..
المواجهة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية باتت تُقاس بما إذا كانت الضربة العسكرية الكبرى ستقع فعلاً وفي أي توقيت وموقع وزخم لأنها باتت بوصلة مصير الرئيس دونالد ترامب وفرصته الأخيرة، وليس فقط بوصلة توجه الاقتصاد العالمي.
رجال الحكم في طهران يراهنون على ضعف وتراجع دونالد ترامب لكنهم قد يصطدمون بمفاجأة إقدامه على تدمير منهجي للقدرات العسكرية وللبنية التحتية المدنية بما يكبّلهم اقتصادياً ويؤدي إلى انهيار كامل في غضون ثلاثة أشهر. هؤلاء الرجال وضعوا وكيلهم الحوثي في اليمن على أهبة الاستعداد لإغلاق باب المندب كجبهة ترافق إغلاق مضيق هرمز في الحرب على حرية الملاحة العالمية. فإذا نفذ دونالد ترامب وعيده باستهداف محطات الطاقة وغيرها من البنية التحتية، سيطلق الحرس الثوري الحاكم في طهران استراتيجية الثأر والانتحار في كل المنطقة الخليجية والشرق أوسطية، من العراق إلى لبنان.
البعض في الإدارة الأميركية لا يريد الاكتفاء بإرضاء إيران عبر المفاوضات والتفاهمات بمذكرة أو بصفقة، وإنما يريد التدقيق في السياسات الضرورية نحو البيئة العربية التي سمحت للحرس الثوري الايراني بتحويل نفوذه عبر وكلائه إلى منظومة إقليمية امتدت من العراق إلى سوريا وفلسطين فلبنان، اضافة إلى اليمن.
اللقاءات التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة، ثم برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، والدعوة التي وجهها إلى الرئيس اللبناني جوزف عون لزيارة واشنطن، تعكس انتقالاً في التفكير في أوساط الإدارة الأميركية من إدارة الصراع مع إيران إلى إعادة بناء التوازنات السياسية في الشرق الأوسط والخليج، من المشرق العربي إلى إسرائيل وتركيا.
لافت ما قاله أخيراً السفير الأميركي لدى تركيا ومبعوث الرئيس الاميركي إلى سوريا والعراق. كشف أن برنامجاً إقليمياً قيد الإعداد يجعل مضيق هرمز “أمراً ثانوياً وغير ذي أهمية” خلال عامين عبر إنشاء شبكة جديدة من مسارات الطاقة والتجارة تربط العراق ودول المشرق بتركيا وآسيا الوسطى وأوروبا. تحدث عن “إعادة اصطفاف لامعة” للتحالفات الأمنية والاستراتيجية تجمع منطقة ما بين النهرين وبلاد الشام والخليج.
المشكلة تكمن في افتقاد أقطاب الإدارة الأميركية صلاحيات صقل رؤية متماسكة مدعومة باستراتيجية متكاملة لأن استفراد دونالد ترامب بالقرار النهائي نحو إيران يجعل من هذه السياسات لوحات متناثرة بل لربما مبعثرة.
يتزامن هذا مع مرحلة حساسة داخل واشنطن حيث النقاش لم يعد يدور حول توصيف رجال الحكم في الجمهورية الإسلامية، بل حول كيفية التعامل مع عقيدة مرسخة في عمق جميع رجال الحكم في ايران، متشددين كانوا أو براغماتيين.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث، إضافةً إلى قيادات في المؤسسة العسكرية والاستخباراتية, يدفعون نحو استثمار التفوق العسكري الأميركي وعدم منح الحرس الثوري الحاكم في طهران فرصة جديدة لإعادة تنظيم صفوفه. هؤلاء يعتقدون أن هذه هي الفرصة الأخيرة لدونالد ترامب. وإلا، فإن حكام إيران سيتمكنون من إركاعه، ويخسر كل شي.
في المقابل، لا يزال نائب الرئيس جي دي فانس يفضّل إبقاء نافذة سياسية محدودة إذا أثبتت طهران استعداداً حقيقياً لتغيير سلوكها. كما أن مبعوث ترامب ستيف ويتكوف يستمر في دفع ترامب إلى التمسك بالصفقة ويؤكد له أن إيران ستلبي مطلبه.
