بغداد/ تميم الحسن… جريدة المدى
تنتظر حملة ملاحقة الفاسدين انتقالةً غير مسبوقة، قد تضع، للمرة الأولى، رؤساء حكومات سابقين في دائرة الاتهام.
لكن، وفق مصادر سياسية، فإن هذا التحول الكبير لن يحدث قبل انتهاء زيارة رئيس الحكومة علي الزيدي إلى واشنطن ولقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال هذا الأسبوع.
وتقول المصادر إن الحملة، التي تباطأ اندفاعها الأول بعد سلسلة الاعتقالات الأخيرة، تستعد لـ”ضرب رؤوس كبيرة” أو ما يُعرف شعبياً بـ”حيتان الفساد”.
وتعتقد أن رئيس الحكومة سيحصل في واشنطن على دعم غير مسبوق يتيح له الاقتراب من شخصيات كانت تُعد، حتى وقت قريب، “غير قابلة للمساس”.
وترجح المصادر أن تفضي الخطوات المقبلة إلى تحقيق أول انتصار حقيقي في ملف الفساد عبر الوصول إلى مسؤولين من الصف الأول، بينهم رؤساء حكومات سابقون.
وكشفت أرقام الحملة، التي دخلت يومها الـ15، عن تراجع واضح في زخمها بعد بدايتها الصاخبة.
في الساعات الأولى من انطلاقها، نهاية حزيران الماضي، اعتُقل 21 نائباً ومسؤولاً دفعة واحدة، قبل أن يتباطأ إيقاع المداهمات لاحقاً وسط ما يُتداول عن ضغوط سياسية واتصالات مكثفة لإبطاء اندفاعها ومنعها من الاقتراب من شخصيات أكثر نفوذاً.
وتسعى بغداد لإبرام “تسوية” مع المعتقلين، تقوم على استعادة الأموال المنهوبة أو جزء منها مقابل الإفراج عن المتهمين، في تخفيف كلفة المواجهة السياسية التي قد تترتب على الذهاب بعيداً في فتح ملفات الفساد.
الزوبعي.. اسم جديد في الاعترافات
وفي موجة جديدة من الاعتقالات، ألقت السلطات، فجر أمس، القبض على النائب السابق ورئيس لجنة النزاهة الأسبق طلال الزوبعي، بحسب تسريبات متداولة.
ويُعتقد أن الزوبعي، وهو من فريق رجل الأعمال والسياسي خميس الخنجر، ورد اسمه ضمن اعترافات عدنان الجميلي، وكيل وزير النفط المعتقل، الذي كشف حتى الآن عن عشرات الأسماء من المسؤولين والنواب.
كما يواجه الزوبعي، وفق ما يتم تداوله، اتهامات تتعلق بتضخم الثروة، في قضية تتقاطع فيها السياسة بالمال والنفوذ.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أنه استغل موقعه الحساس في رئاسة لجنة النزاهة لفتح قنوات تفاوض مع مسؤولين ورجال أعمال، عارضاً تسوية ملفات فساد أو إغلاقها مقابل مبالغ مالية كبيرة.
دبابات على طريق المطار.. والأسدي ينفي
ومن بين المشاهد التي أثارت الجدل خلال حملة المداهمات الأخيرة، التي انطلقت فجر الأحد، ظهور دبابات على طريق مطار بغداد مرةً أخرى، بالتزامن مع أنباء عن مداهمة مكتب الوزير السابق والقيادي في الإطار التنسيقي أحمد الأسدي.
لكن مكتب الأسدي نفى لاحقاً تلك المعلومات، بعدما تسربت أنباء عن العثور على سبائك ذهب وملايين الدولارات.
وكانت بغداد قد اعتقلت، الشهر الماضي، عشرات النواب والمسؤولين على خلفية قضايا فساد فجّرها اعتقال عدنان الجميلي.
“وزارة النفط ليست الهدف الوحيد”
ويقول الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي محمد نعناع إن الحملة الحالية ليست معنية بوزارة النفط وحدها.
ويضيف لـ”المدى” أن “الشبكة التي يتم اصطيادها الآن تتعلق بأخذ أموال من وزارة النفط عن طريق عدنان الجميلي لدعم جهات معينة في الانتخابات، وتسليمها أموالاً لدعم ترشيحها، وقد فاز كثير منهم نتيجة هذه الأموال. هذه هي الشبكة التي تتمحور حولها الحملة حالياً، لكن هناك ملفات أخرى، مثل الكهرباء، كما أن هيئة النزاهة لديها أكثر من 90 ملفاً تتعلق بوزارات ومؤسسات، بينها الإسكان والنقل”.
ويتابع: “من المتوقع جداً أن تمتد الحملة إلى ملفات أخرى غير وزارة النفط، ويمكن أن تضرب بإجراءاتها رؤوساً كبيرة جداً، ستضحي بالتأكيد بعدنان الجميلي والنواب الذين تم اعتقالهم”.
لكنه يعتقد أن “من المبكر اصطياد كبار الحيتان بسبب التوافقات السياسية على عدم المس بها، وبسبب اتصالات دولية لحماية هذه الأطراف. كما أن أساس فكرة حملة مكافحة الفساد هو تخفيف الضغط عن النظام السياسي الذي يواجه نقمة شعبية بسبب ملفات الخدمات والسيادة وحرية التعبير”.
شروط واشنطن الثلاثة
وكانت الحملة التي أطلقها الزيدي تستهدف، في جانب منها، التوافق مع الشروط الأميركية الرامية إلى تجفيف أوردة الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعتقد أنه يحصل على تمويل عبر شبكات مالية مرتبطة بالفصائل.
