في سيرته الذاتية “بائع التذاكر” (بيروت: دار الآداب، 2026، 224 صفحة) يأخذنا الكاتب الشهيد وليد دقة إلى عوالم متعددة، في مزيج إبداعي هجين يُطلق عليه أدب السيرة.
إن “بائع التذاكر” إحاطة مكثفة باذخة للسيرة الذاتية كما يجب أن تكون. إنها ليست تجميعًا لليوميات ضمن زمن متسلسل، ولا كشفًا لأسرارٍ شخصية، أو تأريخًا لأحداث شخصية، أو عامة، وإن كان ذلك كله موجودًا. إنها سيرة ذاتية انتقائية اختار فيها وليد دقة من حياته ما يضيء على ما تمخضت عنه تجربة العيش بين جدران السجن، وعلى بعض حياته القصيرة خارجه.
قد يخيل للواحد منا حين يهم بقراءة “بائع التذاكر” بوصفها سيرة ذاتية لأسير فلسطيني محكوم بالمؤبد، أننا إزاء نص حزين يروي فيه الكاتب المعاناة وأساليب التعذيب، والظروف القاسية التي يعيشها الأسرى. لكن الكتاب لا يقتصر على هذا فحسب، فالطابع الفكري والعاطفي لأبعاد ذلك السجن هو ما غلب على هذه السيرة، بل تعمق أكثر بالبعد الوجودي كثيمة اختارها وليد دقة لتربط فصول هذه السيرة المدهشة، ليس بكثافتها فحسب، بل بوصفها عصارة ثمانية وثلاثين عامًا من العيش في الضيق والاكتظاظ والعزلة والتنكيل المتواصل؛ سيرة رواها وليد دقة بلغة رقيقة شاعرية حينًا، وحينًا بلغة فكرية بالغة الدقة والوضوح. لقد سرد حياته وروحه، أو ما استطاع أن يبقى منها، ببراعة من يحرص على أن يخبرنا عما توصل إليه عن العيش في الأسر، وتجلياته الفلسفية في التفاصيل اليومية غير القابلة لاستيعاب العقل والقلب لهذا المعيش الجهنمي. ويُسقط دقة كثيرًا من الأفكار المسبقة عن واقع الحركة الأسيرة في “بائع التذاكر”، أو يشاغلك بأمور في داخل السجون لا تخطر في بال من يعيش الحياة خارج السجن. إنّه عالم آخر لا يشبه عالمنا نحن في الخارج، بل يعمل ذلك العالم على قتل الروح وصهر الوعي في جحيم الأسر، في زمن موازٍ لزماننا، لكن الفارق أنّه “زمن لا يسير على محور فيه ماض، أو حاضر ومستقبل، بل زمان يجري في ثبات المكان [وقد] أسقط من لغتنا مفاهيم الزمان والمكان العاديين عندما لا نسأل: أين ومتى نلتقي مثلًا، بل نحن التقينا وما زلنا نلتقي في المكان نفسه. نحن نسير هنا بمرونة ذهابًا وإيابًا على محور الماضي والحاضر، وكل لحظة بعد لحظة الحاضر هي مستقبل مجهول لم نعد قادرين على التعامل معه. مستقبلنا لا سيطرة لنا عليه، وما أشبه حالنا بحال كلّ الشعوب العربية، مع الفارق الجوهري أنّ احتلالنا أجنبي وسجّانهم عربي، وهنا سُجِنّا لأننا نبحث عن المستقبل، وهناك دُفِن المستقبلُ حيًا”. بهذه الكلمات يعبّر دقة عن البعد الفلسفي الوجودي لتجربة السجن، ولا سيما حين يشرح “إننا في زمننا الموازي غالبيتنا لا تجيب عن سؤال يُسأل عادة للأطفال الصغار: ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟”(ص 182).
