
المحامي خالد عجاج المصدر: النهار
لم يعد الحديث يدور حول اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، بل حول اتفاق ولد تحت ضغط النار وفي لحظةٍ إقليمية تعد الأكثر حساسية منذ سنوات. فالإعلان عن تفاهم بين واشنطن وطهران يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة موقتة تتيح إطلاق مفاوضات جديدة حول الملف النووي لمدة ستين يوماً، لا يعكس نهاية أزمة بقدر ما يكشف حجم المخاوف من انفجارها. فالاتفاق جاء في وقت كانت المنطقة تقف فيه على حافة مواجهة أوسع، الأمر الذي يمنحه طابعاً استثنائياً، لكنه في الوقت نفسه يجعله هشاً وقابلاً للاهتزاز عند أولا اختبار ميداني.
تكمن أهمية الاتفاق في أنه نجح في كسر منطق التصعيد المتبادل الذي حكم العلاقات الأميركية- الإيرانية خلال المرحلة الأخيرة. غير أن أهمية الحدث يجب ألا تحجب حقيقة أساسية مفادها أن الملفات التي فجرت الأزمة لم تجد طريقها بعد إلى الحل. فالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية ومستقبل النفوذ الإقليمي والضمانات الأمنية المتبادلة، جميعها قضايا مؤجلة إلى طاولة مفاوضات أكثر تعقيداً. وما جرى التوصل اليه حتى الآن لا يتجاوز توفير مساحة زمنية تسمح للأطراف بالتقاط الأنفاس ومنع انزلاق الأحداث نحو مواجهة مفتوحة.
الأكثر دلالة أن الاتفاق لم يولد في مناخ سياسي مستقر، بل في ظل استمرار التوترات العسكرية. فالضربات المتبادلة والرسائل الأمنية التي سبقت الإعلان عنه أظهرت أن الميدان لا يزال يحتفظ بقدرته على التأثير في القرار السياسي. وفي الشرق الأوسط تحديداً كثيراً ما كانت الوقائع العسكرية أقوى من التفاهمات الديبلوماسية، وهو ما يجعل مستقبل الاتفاق مرتبطاً بما سيجري على الأرض أكثر مما يرتبط بما كُتب في البيانات الرسمية.
كما أن المشهد لا يقتصر على طرفين فقط. فإسرائيل التي تنظر إلى الملف الإيراني باعتباره تهديداً وجودياً لا تتبنى بالضرورة المقاربة نفسها التي تعتمدها واشنطن. وبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى احتواء التوتر ومنع توسع الحرب، ترى تل أبيب أن أي تخفيف للضغوط قبل معالجة جوهر البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي، قد يمنح إيران فرصةً إضافية لتعزيز موقعها. وهذا التباين في الحسابات يضيف عاملاً جديداً من عدم اليقين إلى مستقبل التفاهم المعلن.
من جهة أخرى تدخل إيران هذه المرحلة وهي حريصة على إظهار أن قبولها بالتفاوض لم يكن نتيجة هزيمة أو انهيار، بل نتيجة توازن فرض على جميع الأطراف البحث عن مخرج
سياسي. ولهذا السبب ستسعى طهران إلى التعامل مع الاتفاق بوصفه اعترافاً بقدرتها على الصمود، فيما ستسعى واشنطن إلى تقديمه كنجاح ديبلوماسي حال دون اندلاع حرب واسعة قد تهدد استقرار المنطقة والعالم.
لذلك يبدو من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي أو تسوية تاريخية. فالاتفاق الحالي يشبه إلى حد بعيد هدنةً مشروطة أكثر مما يشبه اتفاق سلام. إنه محاولة لتنظيم الصراع لا إنهائه، وإدارة التوتر لا معالجته من جذوره. أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ بعد لحظة الاحتفال السياسي، عندما تواجه الأطراف استحقاق التفاوض حول الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً.
في النهاية قد يكون الإنجاز الأهم لهذا الاتفاق أنه أوقف ساعة الانفجار ولو موقتاً لكنه لم يلغ أسبابها، فالمنطقة لا تزال تعيش فوق طبقات متراكمة من الأزمات والصراعات والحسابات المتناقضة، ما يعني أن نجاح التفاهم سيعتمد على قدرة جميع الأطراف على ضبط إيقاع الميدان خلال الأسابيع المقبلة. أما إذا عادت لغة السلاح لتتقدم على لغة السياسة، فقد يتحول الاتفاق من فرصة للتهدئة إلى محطة عابرة تسبق جولةً أكثر خطورة من المواجهة.