فانس وويتكوف يدافعان عن “مذكرة التفاهم” التي اعترف الرئيس ترامب بأنها قامت على حسابات خاطئة، بعدما اعتقدت الإدارة الأميركية أن تقديم التنازلات سيدفع إيران إلى الاعتدال فيما اعتبرتها القيادة الإيرانية دليلاً على إمكان انتزاع المزيد من ترامب.
السياسة الأميركية تجمع اليوم بين الاستنزاف العسكري المنظم، إعادة فرض الحصار البحري، منع إيران من السيطرة على مضيق هرمز، التدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية في إيران، وبين إعادة ترتيب الساحات العربية التي بنت فيها إيران نفوذها.
القيادة المركزية الأميركية ووزارة الحرب تواصلان الاستعداد لعمليات أوسع ولديها خطط تشمل الإنزال البري في جزيرة خرج وجزر أخرى مثل أبو موسى وطنب الكبرى.
فيما تنظر وزارة الخارجية إلى العراق وسوريا ولبنان باعتبارها ميادين الحسم السياسي الضروري لسلب إيران من أدوات زعزعة الاستقرار الإقليمي عبر الوكلاء والأذرع. إلا أن الحرس الثوري يستبق ذلك الهدف ولذلك تحرك عسكرياً في العراق، ووضع الحوثي في اليمن في حال استنفار، وأوعز إلى حزب الله في لبنان ان يكون على اهبة الاستعداد، لان ساحات اذرع ووكلاء ايران هي محطات وقود للجمهورية الإسلامية الإيرانية وعقيدتها.
العراق يأتي في مقدمة هذه الساحات. زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى البيت الأبيض لم تكن مجرد إعلان عن تحسن العلاقات الثنائية. أهميتها أنها جاءت رغم اعتراضات إيرانية وضغوط مورست لمنع أن تكون واشنطن وجهته الخارجية الأولى.
جلس الزيدي إلى جانب الرئيس ترامب فيما كان الأخير يتحدث عن استمرار الضغط العسكري على إيران، لكنه اختار أن يطرح مشروعاً مختلفاً للعراق: دولة تحتكر السلاح، وتبني اقتصادها، وتوسع شراكاتها مع الولايات المتحدة، وتخرج من معادلة ظلّت فيها الدولة قائمة شكلاً، فيما بقي جزء كبير من القرار الأمني والسياسي خارج مؤسساتها. إذا تحقق ذلك، تكون إيران قد خسرت أهم ركائز نفوذها في بلاد الشام.
إذا كان العراق يمثل استعادة الدولة، فإن سوريا تمثل استعادة الجغرافيا.لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في أنقرة كان إعلاناً عن مرحلة مختلفة في العلاقة الأميركية مع دمشق.
للمرة الأولى منذ سنوات، تتعامل واشنطن مع سوريا باعتبارها جزءاً من الحل في مواجهة إيران، لا مجرد ساحة من ساحات الأزمة. لكنها في الوقت نفسه اختارت أن يكون هذا الدور بالشراكة مع تركيا، التي أصبحت اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في إعادة بناء الدولة السورية.
وجود الفرقاطة التركية قبالة الساحل السوري ليس تفصيلاً عسكرياً. إنه رسالة بأن أنقرة انتقلت من حماية حدودها إلى المشاركة في حماية الترتيب الإقليمي الجديد الذي يتشكل في سوريا.
الخطر يكمن في اعتقاد الرئيس رجب طيب إردوغان أن هذا الدور يمنح تركيا تفويضاً مفتوحاً.
إعلان السلطات السورية ضبط شحنة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر المتجهة إلى حزب الله اكتسب أهمية استثنائية وهو دليل عملي على أن السلطة السورية الجديدة بدأت تنفذ المهمة التي تنتظرها منها واشنطن. المسألة لم تعد ضبط الحدود فحسب، وإنما إنهاء الوظيفة التي أدتها سوريا طوال سنوات باعتبارها الجسر اللوجستي والعسكري الذي ربط إيران ب”حزب الله”.
