أثارت زيارة الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، إلى منطقة عفرين بريف حلب الشمالي، شمال غربي سوريا، موجة واسعة من الجدل والانقسام بين الأهالي والناشطين والفاعلين السياسيين، في مشهد أعاد إلى الواجهة ملف العلاقة المعقدة بين أبناء المنطقة والقوى المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، بعد سنوات من التهجير والصدامات والانقسامات السياسية التي شهدتها المنطقة.
ووصلت إلهام أحمد، المنحدرة من قرية زركا التابعة لناحية راجو في منطقة عفرين، في 28 أيار/مايو الماضي، إلى مدينة عفرين، حيث كان في استقبالها وفد من إدارة المنطقة وقائد قوى الأمن الداخلي، قبل أن تجري جولات ميدانية شملت عدداً من القرى والعائلات العائدة إلى المنطقة، إلى جانب زيارات لعدد من المقابر في المنطقة، وذلك ضمن ما قالت إدارة عفرين إنه “زيارة معايدة بمناسبة عيد الأضحى المبارك”، واستمرت زيارة أحمد لأربعة أيام.
ولكن الزيارة، التي بدت بروتوكولية في ظاهرها، سرعان ما تحولت إلى مادة سجالية واسعة بين مؤيدين رأوا فيها مؤشراً على انفتاح سياسي ورسالة تهدئة، ومعارضين اعتبروها استفزازاً لمشاعر أهالي عفرين، ومحاولة لإعادة تعويم شخصيات يعتبرها قسم من الأهالي مسؤولة عن سنوات من المعاناة والانقسام.
انقسام حاد
في الوقت الذي رحب فيه بعض الأهالي والناشطين بزيارة إلهام أحمد باعتبارها خطوة طبيعية في إطار عودة الشخصيات السياسية الكردية إلى مدنها وقراها، رأى آخرون أن الزيارة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الطابع الاجتماعي أو الشخصي، وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع مصورة من الزيارة، أظهرت تنقل أحمد برفقة مرافقة أمنية رسمية، الأمر الذي أثار موجة انتقادات من قبل معارضين اعتبروا أن الدولة السورية الجديدة تتعامل بازدواجية مع بعض الشخصيات المرتبطة بقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، على حد تعبيرهم.
وفي المقابل، اعتبر مؤيدون أن الزيارة تعكس حالة الانفتاح التي تشهدها البلاد بعد سقوط النظام المخلوع، وأن الدولة السورية “فتحت أبوابها لجميع السوريين دون استثناء”، مشيرين إلى أن أبناء عفرين يشاركون اليوم في مؤسسات الدولة والأمن العام، وأن المنطقة “جزء أصيل من سوريا الجديدة”، وقال ناشطون مؤيدون للزيارة إن ما جرى “يدحض روايات التحريض التي تصور عفرين على أنها منطقة مغلقة أو معادية لأبنائها”، مؤكدين أن “المدينة تتسع لجميع مكوناتها وأبنائها مهما اختلفت توجهاتهم السياسية”.
ذاكرة الانتهاكات تعود إلى الواجهة
بدا واضحاً أن قطاعاً واسعاً من أبناء عفرين لا يزال يحمل ذاكرة مثقلة بالأحداث التي سبقت سيطرة فصائل “الجيش الوطني السوري” على المنطقة عام 2018، وما رافق تلك المرحلة من معارك ونزوح وانقسامات اجتماعية وسياسية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
وقال الناشط السياسي جوان حمزة، وهو من أبناء منطقة عفرين، لموقع تلفزيون سوريا، إن العدالة الانتقالية “لا يمكن أن تكون انتقائية”، معتبراً أن أي حديث عن المصالحة أو بناء دولة القانون يجب أن يبدأ بكشف الحقيقة وإنصاف جميع الضحايا دون استثناء، وأوضح حمزة أن كثيراً من أهالي المنطقة ما يزالون يتحدثون عن انتهاكات شهدتها عفرين خلال فترة سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والقوى المرتبطة به، شملت، بحسب قوله، اعتقالات تعسفية وتضييقاً على الناشطين والمعارضين، إضافة إلى حوادث قتل واشتباكات شهدتها بعض القرى والبلدات في تلك الفترة.
