علي حسين… جريدة المدي
قبل أسابيع شاهدنا نواباً في مجلس النواب يصرخون ” الله أكبر .. أمريكا الشيطان الأكبر ” ثم وقف عدد منهم ليعلنوا ” الموت لأمريكا ” .. بعدها قرر النواب أنفسهم أن يتركوا ترامب يخطب في البيت الأبيض ، ويذهبوا ليتمتعوا بإجازاتهم ، وليعلن السيد هيبت الحلبوسي إغلاق أبواب وشبابيك مجلس النواب لمدة ثلاثين يوماً.
بعدها شاهدنا القائم بالأعمال الأمريكي يزور قادة الكتل السياسية ويتسامر معهم ، ثم ما هي إلا أيام حتى هبطت طائرة السيد توم باراك في مطار بغداد وهو يحمل ورقة بها شروط ترامب الجديدة . بعدها تفاجأ المواطن العراقي وهو يشاهد السيد نوري المالكي يجلس مبتسماً وإلى جواره توم باراك ، ومع الصورة بيان يقول فيه :” شدد السيد نوري المالكي على ضرورة احترام سيادة العراق ” .
إياك عزيزي القارئ من أن تظنّ أنّ “جنابي” يهدف إلى محاسبة قادة البلاد ، فالديمقراطية العراقية تقضي بأن يبقى المواطن العراقي متفرجاً، فيما جميع الساسة شركاء، يضمن كلّ منهم مصالح الآخر، حامياً له، مترفّقاً بزميله الذي يتقاسم معه الكعكة العراقية في السرّاء والضرّاء.. ولهذا كان لا بد من أن يبتسم قادة البلاد وهم يشاهدون توم باراك يعود من جديد يحمل حقيبته في مطار بغداد وبداخلها شروط جديدة .
ليس أمامك عزيزي القارئ، سوى أن تصدّق ساسة البلاد ، خصوصاً عندما يصرف وقتهم الثمين هذه الأيام على كتابة توجيهات وخطابات، يوماً لدحر المؤامرة الأمريكية ، ويوماً من أجل الإسراع بتنفيذ الاتفاقات مع بلاد السيد ترامب.
للأسف يعاني الكثير من ساستنا من مشكلة عميقة مع المواطن العراقي الذي رغم ما يبديه من إخلاص ورغبة في متابعة حوارات الساسة على الفضائيات ، لا يبدو أنه يستطيع حلّ ألغاز ما يقولونه في العلن وما يفعلونه في الخفاء .
وفي الوقت الذي يتجول فيه توم باراك بين أروقة الحكومة العراقية، نجد على الفضائيات من يتحدث عن المؤامرة الإمبريالية، ويشغلنا معه كل يوم بمغامرات التحليل السياسي، دون أن يقول لنا: من أوصلنا إلى مشهد “لله يا محسنين”، ومن قبله مشاهد ملايين النازحين والمشردين.. لماذا ننسى أن سنوات الخراب التي يمر بها العراق كانت قراراً عراقياً خالصاً قام به ساسة يعتقدون أن العراقيين يجب أن يعاقبوا لأنهم شعب يحتاج إلى “الفضيلة” و”الإيمان” ولجان الأمر بالمعروف.
وأزعم أنه ليس ثمة انكشاف فاضح أكثر مما نحن فيه الآن على صعيد السياسة والاقتصاد، أو الهم الأكبر للعراقيين، وأعني به موضوع الإفلاس المالي، الذي تم بمشاركة جميع القوى السياسية، في الوقت الذي يتمتع فيه حيتان الفساد بالحماية والسلطة.