رئيس وزراء هولندا السابق “مارك روته” وهو يغادر منصبه، بعد أن أمضى 14 عاماً كرئيس للوزراء، حيث خرج من مقر رئاسة الوزراء وهو يستقل دراجته الهوائية، وقبله كنا نشاهد بوريس جونسون عندما كان رئيساً لوزراء بريطانيا يستخدم الدراجة الهوائية في ذهابه إلى مكتبه وعودته إلى بيته، ويشتري بنفسه حاجات بيته من السوق، وكان يتلقى تحيات المارة: مرحباً بوريس، وهو يلوح لهم بيده. ربما يسخر مني البعض ويقول: يا رجل لماذا تلف وتدور، وتحاول أن تمتدح الإمبريالية، وتنسى أننا علمنا العالم قبل آلاف السنين ما هو القانون؟ وحتماً البعض سيسخر من “جنابي” ويهز يده ساخراً وهو يقول: تترك مشاكل البلاد والمؤامرة الأمريكية، وقبل أن أجيب اسمحوا لي أن أشارككم هذا الخبر، فقد استيقظ سكان العاصمة بغداد على أصوات القذائف، وأخذ المواطنون يتساءلون: ماذا يجري؟، وبعد ساعات خرج علينا مسؤول الإعلام الأمني في وزارة الداخلية ليبشرنا بأن أصوات القذائف إنما هي أصوات الإطلاقات المدفعية جاءت ضمن إجراء رسمي بمناسبة مراسم تسلم وتسليم رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة.
في مرات كثيرة تبدو لي الكتابة عن تجارب الشعوب، أهم وأنفع للقارئ من أخبار الأحزاب السياسية في العراق التي تريد أن تدخل موسوعة “غينيس” وتعيد لنا حكايات ألف ليلة وليلة، ولكن هذه المرة “ألف حزب وحزب”، ولافتات العشائر التي لا تريد أن تغادر عصر الزعماء، وقوانين قراقوش التي تريد أن تعيد لنا نواب رئيس الجمهورية ومعهم نواب رئيس الوزراء، ولهذا وجدت أن أخباراً مثيرة عن شعوب حية، أحرى بالكتابة من بؤس الخطاب السياسي العراقي.
قبل سنوات من هذا التاريخ قال بوريس جونسون إن احتمال جلوسه على كرسي رئيس الوزراء كان يشبه تخيل المطرب الراحل إلفيس بريسلي يمشي حياً على سطح المريخ.
في بلاد الواق واق “العراق” لدينا إعلام يوجه أطناناً من تهم الفساد كل لحظة للعديد من المسؤولين، لكن معظمهم يطبقون حكمة “لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم” ومفادها ترك الإعلام يتحدث كما يشاء حتى لو كان الفساد مقروناً بوثائق، بل إن بعض الفاسدين يتباهون علناً بفسادهم. ما يميّزنا عن سائر شعوب العالم، أننا بلد لا نحبّ المفاجآت، وإذا فوجئنا بأمر غريب مثل اعتزال السيدة عالية نصيف للعمل السياسي، نضحك ونطلق على هذه المفاجأة “كذبة نيسان”، والحمد لله أُجهِضت المفاجأة فالسيدة النائبة باقية وتتمدد، مثلها مثل العشرات الذين يعتقدون أنّ هذا الشعب عقيم لم ينجب سوى “لصقات جونسون”. التي اطلق عليها وصف ” خطوط حمراء ” ، لا يمكن الاقتراب منها .