إبراهيم الحامد.
تعود بنا التحولات والمتغيرات المتسارعة في خريطة ” التحالف الدولي والأقليمي” على اعتاب بوابة شرق الأوسط الجديد اليوم في كل من سوريا والعراق إلى نهاية الحرب العالمية الإولى، ليذكرنا بتحالف العربي الإسلامي السني شريف مكة حسين بن علي عام ١٩١٦مع المسيحي الأنكليز لمحاربة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية السنية،مقابل وعد تنصيبه ملكاً على الدول العربية موحدة ،ولكن بريطانيا لم تفي بوعدها له ،بل تم تنصيب ولده فيصل ملكاً على كل من سوريا والعراق ،بعد أن ألحق الجزء الجنوب لكردستان بالعراق ، والجزء الغربي لكردستان بسوريا ،والجرء الأكبر بتركيا كدولة قومية تركية حديثة العهد،وذلك بموجب اتفاقيتي سايكس بيكوا ١٩١٦ ولوزان عام ١٩٢٣،وحرم دول التحالف المنتصرين آنذاك “بريطانيا ،فرنسا ،أميركا” الشعب الكردي من حقه في تقرير مصيره في دولته المستقلة،لغايةً في نفسهم ،واستثمارها لاحقاً ،وها نحن اليوم وبعد أكثر من مِئة عام،نشاهد كيف تم استثمار قضية الشعب الكردي في سوريا،بغطاء نفس القوى تحت مسمى “تحالف الدولي لمحاربة داعش ” !! وإذا تمعنا جيداً في التحالف الماضي والتحالف الحاضر ،سنكتشف التاريخ السري والعلني لتلك القوى في توظيف الحليف العربي بتياريه الديني الأسلاموي والتيار العروبي القوموي ،خدمةً لمصالحها في شرق الأوسط ، وخاصةً من بوابتها سوريا والعراق ،ليكون الكرد ثانيةً في فوهة نار الصراع الكردي العربي- والكردي التركي من جهة ،والتنافس العربي التركي على قيادة “الأسلام السني ” في مواجهة “الأسلام الشيعي الإيراني”من جهة أخرى،هذا هو سمة الصراع الذي تديره هذه الإمبريالية العالمية تحت غطاء “التحالف الدولي” اليوم لمواجهة الصين الخصم والمنافس الحقيقي له اليوم . إن توظيف السياسي لتيار العروبي الأسلاموي،والذي يطفوا على سطح الصراع الدائر اليوم علناً من بوابة العراق وسوريا،والذي عزز الوجود الأميركي في منطقة شرق الأوسط بعد إنتصار التحالف الذي كان تقوده أميركا على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية،بدءاً من تنظيم “أخوان المسلمين” في مصر والسعودية وسوريا في عشرينات قرن العشرين، وتنظيم القاعدة من مجاهدين العرب والأفغان في أفغانستان بدءاً من عام ١٩٧٩ وصولاً لتنظيم الدولة الأسلامية في العراق والشام “داعش” وما تفرخ منه من التنظيمات الراديكالية السلفية كالنصرة وهئة تحرير الشام وغيرها …، إن التحالفات الغربية تلك مع القوى الراديكالية تلك ،والمستمرة ليومنا هذا بقيادة أميركا في المنطقة العربية،قد استخدمت ورقة القومية العربية والإسلام العروبي السياسي السري منها والعلني،كغطاء سياسي واجتماعي محلي لمعظم بويتات المال العربية،والتي استولت على السلطات في الممالك والدويلات العربية بالإنقلابات وبدعم غربي وبالأخص البريطاني والأميركي . وكانت تلك التنظيمات الراديكال وبيوتات المال تلك ولا زالت،بمثابة ورقة جوكر قوية تحت الطلب في مواجهة حركات التحرر الوطنية والقوى العربية اليسارية والمد الشيوعي وكل فكر متنور وتقدمي . وبالعودة لعنوان المقالة،حول الكرد كجزء من شعوب المنطقة،والذي كان ولاتزال،هي وقود الحروب والصراعات التي تديرها أميركا وحلفائها اليوم،مجبرين ومرغمين،لا إرادة لهم في