أسرعت الرواية إلى ما زلزل سورية منذ عام 2011، ابتداءً بالثورة السلمية في الشهور الأولى، والتي واجهها النظام الأسدي بوحشيته، بينما أسرعت العسكرة والأسلمة إلى الثورة، حتى إذا حال ذلك الحَوْل (2011) كانت الثورة السلمية قد تحولت إلى أسمائها الجديدة مثل (حرب أهلية، حرب إقليمية) وسواهما مما اختصرته بـ (الزلزال).
ومنذ البداية أجبرت وحشيةُ النظام الناس في مواقع المظاهرات والتحشدات السلمية على النزوح من حي إلى حي ومن مدينة إلى مدينة أو من قرية إلى قرية. وتطاول النزوح في المناطق الحدودية (الشمالية بخاصة) إلى خارج الحدود، وصار النزوح تنزيحًا. وابتدأت الهجرة تحسبًا أيضًا وسرعان ما صارت الهجرة تهجيرًا. وإذا كان ذلك قد تفاقم وتوحّش ودفع بملايين السوريين إلى جحيم المخيمات والبحار واللجوء، فقد صار سريعًا مادة روائية بامتياز، حتى نافت الروايات المعنية بذلك على المئات، وأغلبها صدر خارج سورية. كما غلبت فيها نسبة الأصوات الجديدة والشابة، وحملت من أوزار السياسة ما حملت مثل ضغط الراهن، أو فداحة التجربة أو أفخاخ الثأرية والمباشرة والطائفية، أو منافسة الصحافة والتلفزيون والبيانات.
وبالطبع، ظلت للرواية، رغم كل ذلك، إنجازاتها الكبرى على أيدي كثيرين وکثیرات من مختلف الأجيال.
ولئن کان استنقاع التنزيح والتهجير، واستنقاع الحرب، ونبالة الهدف بالتحرر من النظام المتوحّش، قد جعل القراءات النقدية على اختلافها تتعاطف مع ما تقرأ من الروايات، فالسؤال، من بعد سقوط النظام في 8/12/2024، يلحّ على ما إذا كانت ضروريةً إعادةُ قراءة المدونة الروائية الضخمة للثورة، والزلزال والحرب، من دون الخوف من كشف ما لبعضها من عورات أو نقائص، وكذلك هتك هالة التمجيد والمزاودات والعصبويات؟
التنزيح: لا ينفرد النزوح أو التنزيح برواية بعينها في حدود علمي. لكن ما يقرب من ذلك هو ما أبدعت في تصويره رواية محمود حسن الجاسم “نزوح مريم” (2015). فقد عادت الرواية إلى سيطرة جبهة النصرة وداعش على مدينة الرقة، حيث اعُتقِل هاشم سعيد الحسين زوج سارة طوني جبور مدرسة اللغة الإنكليزية، وكانت قد ولدت مريم. ولم يطل الأمر بالمرأة المسيحية حتى اضطرت إلى الفرار مع ابنتها، حيث عادت إلى بلدتها (محردة) المسيحية. والتنزيح أو النزوح غالبًا ما يكونان الخطوة الأولى نحو الهجرة التي ليست إلا تهجيرًا ما دامت طلبًا للنجاة. وهذا ما كان لسارة إذ اضطرت إلى متابعة الفرار إلى بيروت، ومنها إلى مخيمات النزوح والتنزيح في تركيا. وفي كل ذلك كانت التفاتة الرواية إلى إسلامية هاشم سعيد حسين الذي يتمكن من الهرب من المعتقل، فإلى مسيحية زوجته، من الالتفاتات النقدية المبكرة إلى خطر الطائفية ومزالقها.
وفي رواية نيروز مالك “سنوات خمس” نقرأ للراوي الذي يكتب رواية عن حلب وتنضدها زوجته: “لا أريد الحديث عن النازحين بالملايين في الداخل والخارج. نازحون هربوا من آلة القتل، ونازحون شمل الدمار بيوتهم وخرّب أراضيهم”. وتقرأ في الرواية أيضًا تساؤل الراوي: “عماذا أتحدث وعماذا لا أتحدث؟ عن النزوح والاقتلاع، أم التهجير؟”. وتبدي وتعيد الرواية في تصوير النازحين الذين تركوا حاراتهم في حلب بعدما سيطرت عليها من تسميهم الرواية بالمعارضة المسلحة، فيما سيطرت (الحكومة) على حارات أخرى. وما هو أهم النازح أو المنزَّح هو حمل الوثائق والأموال والشهادات. وتفصّل الرواية في مشهديات النزوح والتنزيح، حيث يبدو الناس صامتين مذهولين “حياتهم صمت وعزلة كمن أفاق من الموت”. ومن المشهديات المريعة سيل الناس الراكضين بينما الرصاص والقنابل فوقهم وخلفهم، ومن يسقط تدوسه الأقدام المذعورة. وفي السيل تلك النازحة التي أفاقت بعد مسافة طويلة أن يديها المخدرتين خاويتان، فحاولت العودة لتأتي بما نسيت أو ضيعت، ولكن أنّى لها أمام السيل العام الذي يجرفها.
