تحديات العدالة الانتقالية وأسئلة الانتقال السوري على رغم بعض النجاحات الخارجية لا وصول إلى الخبز وفرص العمل من دون حياة سياسية عبر الأحزاب والنقابات
ملخص
بدأت سوريا الجديدة التوجه نحو الغرب من دون القطع الكامل مع الشرق، وهي لا تزال تعمل لصوغ نظام ليبرالي اقتصادي على طريقة الغرب، لكنها تبدو غير مستعدة ولا راغبة في بناء نظام سیاسي ديمقراطي حتى على طريقة تركیا برئاسة رجب طيب أردوغان الداعم الأول لها، قبل الحديث عن دول الغرب.
قامت دمشق أخيراً بخطوتين بارزتين في توقيت لافت ومنتظر، الأولى هي الاتفاق مع موسكو على صيغة جديدة للوجود العسكري السوري مع مشاركة سورية في إدارة الوظيفة الجديدة لقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، والثانية هي بدء المحاكمات وإصدار أحكام الإعدام غيابياً على الرئيس السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر، وفهد جاسم الفريج، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم ميهوب، ورفيق صالح ناصر، وطلال فارس العيسمي، وحضورياً على عاطف نجيب قريب الأسد.
نجيب الذي قال نائب الرئيس السابق فاروق الشرع في مذكراته أنه “أمر باعتقال أطفال درعا ونقلهم إلى دمشق، فرع فلسطين، بسبب كتابة ’إجاك الدور يا دكتور‘ على الجدران، وتعذيبهم بحجة أن المساس بالذات الرئاسية لا يمكن غفرانه”. ومن درعا كانت بداية الثورة عام 2011.
ولا أحد يتوقع أن يأمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتسليم الأسد إلى سوريا، لكن الكل يتمنى لو صدر قبل المحاكمات قانون شامل جديد من أجل العدالة الانتقالية، لأن القوانين العادية تصطدم في المحاكم بصعوبة اعتبار المسؤولية الفردية جزءاً من المسؤولية العامة.
وما كان بين التوقعات أن تغلق إدارة سوريا الجديدة باب العلاقات مع روسيا على رغم دورها في دعم نظام الأسد ومواجهة الثائرين عليه، وفي مقدمهم أبو محمد الجولاني زعيم “هيئة تحرير الشام” الذي وجَّه الضربة الأخيرة القاضية للنظام، وتولى الرئاسة الانتقالية باسمه الفعلي أحمد الشرع، والذي لم يتردد في زيارة موسكو التي هرب إليها الأسد مع منحه اللجوء، وكل هذا ضمن النقلة الكبيرة التي حدثت في شتاء 2024، وأعطت أكبر قدر من المشروعية الشعبية للحكم الجديد.
ذلك أن سوريا انتقلت في خمسينيات القرن الماضي من التوجه نحو الغرب إلى التوجه نحو الشرق، وهو ما اختصره شاعر سوري بالقول في قصيدة “الريح شرقية والشام في السحب”. لكن النظام السوري، ولا سيما أيام الأسدين الأب والابن، أبقى باباً خلفياً مفتوحاً مع الغرب. وما أخذه من الشرق السوفياتي ليس فقط الأسلحة والتأميم ومعاهدة الأخوة والصداقة وبعض مظاهر الاشتراكية، بل أيضاً وقبل ذلك النظام التوليتاري السلطوي ونموذجه البوليسي الذي يتجاوز ما جاء في كتاب جورج أورويل “1984”.
أما سوريا الجديدة، فإنها بدأت التوجه نحو الغرب من دون القطع الكامل مع الشرق، وهي لا تزال تعمل لصوغ نظام ليبرالي اقتصادي على طريقة الغرب، لكنها تبدو غير مستعدة ولا راغبة في بناء نظام سیاسي ديمقراطي حتى على طريقة تركیا برئاسة رجب طيب أردوغان الداعم الأول لها، قبل الحديث عن دول الغرب.
والواقع أن الرئيس أحمد الشرع أظهر مهارة لافتة في فتح الأبواب مع العرب والغرب وبعض الشرق وإدارة العلاقات الخارجية لسوريا، يعاونه وزير الخارجية الديناميكي أسعد الشيباني، وهذا ما زاد من القدرة على توظيف الفرص المفتوحة أمام دمشق من جانب أميركا وأوروبا والسعودية وتركيا، لأسباب تتعلق بأهمية سوريا وموقعها الجيوسياسي والاقتصادي، وقبل ذلك بالقطع مع إيران والاستعداد للتفاوض مع إسرائيل بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترمب، وهو ما عجزت دول أخرى عن فعله، وسط فرص مفتوحة، لكن ظروفها أصعب من ظروف سوريا وأقل قدرة على الحسم.
لكن إدارة العلاقات الداخلية لا تزال حمالة أوجه. فلا مشاركة سياسية، بصرف النظر عن خطوات صغيرة لها طابع رمزي مثل إجراء انتخابات ليست انتخابات لمجلس شعب محدود الصلاحيات أمام حكم مركزي شديد. ولا تسويات ضرورية لأوضاع الساحل والسويداء بعد المجازر التي حدثت. ولا أحد يعرف متى تصدر قوانين الأحزاب والنقابات للمشاركة السياسية والاجتماعية ولا كيف تكون، وسط شعار مطروح خلاصته أن الملح حالياً هو ضمان الخبز والعمل وإعادة الإعمار والاستثمارات وليس الأحزاب والنقابات. لكن المطلوب هو الأمران معاً. فالتنمية حرية، ولا وصول إلى الخبز وفرص العمل من دون حياة سياسية عبر الأحزاب والنقابات. ولا شراكة سياسية مفيدة من دون العمل والخبز والحرية.
مفهوم أن سوريا في وضع انتقالي طويل نسبياً على مدى خمسة أعوام. لكن المشكلة أن السوريين لا يعرفون إلى أين يقود هذا الوضع الانتقالي، بالتالي ما هي الصورة في نهاية الأعوام الخمسة. فالمراكز الأساس لا تزال في أيدي الذين قاموا بمثلها في حين كانت “هيئة تحرير الشام” تحكم “إمارة إدلب”. والظاهر حتى إشعار آخر، هو مشروع السلطة أكثر مما هو مشروع الدولة. فالديمقراطية التي لا تزال خارج التعابير الرسمية ليست جائزة للسوريين في آخر الطريق الانتقالي. ودولة المستقبل تُبنى على الطريق وليست مدينة مشعة في نهاية الطريق.
في كتاب جيروم درايفون “من الجهاد إلى السياسة، كيف تقبل جهاديون سوريون السياسة”، يسجل المؤلف تحولات “هيئة تحرير الشام” من “جبهة النصرة” و”القاعدة” والزرقاوي إلى حركة سياسية تدير بلديات في إدلب، ويسأل “هل الحكومة التي تحكم سوريا اليوم معتدلة وبراغماتية بحسب الخطاب، أم متجذرة في أصلها الجهادي؟”.
الجواب في سوريا حائر، إذ كل شيء في العالم “سباحة في بحر اللايقين”، بحسب إدغار موران.
