خاص/المدى
يحيي العراق، في السادس عشر من أيار من كل عام، “اليوم الوطني للمقابر الجماعية”، بوصفه مناسبة لاستذكار واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي دموية، الممتدة من حقبة النظام السابق إلى جرائم تنظيم داعش الإرهابي، وسط استمرار البحث عن آلاف الضحايا والمفقودين في مختلف المحافظات.
وتعد المقابر الجماعية في العراق من أبرز الشواهد على حجم الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد. وقد قدر خبراء دوليون أن ما يصل إلى 300 ألف ضحية قد يكونون مدفونين في هذه المقابر، التي انتشرت في عدد من المحافظات، وضمت في الغالب رفات مسلمين شيعة وأكراد وآشوريين مسيحيين، قضوا نتيجة معارضتهم للنظام بين عامي 1983 و1991.
ومع سقوط النظام السابق، ثم صعود تنظيم داعش عام 2014، اتسعت موجة الجرائم لتشمل عمليات قتل جماعي طالت المدنيين دون تمييز، ما أدى إلى اكتشاف مزيد من المقابر الجماعية، فيما لا يزال جزء كبير منها مجهول الموقع حتى اليوم.
وفي هذا السياق، أكد النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان الدليمي دعمه للجهود الحكومية الرامية إلى توثيق جرائم المقابر الجماعية بوصفها جرائم إبادة جماعية. وشدد النائب مختار الموسوي، في حديث تابعته “المدى”، على عدم وجود سقف زمني لإغلاق هذا الملف الإنساني، في ظل استمرار الكشف عن مواقع جديدة، ووجود آلاف المفقودين، خصوصا في المحافظات المحررة.
وأشار الموسوي إلى أن ما يقارب 70% من المقابر الجماعية لا يزال غير مكتشف، مع استمرار عمليات البحث والعثور على مواقع جديدة بشكل متكرر، لافتا إلى أن محافظة نينوى وبقية المحافظات الشمالية سجلت النسبة الأكبر من هذه المقابر نتيجة جرائم تنظيم داعش.
وفي تطور ميداني متصل، أعلنت مؤسسة الشهداء، اليوم السبت، المباشرة بعمليات فتح سبع مقابر جماعية تعود إلى حقبة النظام السابق في ثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني للمقابر الجماعية.
وقال مدير عام دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء ضياء كريم، في حديث تابعته “المدى”، إن المؤسسة اعتادت إحياء هذه المناسبة من مواقع عمل حقيقية، مشيرا إلى المباشرة اليوم بفتح سبع مقابر جماعية تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، بالتعاون مع الجهات الشريكة.
وأضاف أن جميع المقابر جرت تهيئتها لرفع الرفات وتسليمها إلى دائرة الطب العدلي لإجراء الفحوصات المختبرية وتحليل الحمض النووي “DNA”، بهدف التعرف على هويات الضحايا. وبيّن أن العمل لا يقتصر على فتح المقابر، بل يشمل أيضا تحليل الصور الجوية والكشف الميداني من قبل الفرق الآثارية لتحديد مواقع محتملة لمقابر أخرى.
وأوضح كريم أن الأدلة الموثقة تشير إلى أن عمليات التصفية الجسدية جرت على مراحل مختلفة خلال الثمانينيات، مؤكدا أن جميع الرفات والأدلة ستحال ضمن ملفات قانونية إلى المحاكم المختصة، لدعم الإجراءات القضائية ومحاسبة المتورطين في هذه الجرائم.
وبيّن أن عملية الإحصاء النهائي تمر بعدة مراحل، تبدأ بالمشرحة الرطبة للتصنيف الأولي داخل الموقع، ثم تنقل الرفات إلى المشرحة الجافة في دائرة الطب العدلي لإصدار الأرقام النهائية بعد استكمال الفحوصات.
