-
رزان عمران… الجمهورية .نت
-
-
-
عندما تسأل في بانياس عن موقع «المقبرة الجديدة»، ستواجه إجابتين، حسب المكان الذي تسأل منه. إن كنتَ في حي القصور، سيُرشِدكَ الأهالي إلى مقبرة الشيخ هلال شمال شرق المدينة، وإن كنت في «البلد» سيدلّونك إلى الجنوب الغربي، نحو طريق يتفرّع عن جسر المرقب، هناك تجد قبراً كبيراً محاطاً بقبور أصغر، تتصدره لوحة تذكارية تزدحم بالأسماء.
المقبرتان طرفيتان، قديمتان، والجديدُ في كلٍّ منهما مساحةٌ إضافية أُعِدَّت العام الماضي 2025. الشمالية لضحايا مجزرة القصور (7 و8 آذار ‘مارس’ 2025)، والجنوبية لضحايا مجزرة رأس النبع (3 و4 أيار ‘مايو’ 2013)، الذين تأخَّرَ تكريمهم بدفن لائق إلى ما بعد سقوط نظام الهارب، وتحلُّ ذكراهم السنوية في هذه الأيام.
بين المقبرتين ثلاثة كيلومترات مائلة لا يمكن قطعها مشياً بسهولة، تفصل بينهما شوارع أحياء متعرجة، ونهرٌ يقسم المدينة إلى شمال وجنوب، أو حسب خطاب «المكونات»: شمال علوي في معظمه وجنوب سنّي في معظمه.
يلتقي الطرفان في وسط تجاريٍ يُحيِّدُ الإرثَ الثقيلَ جانباً؛ لا كلام في الماضي، وإن حصل، يُفضَّلُ أن تنتقي كلماتك. توصيفُ «مجزرة آذار» شمالاً يُستبدَل بـ «الانقلاب» جنوباً، و«التحرير» جنوباً يقابله «سقوط النظام» على الجانب الآخر. وغالباً، لا نقاش أصلاً.
نهر بانياس الفاصل بين جنوبها وشمالها ويظهر جامع النور. بالنسبة للناشط إبراهيم القدموسي، المعروف بـ «أبو جعفر» في تنسيقيات بانياس، لا تنتظر المدينة الساحلية تعويضاً عن الدم فقط، إذ تطولُ قائمة المطالب، وأولها تعويض المفصولين من وظائفهم تعسفياً لارتباطهم بالثورة، وتسوية أوضاعهم القانونية للسماح لهم بالتصرف في ممتلكاتهم، والنظر في أوضاع المُعتَقَلات السابقات اللواتي يعانين ظروفاً قاسية مادياً ونفسياً. المشكلة في رأيه أن بانياس ليست مركز المحافظة، لذا تبدو ملفاتها كأنها درجة ثانية، رغم تعقيدها وضخامتها.
عن الانقسام البانياسي، يستشهد أبو جعفر، المعتقل بين 2016 و2020، بثلاثة أشهر هادئة في المدينة بعد هروب الأسد، يقول: «عند سقوط النظام، انتشر السلاح وكانت ثكنات الجيش خالية. لم يكن هناك شيء يمنع من الانتقام، لكن الأهالي والناجين ليسوا مجرمين. منذ سقوط النظام، أردنا بداية عادلة، ومحاسبة من أجرموا في بانياس، أياً كانت طوائفهم، وبالقانون».
يرى أبو جعفر أن توصيف «انقلاب آذار» الشائع لا يعني إنكار المذبحة التي تلته، بل يضعها في سياق زمني يُفسِّرها دون أن يبررها. يقول للجمهورية.نت: «الإنكار مشكلتنا الأساسية في بانياس. المحسوبون على نظام الأسد سابقاً ما زالوا ينكرون ما عانينا منه. نحتاج إلى حوار طويل للوصول إلى اعتراف مُتبادَل بما حدث. الاعتذار ليس ضرورياً، بل الاعتراف، فهو البداية التي ستُسهِّلُ طي صفحة الماضي واستمرار الحياة بسلام».
