موريس عايق…موقع درج
تاريخياً، وبشكل سابق للدولة الوطنية، كان لنا تراث مديد يمكن استلهامه في هذا الشأن. لم تكن سوريا موحّدة يوماً، كانت شتاتاً من إمارات ودول- مدن، شتاتاً من مجتمعات محلّية وترتيبات مختلفة للسلطة والإدارة. أليس من الممكن أن ننطلق من هناك، من إرث مناهض للدولة وعلى أساس تعدّد الشعوب للبحث عمّا يمنع الكارثة العائدة، وهي عائدة حتماً؟!
في مواجهة التحوّلات الناجمة عن نهاية الدولة العثمانية وبدء تشكيل خرائط الدول الناشئة في المشرق، تبلور خياران كبيران للمسيحيين في المنطقة، خياران يمكن تتبّع جذورهما إلى عصر النهضة.
الخيار الأوّل اندماجي في وطنية عربية أو سورية تشمل جميع الناطقين بالعربية في بلاد الشام، وعبّر هذا الخيار عن نفسه في أيديولوجيات متنوّعة من القومية العربية إلى القومية السورية وحتى تنويعة من الأيديولوجيات الاشتراكية والشيوعية والوطنية.
حضرت في جميع هذه الأيديولوجيات شخصيّات مسيحية وازنة. يمكن وسم هذا الخيار بـ”الأرثوذكسي”، لبروزه الكبير داخل المجتمعات الأرثوذكسية، وقد كانت غالبية الأسماء المسيحية البارزة أرثوذكسية. أيضاً تبنّت الكنيسة الأرثوذكسية هذا الخيار بشكل عامّ ونافحت عنه. بالطبع، لم يكن يقتصر هذا التوجّه على الأرثوذكس، فقد تبنّاه مسيحيون من كنائس أخرى واحتضنته كنائس مختلفة.
يمكن فهم الربط بين الخيار الاندماجي والأرثوذكس انطلاقاً من طبيعة توزّع الأرثوذكس، وهم أكبر مجموعة مسيحية في بلاد الشام. فلم يكن الأرثوذكس محصورين في بقعة جغرافية واحدة متّصلة، بل توزّعوا على كافّة المدن والأرياف تقريباً، من أنطاكية إلى جنوب فلسطين ومن الساحل إلى المدن الداخلية في سوريا. أيضاً، كان التقليد الأرثوذكسي محلّياً دون تبعيّة خارجية، وقد عرفت الكنيسة الأرثوذكسية في نهاية القرن التاسع عمليّة تعريب حوّلت لغتها الطقسية إلى العربية وصار الأكليروس عربياً بعدما كان يونانياً.
الخيار الثاني؛ الاستقلالي، تمركز حول الكنيسة المارونية في جبل لبنان. بشكل مغاير للأرثوذكس، تجمّع الموارنة في منطقة جغرافية واحدة متّصلة مشكلين أغلبية سكّانية، أيضاً كانت غالبية الموازنة موجودة في جبل لبنان مع وجود ضئيل لهم في أماكن أخرى. قد يكون هذا التباين بين الموارنة والأرثوذكس السبب الأساسي لتباين توجّه الجماعتين، وكيف نظرت كل منهما إلى موقعها وخيارها السياسي.
استقلال الموارنة على قاعدة الإقليم – الوطن بوصفهم أمّة كان أمراً ممكناً، غير أنه لم يكن متخيّلاً للأرثوذكس المفتقدين لهذا الإقليم. اتّفاقية سايكس- بيكو لم تكن فقط تقسيماً للجماعة العربية، والسُنّية بشكل خاصّ، بل كانت أيضاً تقسيماً للأرثوذكس أنفسهم بوصفهم الجماعة المسيحية الأكبر في بلاد الشام، سايكس- بيكو جعلت الأرثوذكس موزّعين على أربع دول وقد أُضعفوا بشكل كبير ومؤثّر في كل دولة منها على حدة.
اختُبر هذان الخياران على مدى القرن العشرين حتى وصول الدولة الوطنية إلى نهايتها.
المسيحية و”الدولة الوطنية”
انتهى الخيار الاندماجي في إطار عربي إلى تراجع المسيحية المشرقية، فالمسيحيون الذين شكلوا ما يقارب خُمس سكّان سوريا في بداية القرن العشرين انتهوا إلى أقلّ من 5% من سكّانها، ولا يختلف الحال في فلسطين والأردن والعراق، فانحلال الجماعة المسيحية في المشرق عمليّة مستمرّة دون عودة.
الهجرة أيضاً كانت خيار المسيحيين بشكل دائم، هجرة بطيئة -ولكن مستمرّة- خلال سنوات الهدوء، أو موجات نزوح في سنوات الاضطراب. تشير الهجرة إلى استعصاء نشوء إطار وطني في هذه البلدان، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون شروط مُلزمة لم تتحقّق، من المساواة مع المسلمين والعلمنة وتحطيم الحواجز الإثنية التي تفصل بين المسيحيين والمسلمين، وهي أمور تقع على عاتق المسلمين أساساً، كونهم الغالبية، وتصوّراتهم العامّة حول الدولة والأمّة والشرعية والقانون حاسمة في هذا الشأن.