وأضاف أن “تجاهل هذه الذاكرة أو محاولة تجاوزها دون محاسبة حقيقية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم”، مشيراً إلى أن جانباً من الغضب الشعبي تجاه زيارة إلهام أحمد يرتبط بكونها إحدى الشخصيات السياسية البارزة ضمن الإدارة التي كانت تدير المنطقة آنذاك، ودعا حمزة كل من تعرض لانتهاكات أو فقد أحد أفراد عائلته إلى “اللجوء للقضاء ورفع دعاوى قانونية”، مؤكداً أن “حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم”.
وقال الناشط الحقوقي مصطفى شيخو، وهو من أبناء عفرين، إن شريحة من الأهالي في عفرين تنظر إلى الزيارة باعتبارها “استفزازاً لمشاعرهم”، في ظل ما تصفه تلك الأوساط بوجود ملفات عالقة تتعلق بالمفقودين والانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وأضاف شيخو، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أنه تعرض للاعتقال عام 2011 بسبب مشاركته في نشاطات مؤيدة للثورة السورية ورفعه علم الثورة، مشيراً إلى أنه تعرض للتعذيب ثم اضطر إلى مغادرة البلاد لاحقاً.
كما تحدث شيخو عن حوادث قتل واعتقال طالت عدداً من أبناء المنطقة خلال فترة سيطرة القوات المرتبطة بـ”PYD”، معتبراً أن حالة الغضب الحالية تعكس شعوراً متراكماً لدى قسم من أهالي عفرين ممن فقدوا أقارب أو تعرضوا للانتهاكات أو التهجير أو تجنيد أبنائهم خلال تلك المرحلة.
امتعاض شعبي
وقالت الناشطة الحقوقية هيفين جعفر، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن شريحة واسعة من أهالي عفرين باتت تشعر بإرهاق واضح من الخطابات السياسية والشعارات المتكررة التي لم تترجم، بحسب تعبيرها، إلى حلول حقيقية، بل ارتبطت خلال السنوات الماضية بمزيد من التعقيدات والمآسي والانقسامات داخل المجتمع المحلي.
وأضافت جعفر أن زيارة إلهام أحمد إلى المنطقة قوبلت بامتعاض شعبي ملحوظ، مشيرة إلى أن جزءاً كبيراً من الأهالي ينظر إليها باعتبارها إحدى الشخصيات السياسية المرتبطة بمرحلة وصفتها بالمؤلمة في تاريخ عفرين، وهو ما انعكس على طبيعة التفاعل الشعبي المحدود مع الزيارة.
وشددت على أن أي حديث جدي عن مصالحة أو تهدئة يجب أن ينطلق أولاً من الاعتراف بمعاناة أهالي المنطقة، وتقديم موقف واضح تجاه ما تعرض له المتضررون، معتبرة أن “الاعتذار الصريح وتحمل المسؤولية” يمثلان خطوة أساسية قبل أي تحركات أو زيارات سياسية، وأن “احترام آلام الأهالي يسبق الرسائل والفعاليات ذات الطابع السياسي”.
وانتقدت جعفر ما وصفته باستمرار تحويل عفرين إلى ساحة صراع أو ورقة في مشاريع القوى المختلفة، مؤكدة أن سكان المنطقة يبحثون عن الاستقرار بعيداً عن الوصاية والتجاذبات، وقالت إن “عفرين ليست غنيمة لأحد ولا مساحة لتصفية الحسابات أو تبادل النفوذ”، مشددة على أن “أبناءها هم الأجدر بتقرير مستقبلها وإدارة شؤونها بعيداً عن التدخلات الخارجية”.
ما الهدف من الزيارة؟
يرى مراقبون أن زيارة إلهام أحمد تأتي في سياق تحولات سياسية أوسع تشهدها المناطق الكردية في شمالي سوريا، بالتزامن مع الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، ومحاولات إعادة رسم العلاقة بين القوى الكردية والدولة السورية، وسبق زيارة أحمد إلى عفرين، زيارة سكرتير حزب الوحدة الديمقراطي الكردي، محي الدين شيخ آلي، إلى المنطقة، الأمر الذي دفع بعض الناشطين إلى الحديث عن “إعادة توازن سياسي” داخل المشهد الكردي في عفرين، بين المجلس الوطني الكردي وبعض الأحزاب التقليدية من جهة، والقوى المرتبطة بالإدارة الذاتية من جهة أخرى.