كما تحتاج بغداد إلى تمويل خزائنها المثقلة بالديون، وهو ما قد يفتح الباب أمام استثمارات أميركية ودعم خليجي، خصوصاً أن الزيدي ينوي زيارة السعودية بعد عودته من واشنطن.
ومن المرجح أن يرافق رئيس الحكومة في رحلته، التي تنطلق اليوم، أكثر من 70 شخصية، بينهم نحو 40 مسؤولاً من وزراء وبرلمانيين ورؤساء لجان نيابية ومستشارين وموظفين في مكتب رئيس الحكومة، إضافة إلى أكثر من 30 رجل أعمال.
وأمس، أعلن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي عن توجه رئيس الوزراء إلى واشنطن اليوم الاثنين، برفقة وفد رفيع.
وذكر العبودي، خلال مؤتمر صحفي، أن “الجديد في هذه الزيارة أنها تختلف عن سابقاتها، بأن ثيمتها الأساسية هي الاقتصاد”.
وأضاف أن “استكمال الكابينة يرتبط بالتوافقات السياسية، والحكومة ستعالج نقص الكابينة عبر الوفد الذي سيذهب”.
وتابع أنه “ستوقع مذكرات ضمن مجالات النفط والغاز، والعراق ينوي إدخال شركات أميركية نفطية لرفع الإنتاجية النفطية”.
وبشأن قرار حصر السلاح بيد الدولة، أوضح العبودي أن “حصر السلاح بيد الدولة قرار عراقي لتأمين أجواء الاستثمار والاستقرار الداخلي”.
وبحسب محللين، فإن واشنطن تضع أمام بغداد ثلاثة ملفات رئيسية:
أولاً: السلاح المنفلت، ويتعلق بإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، وحل الميليشيات والفصائل المسلحة بما يعيد احتكار الدولة للقوة.
ثانياً: الحرب على الفساد، وهو الملف الذي يركز عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من أي ملف آخر، انطلاقاً من قناعة بأن الفساد هو البوابة التي تتفرع منها بقية الأزمات العراقية.
ثالثاً: وقف تهريب الدولار وإغلاق القنوات التي تستنزف الاحتياطي المالي العراقي وتغذي شبكات مالية مرتبطة بالخارج.
عقد الداخل.. السلاح والاعتراض السياسي
لكن هذه الملفات تبدو أكثر تعقيداً في الداخل العراقي.
فالفصائل المسلحة ترفض تسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ الباليستية، وتتمسك بعلاقتها مع إيران، التي ظهر استمرار نفوذها خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في كربلاء والنجف الأسبوع الماضي.
كما أن إجراءات الزيدي بدأت تبدو متعارضة مع مواقف بعض حلفائه الرئيسيين في الإطار التنسيقي والبرلمان، الذين شرعوا بالمطالبة بمحاكمات علنية وتحقيقات بشأن الجهات التي تنفذ الاعتقالات، ورفضوا استخدام الدبابات في المداهمات.
هل تريد القوى السياسية إحراج الحكومة؟
ويعلق نعناع على ذلك قائلاً إن مطالبات القوى السياسية بالمحاكمات العلنية “إذا كان المقصود بها بث المحاكمات على شاشات وسائل الإعلام، فهذا أمر غير ممكن ولم يُعمل به من قبل. أما إذا كان المقصود هو العلنية وفق قانون المرافعات وأصول المحاكمات، أي ألا تكون سرية، فهذا أمر يعمل به القضاء بالفعل، إذ يسمح بحضور مواطنين وحقوقيين وسياسيين بالقدر الذي تسمح به الظروف”.
ويضيف: “تستطيع المؤسسات والحقوقيون والسياسيون والمواطنون الاطلاع على هذه المحاكمات، وهي، من هذا الباب، علنية وليست سرية”.
لكنه يرى أن “هناك مآرب أخرى لا علاقة لها بالقانون أو الشفافية، وهذا لا يعني أن القضاء يتمتع بثقة مطلقة، فهناك أيضاً تأثير سياسي ومحاولات لاستغلال القضاء في تصفية خصومات معينة”.
ويتابع: “هذه المطالبات تهدف إلى إحراج الحكومة والقضاء، لأن هناك نمطاً بدأ يتصاعد في رفض حملة مكافحة الفساد. أصحاب هذا الموقف لا يستطيعون مواجهة الجمهور بالاعتراض على الاعتقالات، لذلك يطرحون قضايا مثل عدم الحاجة إلى الدبابات أو الأرتال العسكرية”.
ويعتبر أن هذا “تخوف واضح من تطور العملية لتطال ما يسمى عراقياً بـ”حيتان الفساد”.
ويشير نعناع إلى وجود “برود” لدى بعض القوى، ومنها أطراف داخل الإطار التنسيقي، في دعم إجراءات الزيدي، لكنه لا يعتقد أن الأمر سيصل إلى مرحلة الصدام.
ويقول: “لديهم أوراق أخرى، مثل عدم دعم الإجراءات، وربما إفشاء بعض أسرار الحملة أو شن حملات إعلامية ضدها. لا أعتقد أن الأمر سيصل إلى حالة الاصطدام مع الزيدي، لأن هذه القوى تمتلك وسائل ضغط أبكر من الصدام المباشر”.
ويختم قائلاً: “إذا وصلت الأمور إلى الصدام، فستكون هذه القوى هي الخاسرة، لأن الحكومة ستحوز دعماً جماهيرياً كبيراً، وسيعرف الناس أن تلك القوى وقفت بوجه القانون. لذلك ستسعى هذه الأطراف إلى التواصل فيما بينها قبل الوصول إلى تلك المرحلة، وقد تضغط على الزيدي بملفات أخرى، مثل الانتخابات والكهرباء، لمحاولة إيقاف الحملة أو الحد من اندفاعها”.