كان الزعيم الصينيّ الشيوعيّ ماو تسي تونغ (توفّي عام 1976) من أشهر المنظّرين لحرب العصابات والممارسين لها بنجاح ضدّ الجيوش النظاميّة، سواء أكانت جيوش السلطة الحاكمة أو جيوش الاحتلال. من أهمّ عناصر نجاح أيّ تمرّد مسلّح (insurgency) أو مقاومة للاحتلال، برأي ماو، ضمان التأييد الشعبيّ أو حياد معظم الرأي العامّ في أقلّ تقدير، وهو ما شبّهه بجريان السمك في الماء. السمك هم المقاومون، والماء هو الناس، وهو ما يسمّى في لبنان “بيئة المقاومة”. لقد حظي “الحزب” منذ تأسيس نواته الأولى عام 1982، بتأييد شعبيّ متدرّج، وصل إلى الذروة عام 2000، عندما قرّر رئيس الحكومة الإسرائيليّة آنذاك إيهود باراك الانسحاب من المستنقع اللبنانيّ.
أربع خطوات للقضاء على المقاومة
لقد نجح البريطانيّون إبّان حرب العصابات الشيوعيّة في شبه جزيرة الملايو (ماليزيا الحاليّة)، بين عامَي 1948 و1960، في اختراق بحيرة الناس التي يسبح فيها المقاومون، فيما فشلت الولايات المتّحدة بكسر المقاومة الفيتناميّة الجنوبيّة بين عامَي 1955 و1975. الفارق بين التجربتين أنّ بريطانيا لجأت إلى استمالة الناس وإبعادهم عن المقاومة وتأثيراتها، واعتماد القتال عبر وحدات صغيرة، فيما تمسّك الأميركيّون بأسلوب حرب الاستنزاف، والقصف الاستراتيجيّ بهدف إضعاف الحاضنة الشعبيّة. على هذا، تُعتبر تجربة بريطانيا في الملايو نموذجيّة في تكتيكات مكافحة التمرّد (counterinsurgency)، حيث كانت الأولويّة كسب السكّان المحليّين بدلاً من التركيز فقط على إلحاق الهزيمة بالتشكيلات العسكريّة غير النظاميّة، أي تعلّم “تناول الحساء بالشوكة” للتمييز بين المسلّحين والمدنيّين.
بحسب الباحث الاستراتيجيّ جون ناغل John Nagl في كتابه“مكافحة التمرّد، دروس من الملايو وفيتنام: تعلّمُ تناول الحساء بالشوكة”، ركّزت الصيغة البريطانيّة على فصل المتمرّدين عن مصدر إمدادهم، وتجفيف قدرتهم على تجنيد مقاتلين جدد من بين السكّان. لقد أدرك قادة الاحتلال أنّ هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها على الفور، بل البدء من أجزاء صغيرة من البلاد، وفق أربع خطوات:
1- السيطرة على المناطق المأهولة وبناء شعور بالأمان التامّ فيها، بهدف الحصول على تدفّق مستمرّ ومتزايد من المعلومات من جميع المصادر.
2- تفكيك منظومة Min Yuen، وهي الجناح المدنيّ لجيش التحرير الوطنيّ الملاويّ، التابع للحزب الشيوعيّ، داخل المناطق المأهولة.
3- عزل العصابات المسلّحة عن منظومة تزويدهم بالغذاء والمعلومات في المناطق المأهولة.
4- تدمير العصابات المسلّحة عن طريق إجبارهم على مهاجمة القوّات النظاميّة في الميدان الخاصّ بها.
أمّا الأميركيّون بعد احتلال العراق عام 2003، ونشوب حرب عصابات فعّالة، فقد طوّروا عقيدتهم في مكافحة التمرّد، بإشراف الجنرال ديفيد بترايوس David Petraeus، وأصدروا عام 2006 كتيّباً إرشاديّاً هو: Counterinsurgency Field Manual، وأخطر ما فيه أنّ الحكومة تحتاج إلى أغلبيّة صلبة كي تنتصر على التمرّد المسلّح، في حين أنّ التمرّد لا يحتاج إلّا إلى أغلبيّة صامتة، والمقصود هنا حكومة قائمة، سواء أكانت مدعومة من قوّة احتلال أم لا. يشرح الكتيّب المذكور أنّ الصراع يدور غالباً بين أقليّة نشطة تدعم السلطة وبين فصيل مسلّح صغير يناهضها، وكأنّ البقيّة على مقاعد الفرجة بانتظار رجحان الكفّة لأحدهما.