وقال الناشط السياسي آزاد عثمان، لموقع تلفزيون سوريا، إن الجدل حول الزيارة لا يتعلق بشخص إلهام أحمد فقط، بل “بالمنظومة السياسية والعسكرية التي تنتمي إليها، والتي يعتبر كثير من أبناء عفرين أنها ساهمت في إدخال المنطقة في صراعات دفعت ثمنها آلاف العائلات”.
وأضاف عثمان أن كثيراً من السكان يحملون تلك القوى مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في عفرين بعد عام 2018، بما في ذلك حالة الفوضى والانتهاكات والنزوح الواسع، وأشار إلى أن غالبية أهالي المنطقة “مع اندماج جميع المناطق ضمن الدولة السورية”، لكنهم يرفضون “إعادة تقديم شخصيات يعتبرونها مسؤولة عن سنوات من المغامرات السياسية والعسكرية”، وتابع: “كأشخاص لهم الحق بالعودة إلى منازلهم وقراهم، لكن كتيار سياسي ما يزال هناك رفض واسع لهم داخل الشارع العفريني”.
غضب متوقع
من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أسامة مسلم، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن ردود الفعل السلبية التي رافقت زيارة إلهام أحمد إلى عفرين “لم تكن مفاجئة”، بل هي، وفق تقديره، نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة من الأحداث التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الماضية، وما خلفته من شعور واسع لدى كثير من الأهالي بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة مصيرهم خلال فترات المعارك والتغيرات العسكرية والسياسية التي شهدتها عفرين.
وأوضح مسلم أن جزءاً كبيراً من حالة الغضب الشعبي يرتبط بإحساس عام بعدم اكتمال أي مسار للمراجعة السياسية أو الأخلاقية من قبل الشخصيات المرتبطة بالإدارة الذاتية، مشيراً إلى أن عودتها إلى المنطقة “من دون تقديم أي اعتذار أو إجراء مراجعة حقيقية أو تحمل مسؤولية سياسية” يفاقم منسوب التوتر بدل أن يخففه، ويعيد فتح ملفات لم تغلق في الوعي الجمعي لأهالي عفرين.
وقالت مصادر محلية في عفرين لموقع تلفزيون سوريا، إن ظهور هذه الشخصيات في سياق زيارات رسمية وتحت حماية أمنية واضحة يزيد من حساسية المشهد، لأنه يُقرأ محلياً كنوع من إعادة التموضع السياسي في منطقة ما تزال تعيش آثار الانقسام، لا كخطوة نحو مصالحة أو تهدئة.
ولفتت المصادر إلى أن هذا النمط من التحركات قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المستوى الشعبي، إذ “تخسر هذه القوى ما تبقى من رصيدها حتى داخل بعض البيئات التي كانت تتعاطف معها أو تؤيدها سابقاً”، مرجعة ذلك إلى ما وصفته بـ“الإخفاق السياسي في قراءة المزاج العام، وعدم إدراك عمق التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة”.
بين التهدئة والمحاسبة
وتقول مصادر محلية إن زيارة إلهام أحمد قد تكون مؤشراً على إدراك متزايد لدى قيادات “الإدارة الذاتية” بضرورة التكيف مع التحولات الجديدة في سوريا، والانخراط ضمن ترتيبات سياسية مختلفة عمّا كان مطروحاً خلال السنوات الماضية، وبحسب مصادر تحدثت لموقع تلفزيون سوريا، فإن الزيارة حملت طابعاً اجتماعياً أكثر من كونها استعراضاً سياسياً، وهدفت بالدرجة الأولى إلى زيارة العائلة والقرية وبعض العائلات العائدة إلى المنطقة.
وبرغم ذلك، فإن الجدل الذي رافق الزيارة كشف حجم الانقسام داخل المجتمع العفريني، بين من يدعو إلى طي صفحة الماضي والانخراط في مرحلة جديدة، وبين من يصر على ضرورة المحاسبة وكشف الحقيقة قبل أي مصالحة أو إعادة تعويم للوجوه السياسية السابقة، كما تكشف ردود الفعل المتباينة حول زيارة إلهام أحمد إلى عفرين أن جراح المنطقة ما تزال مفتوحة، وأن السنوات التي حكم فيها الحزب الذي تنتمي له أحمد، المنطقة، وما تبع تلك الفترة من نزوح ومآسٍ، قد تركت بالفعل أثراً عميقاً في الوعي الجمعي لأبناء المنطقة.
