منذ بداية العمليّات، اتّسم خطاب إدارة دونالد ترامب بتأرجح لافت. فقد أعلن الرئيس في مرحلة مبكرة أنّ المعارك الكبرى “انتهت”، ثمّ عاد ليؤكّد أنّ الولايات المتّحدة “لا تزال بحاجة إلى إنجاز المهمّة”، “العمليّات قد تنتهي “قريباً”، أو قد تتطلّب المضيّ “أبعد”. حدّد وزير الدفاع بيت هيغسيث الأهداف ذات مرّة بثلاثة عناوين واضحة: تحييد الصواريخ الإيرانيّة، شلّ القدرات البحريّة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نوويّ. لكن خلف هذه الأهداف الظاهريّة يكمن تناقض استراتيجيّ لم يُحسم بعد: هل المقصود هو دفع إيران إلى تسوية تفاوضيّة بشروط قسريّة أم تفكيك قدراتها العسكريّة التقليدية أم إنهاك النظام إلى درجة تهدّد بقاءه؟
على أرض الواقع، لم تقتصر العمليّات على الضربات العسكريّة وحدها، بل رافقها مسار تصعيديّ استهدف قمّة الهرم القياديّ الإيرانيّ، مع محاولات لإضعاف البنيتَين الأمنيّة والعسكريّة وتشجيع الضغوط الداخليّة. غير أنّ هذا التوجّه اصطدم سريعاً بحقيقة صلبة: الضربات الجوّيّة، مهما بلغت كثافتها، لا تكفي وحدها لإسقاط نظام شديد المركزيّة من دون رؤية واضحة لليوم التالي. هكذا برز التناقض الأميركيّ الأعمق: السعي إلى إنهاك النظام من دون تحمّل الكلفة الكاملة لانهياره.
الخيارات المطروحة أمام الرّئيس
يقف ترامب اليوم أمام ثلاثة مسارات رئيسة:
1- توسيع الضربات لإنجاز المهمّة عسكريّاً: يدفع بعض الصقور داخل الإدارة نحو استكمال تدمير ما بقي من البنية العسكريّة الإيرانية، انطلاقاً من قناعة بأنّ استثمار الزخم العسكريّ الحاليّ قد يفرض واقعاً جديداً على طهران. لكنّ هذا الخيار يحمل معه مخاطر توسّع إقليميّ، وتهديداً طويل الأمد لاستقرار أسواق الطاقة، علاوة على احتمال انزلاق واشنطن إلى حرب استنزاف مفتوحة تتناقض مع شعار “أميركا أوّلاً”.
2- الضغط حتّى التسوية التفاوضيّة: يبدو هذا الخيار الأكثر انسجاماً مع شخصيّة ترامب التفاوضيّة. استخدام القوّة القصوى لفرض اتّفاق جديد يمكن تقديمه داخليّاً إنجازاً تاريخيّاً يتجاوز اتّفاق أوباما النوويّ. لقد لخّص ترامب هذه المقاربة بقوله: “سيفعلون الشيء الصحيح، أو سننجز المهمّة”. غير أنّ طهران تراهن بدورها على الصمود، معتبرة أنّ واشنطن قد تتعب سياسيّاً وانتخابيّاً قبل أن تنهار إيران استراتيجيّاً.
3- احتواء الصراع ضمن وضع هشّ: لا يعني وقف إطلاق النار الحاليّ نهاية الأزمة، بل تجميدها ضمن معادلة أكثر هشاشة. لا تزال إيران تحتفظ بأوراق ضغط استراتيجيّة، وعلى رأسها مضيق هرمز، فيما تستمرّ أسواق النفط العالميّة بدفع كلفة اللايقين، مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات تُنذر بتداعيات اقتصاديّة عالميّة واسعة.
