حين تسرّبَ أن قائدَ معركة «ردع العدوان»، الذي بايعته الفصائل العسكرية رئيساً للمرحلة الانتقالية في «مؤتمر النصر»، فكَّر بعدها في تحويل البلاد من النظام الجمهوري إلى المَلَكي؛ بدا الأمر وكأنه مخاوفُ هوسيةٌ تجول في مخيلة بعض كارهيه الجذريين. لكن الخبر تأكد، تباعاً، من أكثر من مصدر أضافوا أن أحمد الشرع استَمزجَ آراء مسؤولين خارجيِّين ومستشارين من دول داعمة له فنصحوه بألّا يُقدِم على هذا التغيير الضخم في النظام لئلا يُحدِث هزةً داخليةً حادة.

في تحليلِ الوهلة الأولى يستسهلُ المرء نسبةَ هذا النزوع إلى الشعور بالعظمة بعد إنجاز إسقاط نظام مستعصٍ في أقل من أسبوعين، وما تبعَ ذلك من صعود صاروخي في شعبية أحمد الشرع في مختلف المناطق السورية، وما رافَقَه من قبولٍ إقليمي وعربي ودولي له. لكن ما يقرُب من سنة ونصف على طرح تلك الفكرة يُمكِن أن يقودَنا إلى تحليلٍ أعمقَ، من دون نفي المؤشر الأول.

فببساطة كان الشرع، الذي استوعبَ التغيير المُفاجِئ أسرعَ من سواه، يعرف جيداً نوعَ وحجمَ الصلاحيات التي يريد أن يستحوذ عليها. وكان يعرف أن النظام الجمهوري يُقيّدُ يده بضوابط أكثر مما يستطيع.

تُفيد هنا العودة إلى تجربة إدلب، والتي لا ينفي العهدُ السوري الجديد اعتزازَه بها بوصفها نموذجاً يصلح للاستناد بشرط توسعَته وتَبيئَتِه وتطويره بما يُناسب البلاد كلها. لقد حكمَ «الجولاني» دويلته الصغيرة تلك بمنصب غامض هو «قائد المُحرَّر»، من دون أن يستند هذا الوصفُ إلى أيِّ استفتاء أو توافق بين القوى الموجودة آنذاك. حين كان خطاب «هيئة تحرير الشام» يُعلي من شأن «حكم المُتغلِّب»، أي المستولي على السلطة. وكان حكم قائد هذه الجماعة يتَّصف بكل أنواع «التغلُّب» كلما استطاع. فلم يكن مجلس شورى «الهيئة» شكلياً ومسيطَراً عليه وموالياً فقط، بل كذلك، وبالتدريج، «مجلس الشورى العام» الذي كان بمثابة برلمان للمنطقة، و«حكومة الإنقاذ» التي كانت تُديرها. ورغم اضطلاع بعض «الوزراء» بصلاحيات اختصاصية تنفيذية, إلا أن الجولاني كان يتحكم بثلاثةِ ملفاتٍ أساسيةٍ بصرامة؛ الأمن عبر أبو أحمد حدود (أنس خطاب: وزير الداخلية اليوم)، والعلاقات الخارجية من خلال مُوفَده زيد العطار (أسعد الشيباني: وزير الخارجية الآن)، والمال الذي يُسيطر عليه الجولاني نفسه بتكليفِ مُشغّلين يُديرون قطاعات اقتصادية. وفوق كل ذلك كان يحوز صلاحية إصدار قرارات رسمية تُسمّى «سلطانية»، تتجاوز أيَّ قانون حتى في القضايا المتعلقة بشؤون ذات تأثير حاسم كالحياة والموت. إذ عنت «السلطانية» أنه يستطيع العفو عن أيِّ شخص مهما كانت نتائج تحقيقات «جهاز الأمن العام» معه وحكم قضاته، كما كان يَقدر على إعدامه. ناهيك عن مسائل إدارية وإجرائية أهون.

كانت هذه الذاكرة القريبة حاضرةً في ذهن أحمد الشرع في العاصمة، فضلاً عن ذاكرةٍ أبعد بدأت منذ أن أسَّسَ «جبهة النصرة» في العام 2011 وقادها بفردية رغم مصاعب «الشورى» في الأوقات التشاركية الحرجة. وفي طبقة أعمق كان يقبع إعجابه بنمطِ الحُكْمِ في الخليج وكان يعرف أن هذا ما يُريده؛ مَلَكيّة حاكمة مُحافظة غنيّة.

