
قبل أن يبدأ مجلس الشعب أولى جلساته ظهرت إشكالية دستورية غير مسبوقة، تتعلق بحدود السلطة التشريعية في مواجهة سلطة تنفيذية مؤقتة، توسّعت في اختصاصاتها على نحو يهدد بنية النظام السياسي نفسه. فوفق تقارير صحافية، وصلت إلى أعضاء المجلس تعليمات مكتوبة من اللجنة العليا للانتخابات تتضمن تغييرات جوهرية في إجراءات الجلسة الأولى، لا تستند إلى أي نص أعلى، ولا تنسجم مع الإعلان الدستوري أو المرسوم 143 لعام 2025. هذه التعليمات، إلى جانب قرار تأجيل الجلسة الأولى، تكشف أن اللجنة العليا للانتخابات تجاوزت حدود دورها الانتخابي المحدود، وتحولت إلى جهة تعيد صياغة لحظة تأسيس السلطة التشريعية من خارج الأطر القانونية.
التعليمات التي تم تداولها بعد صدور قرار تأجيل الجلسة لم تكن مجرد تعليمات إجرائية، بل تضمنت تعديلات تمس جوهر العملية التشريعية. فقد فرضت أداء القسم الجماعي أمام رئيس المجلس، رغم أن الإعلان الدستوري ينص على أن القسم يُؤدّى أمام رئيس الجمهورية. كما جرى تعديل مفهوم الأغلبية في انتخاب رئيس المجلس، بحيث يفوز من يحصل على أعلى عدد من الأصوات الصحيحة، حتى لو لم يبلغ نصف الأصوات، وهو ما يخالف المادة الثامنة والعشرين من الإعلان الدستوري التي تشترط الانتخاب بالأغلبية. كما أعيدت صياغة بنية مكتب المجلس من رئيس المجلس ونائب واحد وأمينا سر اثنان، بينما النص الدستوري حدد نائبين للرئيس وأمين سر واحد، كما تم تغيير توقيت كلمة رئيس الجمهورية، خلافاً للمادة الأربعين التي تنص على أن الدعوة يوجهها رئيس المجلس المنتخب في نهاية الجلسة الأولى. والأخطر من ذلك أن التعليمات منعت المرشح الخاسر من الترشح لمنصب آخر في الجلسة نفسها، وهي قاعدة لا وجود لها في أي نص دستوري أو قانوني.
هذه الإجراءات تكشف أن اللجنة العليا لم تكن بصدد تنظيم الجلسة، بل كانت تعيد صياغتها بالكامل، وكأنها سلطة تشريعية موازية. ورغم أن المرسوم 143 المنشىء للجنة الانتخابات أوضح في المادة السابعة عشرة منه: “أن مهام جميع اللجان المنصوص عليها فيه تنتهي بعد جلسة القسم الدستوري لأعضاء مجلس الشعب”. كما أن المادة التاسعة والثلاثين تحصر دور اللجنة العليا في دعوة الأعضاء إلى الجلسة الأولى خلال مدة محددة حصراً، ولا تمنحها أي سلطة في تنظيم الجلسة أو تعديل إجراءاتها أو تأجيلها. الدعوة هنا ليست سلطة تقديرية، بل واجب إلزامي مرتبط باستحقاق دستوري، والجلسة الأولى ليست ملكاً للجنة العليا، بل هي ملك للسلطة التشريعية التي تبدأ وجودها القانوني بها.
وتتضح خطورة هذا التداخل أكثر حين نلاحظ أن التعليمات لم تقتصر على الجانب الإجرائي، بل امتدت إلى محاولة إعادة تعريف طبيعة الجلسة الأولى نفسها، وتحويلها من لحظة تأسيسية للسلطة التشريعية إلى مساحة تتحكم فيها جهة تنفيذية مؤقتة. فالجلسة الأولى ليست مجرد اجتماع بروتوكولي، بل هي اللحظة التي ينتقل فيها الأعضاء من صفة المنتخبين إلى صفة المشرّعين، وفيها تتحدد هوية المجلس، وتُرسم حدود استقلاليته، وتُعلن بداية ممارسة السلطة التشريعية. أي تدخل خارجي في هذه اللحظة، مهما بدا بسيطاً، يترك أثراً عميقاً على شرعية المجلس وعلى توازن السلطات في الدولة.
كما أن قبول المجلس بهذه التدخلات سيؤسس لسابقة خطيرة، إذ سيصبح من الممكن في كل دورة لاحقة إعادة صياغة الجلسة الأولى وفق تعليمات تنفيذية لا تستند إلى أي سند قانوني، ما يحوّل السلطة التشريعية إلى مؤسسة قابلة لإعادة التشكيل من خارجها. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة المجلس على الدفاع عن استقلاليته، وحول ما إذا كان سيقبل أن يبدأ حياته الدستورية من موقع ضعف، أو سيختار أن يمارس صلاحياته كما نص عليها الإعلان الدستوري. فالتدخل في لحظة التأسيس لا يقتصر أثره على الجلسة الأولى، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية طوال مدة ولاية المجلس، ويؤثر في قدرة المجلس على ممارسة دوره التشريعي لاحقاً. أما دوره الرقابي، وهو الوظيفة التي تمنح البرلمانات في الأنظمة الديمقراطية وزنها الحقيقي، فلا يستطيع ممارسته بنص الإعلان الدستوري، وهذه نقطة ضعف بنيوية تجعل المجلس أكثر هشاشة أمام أي تدخل خارجي، وتقلّل من قدرته على مواجهة السلطة التنفيذية أو مساءلتها أو الحد من توسعها خارج سلطتها.
وفي غياب محكمة دستورية أو هيئة قضائية تفصل في النزاعات بين السلطات، يصبح تصحيح هذا الخلل رهناً بإرادة المجلس نفسه. يستطيع مجلس الشعب قانونياً تجاهل قرار التأجيل، لأن النصوص الدستورية أعلى مرتبة من أي تعليمات أو قرارات صادرة عن اللجنة العليا، ولأن المادة 39 لا تمنح اللجنة سلطة التأجيل، ولأن المادة 17 تربط انتهاء مهام اللجنة بانعقاد الجلسة، لا بتعليقها. يستطيع رئيس السن أن يدعو إلى الجلسة الأولى في موعدها الطبيعي، وأن يبدأ الجلسة، وأن يؤدي الأعضاء القسم وفق النص الدستوري، وأن ينتخبوا رئيسهم ومكتبهم، وأن يعلنوا بدء ممارسة السلطة التشريعية.
يبقى السؤال الأهم هو: هل يملك المجلس الإرادة لفعل ذلك؟ وهل يستطيع أن يبدأ حياته الدستورية بموقف استقلالي واضح؟ وهل يملك الشجاعة ليقول إن السلطة التشريعية ليست ملحقاً تنفيذياً، وإن الجلسة الأولى ليست قابلة للتأجيل بقرار إداري؟ هنا يتحدد مستقبل العلاقة بين السلطات. فإذا قبل المجلس التأجيل، فإنه يبدأ حياته من موقع ضعف، ويكرّس سابقة خطيرة مفادها أن السلطة التشريعية يمكن تعطيلها أو إعادة ترتيبها من خارجها. أما إذا مارس اختصاصه وعقد جلسته بدعوة من رئيس السن، فإنه يضع نفسه في موقع السلطة التي تعرف حدودها وتدافع عنها. وفي النهاية، لا تُقاس قوة السلطة التشريعية بالنصوص التي تمنحها صلاحيات، بل بقدرتها على ممارسة تلك الصلاحيات في اللحظة التي تكون فيها مهددة.