بكّين لم تغيّر المعادلة
كان البعض يراهن على أنّ زيارة ترامب لبكّين قد تفتح نافذة لاختراق دبلوماسيّ في الملفّ الإيرانيّ. لكنّ النتائج جاءت محدودة. صحيح أنّ واشنطن وبكّين أكّدتا رفضهما لامتلاك إيران سلاحاً نوويّاً، إلّا أنّ الصين أثبتت مرّة أخرى أنّها غير مستعدّة لتحويل نفوذها الاقتصاديّ إلى مواجهة استراتيجيّة مباشرة مع إيران أو إلى خدمة أجندة أميركيّة كاملة. تُفضّل بكّين الاستقرار الذي يحفظ مصالحها التجاريّة، لا الانخراط في هندسة توازنات الحرب.
يرى جون بولتون، أحد أبرز دعاة الحسم العسكريّ داخل التيّار الجمهوريّ، أنّ ترامب يجد نفسه في معضلة صنعها بنفسه: يريد اتّفاقاً يستطيع تسويقه نصراً سياسيّاً، لكنّه يخشى في الوقت ذاته أن يبدو وكأنّه أعاد إنتاج اتّفاق شبيه بما فعله باراك أوباما.
هنا تكمن أزمة شعار “أنجزْ المهمّة” الذي تحوّل من هدف عسكريّ واضح إلى أداة سياسيّة مرنة تُستخدم للتصعيد حيناً، وللتراجع حيناً، وللمساومة دائماً. لم يعُد الشعار يعكس استراتيجية نهائيّة بقدر ما يعكس محاولة لإدارة التوازن بين الحرب والسياسة الداخليّة والاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة.
الانتخابات النّصفيّة: العامل الخفيّ
مع اقتراب الانتخابات النصفيّة، تصبح الحرب الإيرانيّة أكثر من ملفّ أمنيّ أو جيوسياسيّ. إنّها تتحوّل إلى اختبار اقتصاديّ مباشر داخل الولايات المتّحدة. أسعار النفط، التضخّم، وكلفة الانخراط العسكريّ قد تؤثّر في المزاج الانتخابيّ الأميركيّ بقدر ما تؤثّر نتائج العمليّات العسكريّة نفسها. في هذه المعادلة، قد يصبح أسعار الوقود في الولايات المتأرجحة أكثر حسماً من نتائج الضربات الجويّة في الخليج.
ماذا بقي من “المهمّة”؟
في نهاية المطاف، تكشف عبارة “أنجِزْ المهمّة” عن غموض أكبر ممّا توحي به من حسم، فهي تفترض وجود هدف واضح المعالم ونهاية محدّدة، بينما الواقع يشير إلى صراع مفتوح على احتمالات متعدّدة.
لم تنهَر إيران. تلقّى النظام ضربات قاسية وخسر أجزاءً مهمّة من بنيته العسكريّة، لكنّه لم يسقط. لا يزال مضيق هرمز ورقة استراتيجيّة حسّاسة. لا تزال أسواق الطاقة رهينة أيّ تصعيد إضافيّ. أمّا الحلفاء الدوليّون، من بكّين إلى العواصم الإقليميّة، فقد أظهروا حدود استعدادهم للانخراط الكامل في مشروع أميركيّ طويل المدى.
الأبرز هو أنّ إدارة ترامب التي رفعت لواء الانسحاب من مستنقعات الشرق الأوسط تجد نفسها اليوم أمام خطر التورّط في واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيداً، من دون رؤية خروج واضحة.
“أنجِزْ المهمّة” لم تعُد عبارةً تعبِّر عن تعب الشارع الأميركيّ. لقد أصبحت سؤالاً استراتيجيّاً حقيقيّاً: ما هي المهمّة؟ هل هي ردع نوويّ؟ تغيير سلوك؟ إسقاط نظام؟ أم تأجيل الانفجار المقبل؟
ما لم تُجِب واشنطن عن ذلك بوضوح استراتيجيّ لا بشعارات انتخابيّة، سيبقى “إنجاز المهمّة” وعداً معلّقاً، لا نهاية حرب، ولا سلاماً مستقرّاً، بل أزمة مؤجّلة بين نارين.