عندما اضطره الناصحون إلى القبول بالقميص الجمهوري الضيّق سلّمَ أمره، شكلياً كما يبدو، وزاوجَ، في الواقع، بين النظامين الجمهوري والمَلَكي؛ أحدهما بحكم الواقع القانوني والآخر بفعل «الفطرة» الفردانية. ومن هنا يمكن تفسير عدد من القرارات والسلُوكات التي تصدر عن الحكم «بداهة». كتعيين أخوَي الشرع في منصبين حسَّاسين، ودفاع أحد أبرز أنصاره عن حكم العائلات. واعتماد «إعلان دستوري» قيل الكثير في انتقاده لأنه لا يُتيح مساءلة «الرئيس»، وقيل أكثر، لاحقاً، عن مخالفات الأخير لهذا الإعلان من دون تَحرُّج. وتعيين كبار ضباط الجيش والأمن بمن فيهم من أجانب دون حتى منحهم الجنسية. والإمساك النسبي بناصية المحاسبة والعفو و«التسوية». وإنشاء «صندوق سيادي» غير شفّاف يُشبِه «بيت المال». وتكليف موثوقين باختيار مُزكّين لانتخابِ ثُلثَي أعضاء «مجلس الشعب» من بينهم، وتعيين الثلث الباقي بما يُشبِه «مجلس الأعيان». هذه كلُّها إجراءات مألوفة في بيئة مَلَكيّة، ولذلك يجري اتخاذها بطلاقة ويضيقُ الصدرُ عن تفهُّمِ انتقادها.

في مسارٍ موازٍ كان أسعد الشيباني، الذي يَعُدُّ نفسه شريكاً في النصر، يُمنّي النفسَ بمنصب رئيس الوزراء لدى الملك أو حتى الرئيس، مع احتفاظه بحقيبة الخارجية وتعيين وزير دولة للشؤون الخارجية كي يقوم بالمهام البروتوكولية غير المؤثرة، فيما ينشغل أبو عائشة بحكم البلد وفق «توجيهات» صاحب الجلالة أو الفخامة لا مُشاحَّة. وأيضاً عندما خيّبت الظروفُ أمله اضطر إلى الاكتفاء بالخارجية اسمياً، ومدَّ لها أذرعاً في مختلف الوزارات باسم «مديرية التعاون الدولي»، وبثَّ كوادر من المحسوبين عليه في مناصب متوسطة لكنها مفصلية. وذلك فضلاً عن الخطوة الأكثر غرابة بتأسيس «إدارة الشؤون السياسية» التي أخذت موقعَ حزب البعث، وأرسلت بعض مسؤوليها السابقين، بعد كلامٍ غامضٍ عن حلِّها، إلى مكاتب فاعلة في وزارات وهيئات عليا.

أمام استحقاق «مجلس الشعب»، الذي عَقَد أولى جلساته قبل يومين، تبدّى النزاعُ بين الملك وبين الجمهورية. إذ إن من يتمعَّنُ في سِيَر وشخصيات أعضاء المجلس، رغم اختيارهم بالطُّرُق المُبيَّنة أعلاه، فضلاً عن الاطلاع على مناقشات مجموعة الواتسآب التي أنشأوها بعد تعطيل عملهم لأشهر عدة، يستنتج أن المجلس لم يأتِ على هوى الشرع بالكامل، وأنه يعرف أن عليه ترويض بقية معارضيه. ولذلك جاءت كلمته الافتتاحية وكأنها في تدشينُ مجلس شورى ناصح لا مجلس شعب حاكم، بما ينسجم مع ما كان أرساه منذ «جبهة النصرة» من أن الشُّورى «مُعلِمة» وليست «مُلزِمة».

ليس هناك طريقٌ ذهبيٌّ إلى الديمقراطية. والفرديةُ مُغرِيةٌ لأيِّ حاكم. ومن الواضح أن أكثرية عربية سُنّية ما تزال تؤيد الشرع بنظام المستبد العادل بغض النظر عن كونه جمهورياً أو مَلَكياً، بقدر ما لا يهمُّها تعريف صدام حسين كرئيس دولة أو شيخ عشيرة ممتدّة. وعلى الطرف الآخر يقلُّ عدد معارضي أحمد الشرع ويزداد أعداؤه الجوهرانيون، ممَّن يرون في أيِّ عمل سياسي الآن تواطؤاً فعلياً وخيانة موصوفة لأنه يقوم على أرضية من الاعتراف، ولو بأمر واقع.