النصب التذكاري لضحايا رأس النبع. أمّا ما يجب أن يشملَه الاعتراف، فمجزرتان وثّقَ إبراهيم أَحداثهما قبل 13 عاماً. أحصى 459 ضحية مدنية في البيضا ورأس النبع على يد قوات نظامية ومجموعات رديفة لها، وهو ناجٍ من مجزرة رأس النبع. يُضيف: «الاعترافُ بهجوم الفلول على قوات الأمن في 6 آذار مطلوب أيضاً».
يكاد أنصار الثورة السورية في بانياس يُجمِعُون على الامتعاض من غياب محاسبة رموز المرحلة السابقة في المدينة. صفحاتهم على فيسبوك لا تخلو يومياً من التعجُّب لمرأى «شبيحة سابقين» يظهرون علناً في أماكن عامة، ويُمارسون حياتهم بشكل طبيعي. بعض الصفحات كرَّست نفسها لفضح هؤلاء بالاسم. لكن من هم؟ هل تعرف كُلُّ ضحية غريمها بالشكل والاسم؟
أسوأ جريمة ارتُكبت، في رأس النبع على الأقل، كان منفّذوها مُموَّهي الوجوه. فقدت أم أحمد 17 من أفراد عائلتها، زوجاً وأبناءً وأحفاداً، على أيدي مسلحين لَوَّنوا وجوههم لتَضيعَ مَعالمُها. قتلوهم من مسافة قريبة جداً. مع ذلك، لم تستطع تمييز ملامحهم. حتى اليوم، تبدو محاولة التركيز في تلك اللحظة شاقة عليها، كأنها تعيش المأساة مرة أخرى. لا تتفاءل المرأة الملقبة بـ«خنساء بانياس» بمحاسبة المتورطين الفعليين، وتكاد تكتفي بعدالة إسقاط النظام، وبحفيدٍ وحيدٍ ناجٍ تعيش من أجله فقط.
بالمقابل، لدى إبراهيم ورفاقه أسماء أشخاص شغلوا مناصب عسكرية وأمنية في بانياس، ومديرو مناطق، وموظفون مدنيون لصالح الأمن برتبة «كتّيبة تقارير»، وصولاً إلى متطوعي «دفاع وطني» سيئي السمعة. يقول: «حتى الآن لم يُستدعَ أحد أو يحاسَب أحد، لذا قررنا المبادرة وإيصال الأسماء إلى المسؤولين الأمنيين في محافظة طرطوس لتسريع إجراءات العدالة الانتقالية، الكفيلة وحدها بتهدئة النفوس، ومنع الانفلات الأمني والانتقامات الفردية والعشوائية. العدالة صمّام الأمان الوحيد».
مدخل رأس النبع وعن المرتبطين بالنظام السابق، «المُعادِ تعويمهم» في بانياس، يضع إبراهيم الأمر في خانة «الحسابات الميدانية» التي أسقطت النظام، الحسابات ذاتها التي أبقت مسؤولاً أمنياً أسدياً إشكالياً مثل فادي صقر مُقرَّباً إلى السلطة اليوم.
تفسيرٌ كهذا يتقبله أنصار الثورة على مضض، وهم يرون رموز سلطة سابقين ينشطون في «السلم الأهلي» في بانياس الآن، تتواصل معهم السلطة كـ«ممثلين» لعلويي المنطقة دون غيرهم، مثل تاجر التبغ ياسر سلمى، المرتبط برجل الأعمال حامد حسن، الذي كان بدوره واجهةً لماهر الأسد شقيق الرئيس الفار.
يتفق ناشطون من متابعي الشأن العام في بانياس على أن التفسير الوحيد لبقاء شخص كسلمى وتصديره كـ«وجيه علوي» هو المال، و«براغماتية» ما، تَكفلُ «احتواء الأهالي». يبدو صلة وصل، أو وساطة غير تمثيلية، بين جماعة أهلية وسلطة فُقدت الثقة بينهما بعد مجزرة.
كان أول اختبار كرّسَ الرجلَ «وجيهاً مفيداً» هو شراؤه أرضاً مجاورة لمقبرة الشيخ هلال ليُدفَن فيها ضحايا مجزرة القصور في آذار 2025. أكثر من 400 قبر، بعضها يضم أكثر من جثمان، وهي حصيلة غير نهائية مع وجود ضحايا تم نقلهم ليُدفنوا في قراهم، كما أن هناك مفقودين أيضاً. «شو بدنا نحكي.. كتّر خيره» تقول خديجة (اسم مستعار)، أثناء زيارة قبر جارتها.