وما زاد الأمر سوءاً هو التراجع الذي أصاب هذه الشروط في الفترات المتأخّرة والتحوّل باتّجاه تعزيز الهويّة الدينية/ الطائفية. بالمقابل فإن المسيحيين، وخاصّة الكنيسة، الذين تحمّسوا لمثل الاندماج لم يذهبوا بدورهم إلى النهايات المنطقية المفترضة، فالكنيسة لم ترغب بدورها في عملنة تامّة، ولم يكن المسيحيون من جانبهم مستعدّين دوماً للخروج من أحيائهم. لم يرغب أحد في قبول المتطلّبات المنطقية لخيار الاندماج حتى النهاية، سواء المسيحيين أو المسلمين أو الدولة الوطنية التي تبنّته.
بالمقابل، فإن الخيار الاستقلالي انتهى إلى نتيجة لا تختلف كثيراً، لبنان الذي تشكّل كوطن حاضن للمسيحيين الذين شكّلوا غالبية بسيطة من سكّانه وقتها (بحدود 55%) عرف تاريخاً مضطرباً من الحروب والأزمات السياسية، بالترافق مع تحوّلات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية جعلت المسيحيين في النهاية لا يتجاوزن ثلث سكّانه، وما تلاها من تدهور في مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيه، وهي عمليّة لا يبدو أنها سوف تتوقّف في الزمن القريب.
هنا أيضاً، لم يكن الخيار الاستقلالي بدوره خياراً متّسقاً حتى النهاية، إذ واجه معضلة مبكرة وهي حدود لبنان، بالتالي: هل الاكتفاء بلبنان الصغير؛ الإقليم المسيحي، أم الذهاب في اتّجاه لبنان الكبير بأقضيته ذات الغالبية المسلمة بشكل ساحق؟
عبّر يوسف السودا عن هذه المعضلة بقوله “الوحدة مع سوريا انتحار سياسي ولبنان الصغير انتحار اقتصادي”، كانت خبرة الحرب العالمية الأولى ومجاعتها حاسمة في الدفع باتّجاه لبنان الكبير، حيث تكون المساحات المضافة إلى لبنان مصدراً لإطعام أبنائه، في مواجهة احتمال المجاعة في حال حصار تفرضه سوريا، ربما!
لكنّ المسلمين من سكّان تلك الأقضية، سُنّة وشيعة، لم يرغبوا في لبنان والانفصال عن سوريا، وخاضوا من البداية مواجهاتهم مع اقتطاع بلادهم من نطاقها الطبيعي. لاحقاً، تمّ الوصول إلى توافق على قاعدة نفيين متبادلين -كما وصفها جورج نقّاش، لتشكيل وطن هو لبنان. ومثلما أشار نقّاش، نفيان لا يبنيان وطناً. إذا كان الخيار استقلال مسيحي لتفادي الانتحار السياسي في الوحدة مع سوريا، فماذا يفعل كل هؤلاء المسلمين في لبنان؟
هذا السؤال طرحه عدد من السياسيين اللبنانيين، وفي مقدّمتهم رئيس لبناني هو إميل إده، ولنا أن نتخيّل المفارقة الناجمة عن تساؤل رئيس دولة عن خطأ وجود نصف سكّان دولته الوليدة!
مثلما فشلت الوطنية الإدماجية، فقد فشلت الوطنية اللبنانية بتوليفتها الشديدة الغرابة التي حاولت أن تجمع المسيحي والمسلم في وطنية متوسّطية وفينيقية، لكنّها وطنية مصمّمة على مقاس المسيحيين وضمان سيطرتهم. وبهذا فإن الخيار الاستقلالي انتهى إلى الفشل للتناقض في تركيبته وعدم اتّساق مقدّماته وغاياته ووقائعه، وقد صار لبنان الكبير انتحاراً سياسياً مثل الوحدة مع سوريا.
هل المسيحيون “أمّة”؟
نطوي صفحة مئة عام من عمر الدول الوطنية في المشرق، ومعها نطوي صفحة هذين الخيارين بما انتهيا إليه من فشل شائن. غير أن هذا يدفع إلى طرح سؤال حول خيار آخر، نادراً ما طُرح بشكل واضح، وهو القومية المسيحية والنظر إلى مسيحيي المشرق بوصفهم مشروع “أمّة” ترغب في تحقيق نفسها في وطنها القومي الخاصّ بها. أمّة على أساس الانتماء إلى “المسيحية المشرقية” بما أن المسيحيين يواجهون ما يواجهونه كونهم مسيحيين، وليس لانتمائهم إلى كنيسة ما.