ذلك،ولا قدرة لهم على التنحي جانباً لهذا الصراع بمفردهم،دون تعاون ووحدة شعوب المنطقة معهم،مع الحفاظ على حقوقهم المشروعة أسوة ببقية الشعوب التي يشاركونهم العيش،ورغم التخلي عنهم من قبل تلك الشعوب والقوى الاستعمارية المتمثلة ببريطانيا وفرنسا قديماً وأميركا حديثاً، إلا إنهم ،ما انهزموا يوماً عبر التاريخ ، رغم المجازر والإبادات والتغيير الديمغرافي التي ارتكبت بحقهم. والكرد عبر مقاومتهم ونضالهم للحصول على حقوقهم ،يقفزون خطوتين إلى الأمام وثم خطوة إلى الوراء ، فيثبتون خطوة نحو الأمام لا تراجع فيها،وأقليم كردستان الجنوبي خير شاهد على ذلك،واليوم أقليم غربي كردستان يمر بنفس المراحل،فمن يظن إنهم يستجلبون الغرب الاستعماري الى المنطقة ويستقوون به فهو واهم ،بل من استجلب الاستعمار عبر التاريخ هم من كانوا يضطهدون الكرد،وأُلحِقَ كردستان بدولهم !! واليوم بات معروفاً للقاصي والداني وكل من يتهم الكرد بالعمالة لأميركا وإسرائيل،إن من استجلب أميركا للمنطقة هم زعماء الدول التي استبدوا بشعوبهم عموماً وبالكرد خصوصاً،وكذلك أولئك الذين أدعو معارضة السلطات السابقة،وفيما بعد استلموا تلك السلطات من على ظهر الدبابات الأميركية وحلفاؤها الإقليميون . الكرد مغلوبٌ على أمرهم ،ليس لهم إلا نضالهم السياسي، ومقاومتهم الذاتية لدفاع عن نفسهم ،وتمسكهم بحقهم ،وتقديم فلذات أكبادهم ضحايا وقرابين لأجل الحصول على حقوق أجيالهم القادمة في وطنهم كردستان إذا ما توفرت لذلك الظروف الموضوعية والذاتية، ليقرروا مصيرهم فيه ، أسوة ببقية الشعوب . وبالنسبة لما يتداوله سكان كردستان سوريا اليوم من التخوين والتهم والنقد الهدام لبعضهم البعض ،ليكن بعلمهم إن السياسة لا يمكن أدارتها بالعواطف والمشاعر،ولا يمكن الحصول على الحقوق بالرغبات والأماني ،وخاصةً في ظل معادلات القوى المتنفذة في شرق الأوسط ،والتي تعيد رسم خرائط النفوذ بعد قرنٍ من الزمن،لأن القوى المتنفذة تلك،والمسيطرة على عالم اليوم ،شئنا أم أبينا ، تعمل خارج رضى الشعوب وقواها السياسية،وتعمل على إعادة تركيب موازين القوى في شرق الأوسط وربما تطال القوى الإقليمية مهمة أخرى مثل إيران وتركيا و السعودية !! لذلك تبقى السياسة بالنسبة للقوى الغير متنفذة اليوم،رهينة خيارات الأسوأ وأقل سوءاً . ولسوء حظ الشعب الكردي ومنذ مئة عام ،لا زال إسير نفس القوى التي قسمت وطنهم،والحقه بدول المنطقة،ولا زال أسير معادلات وتوازنات نفس القوى اليوم،والتي تعيد سياساتها اليوم لرسم خرائط النفوذ فيما بينها على أرض شرق الأوسط الجديد . فما حدث ويحدث اليوم في سوريا هي خارج إرادة الشعب السوري بكل تفاصيله، لذا من السذاجة السياسية بأن نحمل قسد والإدارة الذاتية سلبيات اتفاقية يناير ٢٠٢٦ التي تمت تحت فوهة النار،إذ إنها لم ترتقي لآماني وطموحات الشعب الكردي في سوريا وتضحياته الكبيرة ،ولمن السذاجة وقلة وعي لمن يتبجح شامتاً من الكرد بقولهم :إن الاتفاق تم بشروط سلطة أمر الواقع المؤقتة،فكلنا ندرك بمن يتحكم بمجمل الوضع السوري ويدير الصراع فيه ،ويحضر هذا، ويبعد ذاك من القوى الكردية أو من سلطة أمر الواقع المؤقتة. إن قضية الشعب الكردي السوري منذ نشأتها قد اجتازت عدة مراحل بنجاح : -المرحلة الأولى :مرحلة الحفاظ على الوجود والتي