توفي وليد دقة الشاعر والأديب عن عمر يناهز 63 عامًا من غير أن يعرف ماذا يريد أن يصبح حين يكبر، لأن “الزمن كمفهوم، ملازم للمادة، والوجه المتحرك لها، والمكان هو ثباتها، فإننا في الزمن الموازي داخل السجن نمثل وحدات هذا الزمن… نتصارع مع المكان وفي حالة تناقض داخليّ معه”.
تقودنا قراءة “بائع التذاكر” إلى التفكر في حياة الأسرى وراء قضبان الزنازين من زوايا متنوعة تبحث في التفاصيل البسيطة عن المعنى. معنى الوجود ومعنى الصمود، حيث هنالك وراء جدران السجون تنسج البطولات في زمن موازٍ لا يجري، وتحملنا إلى شعور عميق بالذنب تجاه الأسرى كوننا لا ندرك حيثيات هذا السؤال الوجودي المرير المكبل بقيود النسيان والعجز ونحن نواصل حياتنا في الخارج.
لا نستطيع في هذه العجالة الإحاطة بتفاصيل سيرة دقة الذاتية، أو الفكرية، ولحظات تجلي وعيه الوجودي، والإحساس بالذات الهوياتية. فثمة محطات كثيرة تحتاج كل منها إلى التوقف عندها، والتأمل فيها طويلًا وعميقًا، وتجعل الكتابة عن “بائع التذاكر” مشروعًا نقديًا مستمرًا، إن في بعدها الفلسفي والعاطفي، أو الفكري، أو الأدبي، أو في أبعادها النضالية، كأعلى أشكال المقاومة لشعب مهدد بالاعتقال دونما سبب غير أنه ينشد الحرية. إنها أشبه بوصية يتركها وليد دقة بين أيدينا تجعل من الحركة الأسيرة أمانة في أعناق كل حر وحرة، وتجميع فريد لتجارب حياتية وجودية وعلاقات إنسانية مثيرة للدهشة والذهول، ما يضع الحركة الأسيرة في لب النضال الوطني والإنساني، ويخضعها لمبضع النقد بعيدًا عن مشاعر الشفقة على الذات. فهو حين يصف تداعيات العزل على عقل الأسير وتقنيات الحفاظ على سلامة العقل يشرح تقنيات الحماية، كالقيام بترتيب الزمن وفق برنامج فعاليات يومي مكتوب حتى تصبح هذه الفعاليات هي نفسها مؤشر الزمن، حيث لا معنى لتوقيت ساعتك، أو ساعتك البيولوجية. فمهما كانت دقيقة “سيعطبها العزل الانفرادي”(ص 201). وحدها ابنته ميلاد من أنقذته من وطأة العزل الانفرادي في الزمن الموازي، بعد أن كسر مع زوجته سناء جدران هذا الزمن عبر “نطفة مهربة” إلى خارج السجن استقرت في رحم سناء، وحررت جزءًا منه رغم أنف الاحتلال في الثالث من شباط/ فبراير 2020. سناء التي لم تعرفه إلا أسيرًا، ارتضت الزواج منه وهو داخل جدران الزنزانة وحكم المؤبد، لتمنح زمنه الموازي المعنى “في أن تكون حين تريد”.