تفكيك البيئة الحاضنة
لدى دراسة تجربة الاحتلال الأميركيّ في أفغانستان والعراق، يتبيّن أنّ مكافحة المقاومة في كلا البلدين تحت إشراف بترايوس ورفاقه تضمّنت بشكل أساسيّ تفكيك البيئة الحاضنة، وتمييز النواة الصلبة العقائديّة عن الأطواق الأخرى، التي تبتعد عن النواة تباعاً، من الأنصار المتفاوتين في ولائهم وحماستهم، إلى المنتفعين من الحالة ككلّ، فيما أسرع الناس انشقاقاً هم الفئات الخارجيّة، وأشدّهم صلابة أقربهم إلى النواة، وهو ما ينطبق على أيّ حركة مسلّحة، ذات عقيدة ورؤية، ومنها “حماس” في غزّة و”الحزب” في لبنان. إلّا أنّ الفارق بين التجربة الأميركيّة قبل عقدين والتجربة الإسرائيليّة، بعد طوفان الأقصى عام 2023، بشكل خاصّ، أنّ العقيدة الإسرائيليّة، التي كانت فيما مضى أقرب إلى كسب العقول لا القلوب، باتت حاليّاً غير عابئة كليّاً بالبُعد المدنيّ من الصراع، بل إنّ حكومة بنيامين نتنياهو تمارس الإبادة، أحياناً بقناع وأحياناً كثيرة بصراحة فجّة، باعتبار أن سكّان غزّة بغالبيّتهم كانوا يؤيّدون حركة حماس، أو عمليّة “طوفان الأقصى”، وكذلك الأمر بالنسبة لأغلبية شيعة لبنان، الذين يؤيّدون المقاومة، ويرفضون التفاوض المباشر مع إسرائيل. على هذا الاعتبار، أعادت إسرائيل النظر جزئيّاً بعقيدة مكافحة التمرّد الأميركيّة، المستندة إلى فكرة اجتذاب المدنيّين لعزل المسلّحين، وذلك بحسب رافائيل كوهين Raphael Cohen، مدير برنامج الاستراتيجية والعقيدة في مشروع راند RAND للقوّات الجوّيّة.
ما جرى في غزّة ويتكرّر في لبنان من تدمير منهجيّ لمعالم الحياة حتّى المقابر مقرّ الذكريات، إنّما يقصد كيّ الوعي عند بيئة المقاومة، ودفعها إلى الانفكاك عن المقاومين، شعوريّاً ومادّيّاً، بما يترجم انقطاعاً عن التأييد اللفظيّ، والامتناع عن إمدادها بالأموال والرجال.
إذا كان “الحزب” في لبنان قد نجح في هذه الحرب بخلاف حرب 2024 في تطوير أدواته القتاليّة، حتّى لو بدت بدائيّة، أي المسيّرات الانقضاضيّة الموجّهة بألياف ضوئيّة التي لا يمكن رصدها إلكترونيّاً، استفادةً من دروس الحرب الروسيّة الأوكرانيّة بالدرجة الأولى، فإنّ اعتماد إسرائيل على الجرّافة المدرّعة كأداة أساسيّة في سحق البيئة الحاضنة، إلى جانب الطائرات والمسيّرات والدبّابات، يشكّل ميدان سباق بين مسارين، وبين منهجين، والسؤال هو: هل المسيّرات سلاح استراتيجيّ يقلب المعادلات ويحقّق الانتصارات أم تدمير عشرات القرى والبلدات في الجنوب هو تأسيس وعي الهزيمة في العقل الجمعيّ لسنوات طويلة؟
في نهاية المطاف، قد يعتبر “الحزب” نفسه منتصراً حين تتوقّف الحرب على غير ما يشتهيه نتنياهو. لكنّ إغفاله البيئة الحاضنة لدى إطلاقه الصواريخ الستّة على شمال فلسطين المحتلّة، مطلع آذار الماضي، لن يكون دون عواقب.