طلب الرئيس ترامب من الرئيس أحمد الشرع المساعدة في إنهاء البنية التي سمحت لحزب الله بالاعتماد على الأراضي السورية لا يعني تكليف دمشق بمحاربة الحزب داخل لبنان، وإنما منع إعادة بناء شبكات التسليح والتمويل والتهريب التي شكلت العمود الفقري للنفوذ الإيراني في بلاد الشام.
إذا كان العراق يمثل بداية استعادة الدولة من الداخل، فإن سوريا تمثل بداية إغلاق الممر الذي أوصل إيران إلى البحر المتوسط.
أما لبنان، فهو الامتحان الأكثر تعقيداً. الزيارة المرتقبة للرئيس جوزف عون إلى واشنطن لن تكون زيارة دعم سياسي تقليدية. ستكون اختباراً لقدرة الإدارة الأميركية على التوفيق بين هدفين متلازمين: دعم الدولة اللبنانية في تنفيذ حصرية السلاح، وممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي اللبنانية واستكمال تنفيذ القرار 1701.
واشنطن لا تستطيع ولا يمكنها أن تضغط على إسرائيل للانسحاب إذا بقي حزب الله دولة عسكرية داخل الدولة. وهذا يستدعي جدية الرئاسة اللبنانية وقيادة الجيش بتنفيذ نزع سلاح حزب الله وكافة الفصائل والميليشيات المسلحة.
الإدارة الأميركية مصممة على فصل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية عن أي تفاوض أميركي ـ إيراني. فطهران تريد أن يبقى لبنان جزءاً من أوراقها التفاوضية، تستخدمه عندما تفاوض على النووي أو العقوبات أو هرمز. أما واشنطن فتسعى إلى انتزاع لبنان من هذه المعادلة، وتحويله إلى ملف سيادة لبنانية خالص، لا إلى امتداد للتفاوض مع الجمهورية الإسلامية.
في المقابل، يدرك الحرس الثوري أن خسارة العراق وسوريا ولبنان ستكون أخطر عليه من خسارة موقع عسكري أو منشأة داخل إيران. لذلك سيحاول الحفاظ على أدواته الإقليمية بكل الوسائل، وسيستخدم الوقت، والمفاوضات، والوكلاء، لتأخير هذا التحول.
فإذا استعادت بغداد قرارها السيادي، وأغلقت دمشق الممر الإيراني، واستعاد لبنان احتكار الدولة للسلاح بالتوازي مع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، تكون الولايات المتحدة قد حققت تحولاً استراتيجياً يتجاوز نتائج أي ضربة عسكرية.
أما إذا بقيت الدولة العراقية تتقاسم السلطة مع الفصائل، وعادت سوريا ممراً للسلاح الإيراني، وبقي لبنان رهينة ازدواجية السلاح والاحتلال، فإن أي نجاح عسكري ضد إيران سيبقى مؤقتاً، لأن الحرس الثوري سيجد دائماً طريقاً جديداً للعودة.
المعركة التي تتشكل اليوم لا تشمل البرنامج النووي ومضيق هرمز وباب المندب فحسب، بل تشمل أيضاً كيفية التصدي للمشاريع الانتقامية الايرانية من الدول الخليجية العربية ومشاريع الحرس الثوري في اليمن والعراق ولبنان بعدما زال نفوذه ووجوده في سوريا.
إنها معركة على مستقبل المشرق العربي وعلى ما إذا كانت دوله ستستعيد قرارها الوطني، أم ستبقى الساحة التي يُعاد عبرها إنتاج النفوذ الإيراني مهما تبدلت أشكال المواجهة العسكرية.
أما الآن، فإن العالم على أعصابه يراقب تلك المبارزة المرعبة بين مقنّعين متأهبين: الرئيس الاميركي الذي ينتظر الحركة المقبلة من رجال طهران ليقرر خطوته المقبلة. ورجال الحكم في طهران الذين يراقبون ما إذا كان الرئيس الاميركي جدياً في الحسم العسكري كي يختاروا نوعية خطواتهم الانتحارية.