“بائع التذاكر” رائعة أدبية بأسلوبها السردي الفريد الذي جمع السرد الروائي إلى أدب السيرة والتأملات الفلسفية والفكرية في نص عصيّ على التصنيف، أو التقليد. كانت بصمته المميزة في توصيف أمه فريدة: امرأة مكافحة ومناضلة أسهمت في صمود أسرتها بعد تدمير قريتها “وادي الحوارث” في عام 1948، إذ تم تهجير أهلها حين كانت طفلة، وإن نشأت في ما بعد بـ”باقة الغربية”. هي الأمية التي لم تتح لها فرصة التعلّم، وكانت منفتحة بعلاقاتها وحبها للناس، وتمكنت من نسج صداقة عميقة مع يهودية تونسية اسمها بروريا: “لم أرَ أمي يومًا تلغي أحدًا (…) ولها صداقات واسعة أوسع من دائرة الدين، وكانت تستقبل أصدقاء والدي بكثير من الترحاب، مثل رفول من مدينة حيفا، ومئير سابير، الذي أودع أسرته في أثناء حرب 1973 في عهدة والدي ووالدتي، وتركهما أمانة في أعناقهما”(ص 142). كانت الحاجة فريدة المرأة الوحيدة التي تقتحم مجالس الرجال في العمل، أو في عادات الجاهة ــ حين تطلب البنت للزواج ــ وتشارك زوجها في قرارات العائلة. كان وليد يراها نسوية بالفطرة، وكانت فريدة كاسمها.
يسلط دقة الضوء في أحد مفاصل سيرته الذاتية على إشكالية مفهوم “عرب إسرائيل” و”فلسطينيي الداخل” الذي يثيره جهل زملائه في الأسر، وعجزهم عن استيعاب الفارق بين المفهومين، مستخدمًا عبارة “إننا اليوم نواجه أمية وطنية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى”. ويروي كيف واجه في سنوات أسره الأولى زملاء يطلقون على فلسطينيي الداخل لقب “عرب إسرائيل”، وهو المصطلح الذي روّجت له الآلة الإعلامية الإسرائيلية لعزل هذا الجزء من الجسد الفلسطيني عن بقية أجزائه. استمرت هذه الإشكالية تواجهه مع الأسرى الجدد على مدار زمن الأسر، الأمر الذي اضطره و”أسرى الداخل” لشرح الفارق بين المفهومين في تشكيل الهوية الوطنية المتشظية بفعل النكبة. ومن هذا المفصل نفهم أن العنوان، أي “بائع التذاكر”، يعود إلى محاولاته المتكررة مع كل أسير جديد يصل من غزة، أو الضفة الغربية ــ خاصة للأجيال الشابة المتلاحقة ــ للحديث عن أهمية استخدام مصطلح “فلسطينيي الداخل” لما له من أثر في رؤيتهم كجزء لا يتجزأ من النضال الوطني، سعيًا منه لتفكيك الأفكار المسبقة عن هذا الجزء من الجسد الفلسطيني، وكسر العزلة الوطنية عنه والجهل به، ما اضطره إلى أن يكرر الشرح على مدار سنوات السجن أشبه بـ”بائع التذاكر” في محطة قطار ضخمة: “يأتي جيل ويذهب جيل وأنا أكرر الكلمات نفسها”.
استشهد وليد دقة في السابع من نيسان/ أبريل 2024 بعد صراع طويل مع المرض، ولم يسعفه الموت ــ حتى الآن ــ في تحرير جثمانه من داخل ثلاجات الموتى الإسرائيلية، تاركًا ابنته ميلاد الجزء الذي تحرر منه رغمًا عن الاحتلال الذي، رغم المطالبات الطويلة والمتكررة في المحاكم، لم يسمح له بالخلوة الشرعية مع زوجته سناء، فكانت النطفة المحرَّرَة. وفي رسالة متخيلة من ابنته إلى العالم يروي عصارة تجربته في إنجاب ابنته ميلاد ليبين دقة الأبعاد العميقة للعنصرية التي منعت مجيئها إلى هذا العالم بقرار لاأخلاقي، وعلى شكل مرافعة وجودية لطفلة رضيعة لا يمكنها الكلام، لتنتهي السيرة بالمفصل الأخير من سيرته الذي حمل عنوان “بائع التذاكر” أشبه بنص نقدي مكثف مرمّز لبائع تذاكر كان يعتقد أن لديه المقدرة على معرفة ما يريده المسافرون في قطار الحياة، ليكتشف بعد حين أنه لم يعد يعرف.
* روائية فلسطينية مقيمة في بيروت.