من جانبه، قال معاون المدير العام لدائرة المقابر الجماعية ورئيس فريق التنقيب ضرغام كامل عبد المجيد، إن الفريق الوطني لفتح المقابر الجماعية يضم مؤسسات متعددة، تشمل مؤسسة الشهداء، ودائرة حماية المقابر الجماعية والمفقودين، ودائرة الطب العدلي في وزارة الصحة، إلى جانب اختصاصيين في المجالات الفنية والقانونية والآثارية والكيميائية والتصوير الجنائي.
وأوضح عبد المجيد أن عمليات التنقيب تبدأ بالكشف الأولي، ثم استخدام أدوات دقيقة للوصول إلى الرفات مع الحفاظ على سلامتها ومنع اختلاطها، حيث ترفع وفق معايير دولية وتوضع في أكياس خاصة قبل نقلها إلى الطب العدلي لاستكمال إجراءات التعرف.
وأشار إلى أن عدد الضحايا الذين تم التعرف عليهم سابقا بلغ نحو 2500 ضحية من ضحايا النظام السابق وضحايا الإرهاب، مؤكدا استمرار العمل لاكتشاف مزيد من المقابر وتوثيقها ضمن مسار قانوني وإنساني متكامل.
وفي سياق متصل، قال الناشط الحقوقي والمدني محمد إسماعيل، في حديث لـ”المدى”، إن ملف المقابر الجماعية في العراق يمثل “جرحا إنسانيا مفتوحا”، ولا يمكن التعامل معه كملف تاريخي منته، بل بوصفه قضية عدالة انتقالية مستمرة تتطلب إنصاف آلاف العائلات التي لا تزال تبحث عن مصير أبنائها.
وأضاف إسماعيل أن استمرار اكتشاف المقابر يعكس حجم الكارثة الإنسانية، ويؤكد الحاجة إلى تسريع بناء قاعدة بيانات وطنية شاملة للمفقودين وربطها بجهات دولية مختصة، مع ضمان عدم تسييس الملف أو فقدان الأدلة خلال عمليات التوثيق.
وأوضح أن العائلات تعيش حالة انتظار طويلة تستدعي دعما نفسيا ومجتمعيا وقانونيا، إلى جانب الإسراع في إجراءات التعرف على الرفات وتسليمها، مشددا على أن العدالة لا تكتمل دون محاسبة جميع المتورطين في هذه الجرائم.
وختم إسماعيل بالقول إن إحياء هذا اليوم يجب أن يكون خطوة باتجاه مصالحة وطنية حقيقية قائمة على الحقيقة والإنصاف، وتحويل ملف المقابر الجماعية إلى أساس لبناء دولة تمنع تكرار المأساة وتحفظ كرامة الإنسان.
التعديلات الجوهرية التي أجريت:
جرى تحويل النص إلى تقرير صحفي أكثر تماسكا، مع صياغة عنوان رئيسي وآخر ثانوي يعكسان جوهر المادة. أعيدت صياغة المقدمة لتكون خبرية ومباشرة، مع الحفاظ على جميع الأسماء والأرقام والتواريخ والمعلومات الواردة في النص الأصلي. كما جرى ترتيب الفقرات وفق تسلسل منطقي يبدأ بالسياق العام، ثم الموقف النيابي، ثم الإجراءات الميدانية لمؤسسة الشهداء، ثم البعد الحقوقي والإنساني. صححت الأخطاء اللغوية والنحوية والإملائية، وأزيلت علامات التنوين، ووحدت علامات التنصيص بصيغة “ “. كما خففت العبارات الإنشائية والحشو، من دون حذف أي معلومة جوهرية.
ملاحظة تحريرية: ورد في النص الأصلي أن خبراء دوليين قدروا عدد الضحايا المحتمل دفنهم في المقابر الجماعية بما يصل إلى 300 ألف ضحية، من دون تحديد أسماء هؤلاء الخبراء أو الجهة التي أصدرت التقدير.