اجتازها الشعب الكردي عبر نضال قواه السياسية هذه المرحلة رغم الإنكار والتغيير الديمغرافي والقمع والاعتقال السياسي وصولاً لانتفاضته المجيدة عام ٢٠٠٤ في وجه استبداد ودكتاتورية سلطة البعث . المرحلة الثانية: والتي بدأت بغطاء سياسي واجتماعي ذاتي منذ عام ٢٠٠٤ الى عام ٢٠١٢ وهي كانت مرحلة الإقرار بوجده في سوريا كجزء أصيل من الشعب السوري،ونيل الجنسية قبيل إسقاط نظام بشار الأسد . المرحلة الثالثة :من آذار عام ٢٠١٢ الى اتفاقية كانون الثاني عام ٢٠٢٦ ،وفي هذه المرحلة بدء الشعب الكردي السوري نضاله بغطاء سياسي واجتماعي وغطاء سلاح الدفاع الذاتي ،ومن ثم تحت غطاء سلاح “التحالف الدولي “الذي فرض نفسه على قوات حماية الشعب والدفاع الذاتي، وضمهم لما سمي ب”قوات سوريا الديمقراطية “والتي ضمت قوى كوردية وعربية وسريانية وآشورية بذريعة “محاربة داعش ” ،ففي هذه المرحلة حصل الشعب الكردي على إقرار سلطة دمشق بحقوقه القومية وجغرافيته السياسية،ليدخل بذلك نضال الشعب الكردي في روج آفاي كردستان تحت غطاء قانوني وغطاء سياسي دولي وهذا نجاح مهم ،رغم ممن لا يروق له ذلك من الكرد !! أما المرحلة الرابعة والتي بدأت من 18 يناير 2026 ،وهي مرحلة النضال الشرعي والقانوني وبغطاء سياسي دولي ، لنيل ما يمكن من الحقوق المشروعة للشعب الكردي في غربي كردستان وتثبيته في الدستور السوري في اطار وحدة سوريا،نزولاً لرغبة وإرادة عموم الشعب السوري اليوم ، ورغبته في العيش المشترك في إطارة وحدة سوريا أرضاً وشعباً ،رغم إن بعض القوى الأقليمبة المتنفذة تدفع الوضع بعكس ذلك . فمن الحكمة والواقعية السياسية اليوم هو ، تحقيق ما أمكن من خفض التصعيد وإقاف الاقتتال الأهلي ، والاحتفاظ بما أمكن من المكاسب ، بدل الذهاب لمواجهة قد لا تبقي على شيء لأطراف المحلية السورية، ويدفع بالشعب السوري عموماً والكردي خصوصاً لوضع لا يحمد عقباه . وفي هذه المرحلة يستدعي النضال المشترك لكافة القوى السياسية الوطنية التقدمية،وتوفير أرضية موحدة لنضال الطبقي للجماهير الكادحة،لإعادة ما كسبته هذه الطبقة في مجال الزراعة والصناعة ورعاية الدولة ودعم مستلزمات العيش الضرورية من الماء والكهرباء والطاقة والتعليم والصحة والنقل والمواد الغذائية على مدى نصف قرن من الزمن ،وسرقت منه على يد الليبراليين الجدد من تجار الحروب والأزمات ، والنضال من أجل التغيير الجذري لبنية النظام البرجوازي البير وقراطي الطفيلي ،والذي نشأ منذ سبعينات قرن العشرين والذي يستمر إلى اليوم تحت سلطة التيار الإسلامي الراديكالي،ويتحكم بها تجار الحروب والأزمات الدولية والإقليمية وقوى الفساد المحلية الموالية لها. إن صمام حل الأزمة السورية واستقراها يكمن في الحوار السوري السوري والذهاب لمؤتمر إنقاذ وطني يحضره كافة القوى والأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني،وكتابة ميثاق وطني جديد يضمن حقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية لكل مكون قومي أصيل يعيش على أرض الدولة السورية،الدولة الوطنية المدنية التعددية الديمقراطية اللامركية،والتي تقر بفصل السلطات وبناء جيش وطني حيادي لطرد المحتلين وحماية الحدود ،وقوى أمن وطنية داخلية غير مسيسة لحماية القانون وتنفيذ قرارات سلطة القضاء المستقل.