أدخلت مجزرة القصور البانياسيين في مرحلة جديدة مؤلمة، تسودها عقلية «الضحية التنافسية». حالة تستعرُ على مواقع التواصل، ينشغل كُلٌّ من طرفيها بإثبات أنه الأكثر تَضرُّراً. أخطرُ ما في ذلك، أنه يُغذّي آليات الإنكار الجماعي والانفصال الأخلاقي، مثل تبرير الفظائع، ليبتعد بأهالي المدينة أكثر عن مرحلة الاعتراف المتبادل، الذي هو شرط اكتمال أي عدالة انتقالية.
بالمقابل، يُركِّزُ البعض على الاستثناءات. شاركَ زوجُ خديجة في العثور على الجثث وتجميعها خلال اليومين التاليين للمجزرة رغم صعوبة التجول. استطاعَ ذلك بفضل مساعدة صديق سُنّي من آل طه، رافقه أثناء البحث مُشهِراً هويته ولهجته في وجه فصائل تقتلُ على الهوية الطائفية.
تُواسِي قصةٌ كهذه «مخذولين» في حي القصور ممن لم يتلقوا العزاء في أحبتهم، ومثلها قصصٌ حقيقيةٌ كثيرة عن سُنّة خبؤوا علويين في منازلهم خلال يومي المجزرة العصيبَين. لكن هل هذه استثناءات جديدة على بانياس؟
يعود الناشط جابر عبود بذاكرته إلى مظاهرات 2011، التي كان حاضراً فيها واعتُقِلَ بعدها، في ثاني تجربة سجن بعد اعتقال سابق، على خلفية نشاطه الشيوعي. في مجزرة رأس النبع 2013، استطاعَ الوصول إلى المكان ودفْن شبان سُنّة مع عائلاتهم (راغب ومحمد حجازي وسعيد جلول)، بعد استنجاد شقيقة أحدهم بجابر. كان اثنان منهما يعملان في النجارة. يومها حاول هاربون من الجحيم التعلُّقَ بسيارته علّها تتسع لمزيد من الناجين، لكن عبثاً. استضافَ عائلات هاربة في منزله، وأوصلَ أُخرى إلى مساكن آمنة في المحطة الحرارية. وساعد في تهريب الشاب محمد بكور وصديقه، اللذين عادا إلى بانياس وقد كوّنَ كلٌّ منهما أسرة، ثم زارا جابر مع أسرتيهما في لقاء مؤثر. بعد أسابيع، رُدَّ المعروفُ إلى جابر بإنقاذ زوجته وابنه وعشرة من أفراد أسرته من جحيم حي القصور في 7 آذار 2025، بينما اختارَ مع شقيقه البقاء لحراسة المنزل، مُعرِّضاً نفسه لاحتمال الموت خلال عدة اقتحامات لبيته من فصائل سورية وأجنبية. نجا بأعجوبة، وبدفعِ بعض المال.
فقدَ جابر في المجزرة ابنة أخته وزوجها، ونُهِبَ محله بما فيه من أدوات، وأعادها بانياسيون له بعد أيام عندما أدركوا أنها له. اعتذرَ له أحدهم بإهدائه شجرة جاكراندا صغيرة، زرعها أمام محله، ولم تُورِق بعد.
مقبرة الشيخ هلال. كرَّسَ جابر ورفاقُهُ جهودهم لإغاثة 23 ألف نازح ومحتاج في عشرات القرى طيلة الأشهر التالية لمجازر آذار، فلا شيء يمكن فعله أكثر، إلا بضع محاضرات يُدعى لإلقائها من حين لآخر حول مفهوم الدولة والمواطنة، مُحاوِلاً إحياء روح المدنية، في مركز ثقافي قاطَعَه العلويون منذ المجزرة رغم قُربه من أحيائهم.