لم يُطرح هذا الخيار الجذري لصعوبته، ولما يترتّب عليه من تبادل سكّاني واقتلاع وتهجير، خاصّة في فترات بدت أكثر أملاً للمسيحيين. لكنّ هذا الخيار ربما يكون آخر رمية في جعبة المسيحيين قبل اندثارهمِ! لن ننتظر الإجابة كثيراً، فهي سوف تُقدّم في المستقبل القريب جدّاً.
المسألة المسيحية، هنا، ليست سوى مثال لا أكثر. جماعة متمايزة على أساس هويّتها الدينية- الإثنية في محيط مسلم تجمعها علاقة متوجّسة معه، طرحت استراتيجيتين لتنظيم حياتها في هذا المكان على مدى مئة عام، وفي النهاية انتهت المحاولتان إلى فشل ذريع وعمليّة اندثار تاريخية.
يمكن طرح هذه المسألة على أيّ جماعة أخرى، أليست مطالبة دروز السويداء بالاستقلال عن سوريا وحديث حكمت الهجري عن كون الدروز جزءاً لا يتجزّأ من اسرائيل تنويعة على فكرة أن الوحدة مع سوريا ليست سوى انتحار سياسي؟ أليس خطاب الوطنية السورية الذي يرفعه بعض الدروز تنويعة على خطاب الوحدة الاندماجية الذي رفعه مسيحيون آخرون؟
خطاب وحدة وطنية نشهد نتيجته النهائية المتمثّلة باندثار المسيحيين، وهو ما حصل في ظروف أفضل بكثير من تلك التي يواجهها الدروز اليوم، ولا يُتوقّع أن تتغيّر في المستقبل القريب أو المتوسّط!
ألا يواجه العلويون المسألة نفسها التي واجهها المسيحيون؟ الاندماج، على أيّ أساس؟ الاستقلال، على أيّ أساس؟ بدورهم، يواجه السُنّة والشيعة الأسئلة نفسها، وإن بشكل أقلّ حدّة ومختلف قليلاً.
علينا أن ننظر أيضاً إلى إسرائيل بالمنظار ذاته، المسألة اليهودية بدورها تنويعة أخرى على هذا السؤال. لا يمكن حلّ المسألة الإسرائيلية بتجاهل المسألة اليهودية، تاريخ إسرائيل ليس فقط تاريخ المسألة اليهودية في الغرب، إنما أيضاً في العالم العربي وفي القلب منه، المشرق.
لم يبقَ يهود في بلادنا، ولم يصطفّ يهود فلسطين معنا! مهما حاولنا الإنكار، فإن إسرائيل كانت -في بُعد من أبعادها- حلّاً للمسألة اليهودية في بلادنا من داخل سؤال الدولة الوطنية. غير أن إسرائيل تقدّم خياراً يتمتّع بجاذبية النجاح الذي نفتقده، نجاح الخيار الجذري الذي لم يجرؤ المسيحيون على تخيّله، وهو قومية مسيحية لأمّة مسيحية في وطنها على أساس التبادل السكّاني.
عن “شعوب” المشرق
تبدو الصورة أمامنا شديدة القتامة، استئناف خيارات فاشلة في إطار الدولة الفاشلة. تفادي دفع الأثمان القاسية للتقسيم بشكل سريع ليتمّ دفعها بشكل بطيء ومديد وبقسوة، أو الذهاب في اتّجاه الخيار الجذري للتقسيم والتبادل السكّاني بأثمانه الهائلة واحتمالات فشله الكبيرة أيضاً، لكن أليس هناك إمكانية للتفكير في المعضلة بشكل آخر؟
الخيار موجود لكن علينا أن نكسر عدداً من القواعد الراسخة، فعوضاً عن التفكير في الدولة الوطنية – الدولة وليس النظام، وحتى لو حاولنا تجميلها بوصفها دولة مواطنين وشعب يتعالى على انقساماته وهلم- بوصفها جزءاً من الحلّ فإن علينا التعامل معها باعتبارها جزءاً من المشكلة. مثلما علينا التعامل مع الكيانات التي أمامنا، سوريا والعراق ولبنان بشكل أساسي، بوصفها جزءاً من المشكلة وليست جزءاً من الحلّ.
الانطلاق من فكرة أننا شعوب، ولسنا شعب وهو أمر لم نكنه ولن نكونه في أيّ مستقبل قريب، وبالتالي كيف لنا إدارة عيش هذه الشعوب مع بعضها بعضاً؟
تاريخياً، وبشكل سابق للدولة الوطنية، كان لنا تراث مديد يمكن استلهامه في هذا الشأن. لم تكن سوريا موحّدة يوماً، كانت شتاتاً من إمارات ودول- مدن، شتاتاً من مجتمعات محلّية وترتيبات مختلفة للسلطة والإدارة. أليس من الممكن أن ننطلق من هناك، من إرث مناهض للدولة وعلى أساس تعدّد الشعوب للبحث عمّا يمنع الكارثة العائدة، وهي عائدة حتماً؟!