ومن وعن مدينة الرقة هي ذي شهلا العجيلي في روايتيها “سماء قريبة من بيتنا” (2015) و”ضيف مع العدو” (2018). ففي الرواية الأولى حفر روائي في تاريخ الرقة وفي تاريخ أسرة جمان يدران، التي تتمحور حولها الرواية. وإذا كانت جمان تسلق المعارضة المسلحة – وهي عينها ما جاء في رواية “نزوح مريم” – فالشخصية الأخرى ناصر يسلق الجميع، ومنهم اللاجئون الذين باتوا طبقة خارج التقييمات الطبقية. فاللجوء الذي استنقع وطال صار طبقية. ومن اختطاف المسلحين لوالد جمانة في مدينة الرقة إلى مخيم الزعتري في الأردن وعمل جمان التطوعي فيه، توالي الرواية تصوير اللجوء، ومن ذلك ما كان لسلمى شقيقة جمان التي ترفض المضي مع زوجها حين قرر اللجوء، وهي التي وسمتها تجربتها في إقليم صحار من سلطنة عمان.
أما في رواية “ضيف مع العدو” فتحضر الرقة أيضًا عبر نشأة وحياة لميس وصديق الطفولة عبود والألماني الشاب المولّه بالفلك، وكذلك والدة لميس التي قتلها لغم أثناء النزوح. وزمن الرقة في هذه الرواية يرخي بكلله عليها منذ زمن النظام الأسدي إلى زمن جبهة النصرة فداعش إلى زمن قوات سورية الديمقراطية الشهيرة بـ (قسد) الكردية.
في رواية سوسن جميل حسن “خانات الريح” (2017)، يجمع النزوح والتنريح الداخلي في اللاذقية بين ابنتها نوارة وبين القادمة من الرقة رفيدة. ولا يطول الأمر بهما قبل أن تتقاذفهما الدروب والبحار مع أصنائهما من السوريين الهاربين من الجحيم. وسيغدو الملجأ في برلين مناط الرواية االبديعة، سواء بالتمحور حول هاتين الشخصيتين أم بالشخصيات الأخرى، اللاجئ منها أيضًا أم الألماني.
ومع رواية مها حسن “متر وحلبة” (2016) نعود إلى حلب حيث ترسم سارة في أحلام اليقظة انتقالها بالمترو إلى حلب المدمرة، بعد معجزة الثورة السلمية. وسارة ضد العسكرة. وهي ترصد ظهور جبهة النصرة ثم داعش، وترصد وحشية النظام، واندفاع الناس إلى الفرار هربًا من الموت الأعمى، واللجوء بخاصة إلى تركيا. وبينما تقضي والدة سارة بقذيفة في حلب، يكون أخوتها وأقاربها قد توزعتهم العواصم الأوروبية. وتذهب مها حسن أعمق وأشمل في روايتها التالية “عمتِ صباحًا أيتها الحرب” (2017)، حيث يرمح التخييل بالسيرية، بينما تتفجر حكايات اللجوء، من قوارب الموت وبودروم التركية إلى جزيرة كيوس إلى غوتنبرغ والبيوت المؤقتة، ويصير اللاجئ رقمًا في حلف، ويصير اللاجئون كنز المهربين والمرتزقين في هذا الذي تصفه الرواية بالكارثة، وبحرب اللامعنى، ولذلك تسلق الأسلحة والمعارضة، كما تسلق الدعوى الكاذبة بحكايات العدالة والحقوق، مثلها مثل ثلج أسود.
ليست الإلماعات السابقة لعدد من روايات النزوح والتنزيج والهجرة والتهجير غير أمثلة ناصعة. وهي بنصوعها تعري الزبد الروائي الذي ناء بما حمل من سنوات الزلزال، ومثله الزبد النقدي والإعلامي الذي هلّل للزبد الروائي، متذرعًا بالثورة وبالرواية السياسية. ومن السلام ويحضرني هنا ما كنت قد قرأت (في ملحق جريدة “الاتحاد” 19/1/ 2017) من ترجمة رسالة عازفة الكمان السورية ماريلا شاكر (المسيحية من مدينة حلب). وفي الرسالة أن العازفة تعزف لترفع درجة الوعي بمحنة اللاجئين حول العالم، ولكي تكون بمثابة صوت آخر لهم. وفي الرسالة أيضًا: “الغالبية العظمى من السوريين تؤمن بالسلام. نحن نحارب بأقلامنا وعقولنا، بما نحمله من ثقافة، نحارب بقلوبنا المشرعة، ولا نؤمن أبدًا بحمل السلاح، لا الآن، ولا في المستقبل”. وفي الرسالة أخيرًا: “عزيزي العالم… اللاجئون ليسوا أشخاصًا تخشاهم. نحن نأتي مع إمكانات مهمة وفرص أهم للاستثمار إنسانيًا. لسنا مجرد عبء. نحن هنا متواجدون وفاعلون كأشخاص، ومستعدون للمساهمة دائمًا، كما أننا دائمًا حريصون على إبراز الوجه الخيّر والعظيم لسورية، تمامًا كما نحن مستعدون لإبراز ذلك الجانب الخير في البلدان التي تشرع أبوابها لنا”.