لا يشعر جابر بالتفاؤل. يتواصل معه «وجهاء المرحلة» العلويون ليشاركهم في لقاءات مع مسؤولين حكوميين، لأنه «بيعرف يحكي»، لكنه يختار الاعتكاف بعد تجربة. يقول: «ليس هناك وعي سياسي يوحي بأن الحوار سيكون مُجدياً. لا رؤية سياسية وطنية واضحة، سابقاً والآن. يعتقدون أن إسقاط النظام سيعقبه تسامح ومصالحة، بينما المطلوب أن تتصرف الدولة كدولة، تنظر بمساواة إلى جميع مواطنيها، وتُشعِرَهم بسيادة القانون وليس بآراء المشايخ، وأن يكون التوظيف على أساس الكفاءة، لا الولاء كما يجري حالياً».
تقع من حين لآخر حوادث في بانياس، دون معالجة أمنية شفّافة. يضرب جابر مثالاً على ذلك اغتيال الشيخ خالد خدوج، عضو مجلس الشعب السابق، أمام بيته أواخر العام الماضي، حيث لم يتضح الفاعل ولم يُكشَف عن سير التحقيق. بالمقابل، تُحَلُّ قضايا أخرى بكتابة تعهّد بعدم تكرار الاعتداء، كما حصل في مدرسة فهيم أحمد، حين تهجمت والدة أحد الطلاب على مدرّسة وطلاب آخرين بالضرب والإهانات الطائفية بدعوى «تحرّش» لم يتم إثباتها، لتعلن المدرسة التعطيل بضعة أيام احتياطاً، خشية ردة فعل «أهلية» أخرى قد لا تنتهي بتعهّد في المخفر.
يحاول عناصر المخفر التدخل عند تلقّيهم بلاغاً، ولا ينجحون دائماً. فشلوا في السيطرة على ما وصفه أحد السكان بـ«استعراضات القوة» اليومية على الدراجات النارية القادمة من البلد باتجاه حي القصور، بينما سَجَّلت سيدة علوية نقطةً لصالحها على جارة سُنّية في الحي نفسه، حين سبقتها بالشكوى بخصوص «شتائم طائفية» تلقتها إثر خلاف حول رمي القمامة قرب المنزل. تم استدعاء المُشتكَى عليها، التي اضطرت للتفاوض مع جارتها لإسقاط الدعوى. حادثة أوحت للجيران بأن من يسبق بالشكوى يربح. قد لا تكون قاعدة دقيقة، لكنها ربما تَصلُحُ كعُرف يرشد الأهالي إلى ما عليهم فعله، في مرحلة تتسم بالتخبط، والميل إلى تبويس الشوارب بحجة الحفاظ على السلم الأهلي.
جسر المرقب ويبدو حي رأس النبع خلفه من بعيد. يشجع الناشط أيمن فارس بدوره على انخراط العلويين في الحياة العامة، رغم حالة انعدام الثقة الغالبة. يوضح أنه شجَّعَ المحامي أمجد علي على الترشح لانتخابات مجلس الشعب عن بانياس، فترشَّحَ كعلوي وحيد، وكانت المفاجأة نجاحه دون البقية، لا سيما أن أصوات السنّة توزّعت على تسعة مرشحين.
يتفاءل أيمن بتفصيل آخر، هو دعوة ضباط جيش سابقين علويين «نظيفي السيرة» للعودة إلى الخدمة، حيث مَلؤوا استمارات بهذا الخصوص، وجرى إطلاعُهُم على تفاصيل العمل والرواتب والتعويضات. لعب أيمن دورَ وساطة في مرحلة ما بعد سقوط النظام، خرج منه بـ «وجعة راس» وتخوين لتعامله مع السلطة الجديدة، فآثرَ الانكفاء حالياً.
اليوم في بانياس، سيُصلي أهالي «البلد» على ضحايا مجزرتي 2013، وسطَ ثقة بأن المحاسبة قادمة، بعد مشاهد التحقيق والمحاكمات في دمشق. على جانب آخر، ثمة تحقيق حكومي في مجازر آذار 2025، لا يبدو أن ذوي الضحايا يتابعونه حتى. انقسامٌ في النظرة إلى العدالة، وانقسامٌ على السرديات، يجعل الطريق بين مقبرتين يبدو لا نهائياً.
-